العدد 101 - السنة التاسعة – ربيع الآخر 1416هـ -أيلول 1995م

نبي الله يوسف عليه السلام وحكم مصر

قال تعالى في سورة يوسف:

(يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

من المعلوم أن أنبياء الله عليهم السلام جاؤوا جميعاً بعقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد متمثلة في إخلاص العبودية لله عز وجل وتنزيهه عن الشركاء والأمثال وتوجب اتخاذه وحده حاكماً ومشرعاً نافية عنه سبحانه أي مظهر من مظاهر الشرك، مثبتة له وحده الألوهية والربوبية، فالله وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم، وهو وحده الذي يسن للناس شرائعهم، وهو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأنظمة مجتمعاتهم.

ويوسف عليه السلام يقرر هذه الحقيقة بوضوح وكذلك أبوه يعقوب عليه السلام يقررها أيضاً: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ). والحاكمية هي جزء لا يتجزأ من العبودية، والعبودية هي تحصيل حاصل للإقرار بالربوبية، الذي يتخذ رباً يجب أن يعبد، والذي يعبد يجب أن يتخذ حاكماً ومشرعاً، وإذا آمن الإنسان أن الله تعالى خالقه وبارئه اتخذه معبوداً وبالتالي حاكماً ومشرعاً، لهذا جاء التسلسل بالآية “أأرباب (ربوبية… ما تعبدون (عبودية)… إن الحكم إلا لله (حاكمية)”، فالحاكمية هي لرب العالمين الذي يعبده المسلم ويأخذ تشريعه منه وحده ولا يتخذ رباً سواه، لأن من يشرع للناس من عند نفسه فقد جعل نفسه رباً للناس، وبذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم عن معنى قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، فقال: «كانوا يحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال».

ويوسف عليه السلام نبي الله المعصوم يقرر الحقيقة نفسها فيدعو نزلاء السجن إلى وجوب عبادة الله تعالى وحده لا عبادة غيره لأنه هو رب العالمين وبذلك يكون هو وحده الحاكم والمشرع (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ).

والمسلم يقرأ يومياً سورة الفاتحة ويرددها مرات وهي تصدح بهذه الحقيقة الساطعة، فالله رب العالمين، وهو الذي يجب أن نعبده وهو الذي يشرع لنا ويبين لنا الشرائع والقوانين والقيم والموازين، وله وحده الدينونة والطاعة، وقد جاء التسلسل كذلك في هذه السورة بشكل ربوبية ثم عبودية ثم حاكمية (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … إِيَّاكَ نَعْبُدُ… اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) والصراط المستقيم هو طريق القرآن الذي جاءت آياته تطالب بأن تكون الحاكمية لله وحده (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).

ويوسف عليه السلام ما كان ليخالف قوله فعله فتراه يدعو لحاكمية ومن ثم يحكم بالكفر. إن هذا القول معناه الطعن في عصمة نبي من أنبياء الله تعالى والافتراء عليه، فإذا كان الله تعالى ذم على المسلمين أن يكون قولهم يخالف فعلهم (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) فكيف بنبي الله يوسف هل يجوز بحقه أن يدعو لحاكمية الله تعالى ثم تراه يتولى بنفسه الحكم بالكفر. إن أنبياء الله أرفع وأسمى من تلك الافتراءات، وإن كتاب الله ينطق بتكذيب كل ما قال بذلك مفترياً على الصديق يوسف عليه السلام (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *