العدد 101 - السنة التاسعة – ربيع الآخر 1416هـ -أيلول 1995م

نموذج لتحريف الإسلام

الدكتور/ محمد محمد حسين

عشية هدم الخلافة وغداة تلك الفاجعة، حرص الغرب على الترويج لإسلام جديد، يتوافق مع الحضارة الغربية ويكون وعاء يستوعب كل ما يأتي من الغرب من أنظمة وقوانين وطراز عيش. وذلك من أجل تبرير الأوضاع التي فرضها في بلادنا بعد هدم الدولة الإسلامية.

وقد كان حريصاً على إيجاد “مفكرين” وكتاب من المسلمين يحملون لواء هذه الدعوة، سواء أكانوا عملاء ومنافقين أو كانوا مخلصين أجهض إخلاصهم الاستلاب أمام الغرب والتأثر بحضارته. وفي الفترة الأخيرة نشط الغرب ومريدوه في العالم الإسلامي لإحياء ذلك التوجه، بعد أن يئسوا من فصل الدين عن الحياة في ضمائر المسلمين، وبعد أن بدأ الإسلام السياسي يتحفز لاستلام مقاليد الأمور في العالم الإسلامي. فإن كان ولابد من قيام حكم إسلامي، فإن دول الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، تعمل على إيصال رموز “إسلامية” مداهنة للغرب وحضارته وأفكاره، ممن هم على استعداد لتفريغ الإسلام من مضمونه وحشوه بعد ذلك بمضامين الحضارة الغربية.

في المقال التالي المأخوذ من كتاب “الإسلام والحضارة الغربية” للدكتور محمد محمد حسين، نقع على نموذج من تلك النماذج. فهو يتكلم عن مؤتمر عقد في جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1953 تحت عنوان “الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة” حيث يسلط الضوء على إحدى المحاضرات التي ألقاها أحد المشاركين من المسلمين في المؤتمر وهو الأستاذ مصطفى الزرقا. نلفت النظر إلى أن الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله تعالى هو من المفكرين والكتاب الذين بذلوا جهوداً جليلة في سبيل الدفاع عن الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، وكان رحمه الله بعيداً إلى حد عظيم عن التأثر بالحضارة الغربية وثقافته في وقت تسابق المثقفون والكتاب فيه على خطب ود تلك الحضارة وثقافتها.

فيما يلي كلام الدكتور محمد محمد حسين:

إن نظرة سريعة إلى أسماء الباحثين الذين صدر بهم الكتاب [الكتاب الذي صدر عن المؤتمر المذكور]، تكفي لملاحظة أن الأميركيين منهم قد اختيروا ممن قضوا وقتاً في الشرق الإسلامي، وبينهم عدد كبير ممن تولى التدريس في الجامعة الأميركية في بيروت أو في القاهرة. أما المسلمون، فكثير منهم أميركيو الثقافة ممن تلقوا دراستهم الجامعية في الولايات المتحدة نفسها. وبعضهم قد اختير لما يتوسم فيه من القدرة على توجيه التفكير في بلده، كأن يكون أستاذاً بإحدى جامعات البلاد الإسلامية، أو وزير للمعارف في إحدى هذه البلاد، أو رئيساً لتحرير إحدى الصحف بها. أما النزر القليل من الباحثين المسلمين الذين تبدو النزاهة فيما ألقوه من بحوث، فقد استجلبوا لستر أهداف المؤتمر ليكونوا كنماذج البائع الغشاش التي يغطي بها البضاعة الفاسدة ليوهم المشتري أن كل بضاعته من ذاك النوع الجيد، وليكونوا هم العسل الذي يستعان به على إخفاء مرارة الأباطيل، والدسم الذي يخفي ما حشي به المؤتمر من سموم على أن هؤلاء الأبرياء ممن تتصف بحوثهم بالنزاهة لم تخل كلماتهم من بعض الانحراف. فالأستاذ مصطفى الزرقا – وهو أحد القلائل الذين يتوسم القارئ خلال بحثهم الإخلاص – قد شغل نفسه بتسويغ الأساليب العصرية السائدة مما يخالف الشريعة الإسلامية اليوم، فهو يعرض فيها مواضع الخلاف بين الشريعة الإسلامية، محاولاً أن يسوغ هذه النظم تسويغاً إسلامياًن فكأنه يوثق الإسلام بإثبات أنه مطابق لنظم الحضارة الغربية وأسسها، وكأن الإسلام لا يصح إلا حيث يطابقها، بل لا يصح إلا لأنه يطابقها.

يقول: [فالصفة الدينية في الفقه الإسلامي لا تنافي أنه مؤسس على قواعد مدنية بحثة، منتجة لفقه متطور كفيل بوفاء الحاجات العصرية وحل المشكلات النابتة في الطريق] ص 157.

وما يسميه هو بالحاجات العصرية نابع في أكثر الأحيان من تقليد نظم حضارية غربية عن الإسلام ومخالفة لأصوله، وليس مطلوباً من المسلمين أن يكونوا على صورة غيرهم، يتبعون سننهم حذو القُذْة بالقُذْة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوا فيه، بل إن مخالفة المسلمين لغير المسلمين هي شيء مقصود لذاته، صوناً للشخصية الإسلامية، وتمييزاً لها من غيرها. ومن أجل ذلك كان المسلمون منهيين عن تقليد غير المسلمين في زيهم وفي عاداتهم.

وهذا المنهج الفاسد الذي التزمه الأستاذ الزرقا بنية تزيين الشريعة الإسلامية عند أعدائها وعند من يجهلونها قد أوقعه في أخطاء فاحشة، فهو عند كلامه عن عقوبة الزاني بالجلد – وقد أهمل الرجم وتجاهله – وعقوبة السارق بقطع اليد، وبقية الحدود الأربعة يقول: [فإذا لوحظ أن تطبيق بعض عقوبات الحدود الأربعة أصبح متعذراً في زمان أو مكان، فمن الممكن تطبيق عقوبة أخرى، ولا يوجب هذا ترك الشريعة أجمع] ص158.

فمن الواضح أن كلامه هذا تسويغ لإسقاط الحدود الإسلامية سعياً لإرضاء النظم المعاصرة غير الإسلامية التي تعتبرها ضرباً من القسوة والوحشية، وهو يفعل مثل ذلك في كلامه عن المعاملات التجارية العصرية التي تقوم كلها على أساس الربا، فيقول: [إن هذه المشكلة يمكن حلها في مبادئ الشريعة الإسلامية بطرق عديدة] ص 150. ويذكر فيما يذكر من الحلول [الرجوع إلى تحديد الحالة الربوية التي كان عليها العرب، وجاءت الشريعة بمنعها، إذ كان المرابون يتحكمون كما يشاءون بالفقير المحتاج إلى القرض الاستهلاكي لا الاستثماري] ص 159.

ويذكر فيما يذكره كذلك من مسوغات وحلول [تأميم المصارف لحساب الدولة، فينتفي عندئذ معنى الربا من الفائدة الجزئية التي تؤخذ عن القرض، إذ تعود عندئذ إلى خزينة الدولة لمصلحة المجموع] ص 159. ولعل أفضل ما ذكره من هذه المسوغات هو قوله: [بالاستناد إلى قاعدة التدابير الاستثنائية الموقوتة، إلى أن يقام في المجتمع الإسلامي نظام اقتصادي متجانس يغني الناس عن الالتجاء إلى الفائدة]. والواقع أن الناظر في بحث الأستاذ الزرقا يحس من خلاله روحه الإسلامية المخلصة التي تحاول أن تبرز مزايا الشريعة الإسلامية وتحببها إلى قلوب النافرين منها. ولكنه وقع فيما لا بد أن يقع فيه عندما يلقي بحث في مؤتمر غربي يتهم الشريعة الإسلامية بالجمود. فهو يحاول – عن حسن قصد – أن يشرح لهم مزايا الشريعة الإسلامية، ويوضح لهم ما تنطوي عليه إمكانيات، وطبيعي في مثل هذه الحالة أن يشرحها من الزوايا التي تلائم العقل الغربي المعاصر، فيدعي – مثلاً – أن نظام الرق في الإسلام كان نظاماً مؤقتاً (ص 146). مع أن حقيقتها هو أنه ثمرة نظام طبيعي يرتبط بسنة من سنن الله الكبرى، وهي الصراع والتنافس ودفع الناس بعضهم ببعض، وهو موجود في مجتمعنا المعاصر تحت اسم غير اسمه، فالذي زال في حقيقة الأمر هو اسمه فقط، بل إن الرق بالحدود التي حدها الإسلام واشترطها على مالك الرقيق خير من الرق المقنع في الحضارة الراهنة، فهو أرحكم لا شك من كل صور الاضطهاد العنصري، والتسلط الاستعماري وتجارة الرقيق الأبيض في المجتمعات المعاصرة.

وهو يحاول أن يبرهن على أن نظام الحكم الإسلامي يطابق نظام الحكم الديمقراطي المعاصر (147). والحقيقة أن المعتبر في نظام الحكم الإسلامي هو التزام القائم على الأمر بالنظام الإسلامي وشريعته، فإذا التزمه، فهو خليفة عن الله، أو عن رسول الله، وإذا لم يلتزمه، فهو طاغية يحكم بهواه، أو تابع مأجور يحكم بأهواء الذين انتخبوه والذين تخضع تشريعاتهم لشهواتهم ومصالحهم.

وهو يميل بالقيم الإسلامية إلى أقصى ما تحتمله النصوص نحو القيم الغربية، وبذلك يقع في الأحبولة التي دبرها هل ولأمثاله الغربيون. فهو في سبيل دفع تهمة الجمود التي يلصقها الغربيون بالشريعة ينحرف إلى أقصى الطرف المناقض في بيان ما تنطوي عليه من مرونة التطبيق، حتى يبلغ بهذه المرونة حد الميوعة وانعدام الذات والمقومات، التي تجعلها صالحة لأن تكون ذيلاً لأي نظام، وتبعاً للأهواء، وبذلك ينتهي إلى إلغاء وظيفة الدين، لأنه بدلاً من أن يقوّم عوج الحياة بنصوص الشريعة يحتال على نصوص الشريعة حتى يسوغ بها عوج الحياة المعاصرة. وذلك واضح فيما ساقه في ختام بحثه عن لجنة القانون المصري الجديد، وعن تخريج الأوضاع الاقتصادية السائدة على أسس الفقه الإسلامي، حيث يقول: [فكل الأوضاع الاقتصادية اليوم يمكن تخريج أحكام جديدة لها على أسس الفقه الإسلامي ونظرياته، وتلك الأحكام الجديدة – بعد تخريجها وبنائها على قواعد الفقه الإسلامي – تلحق به وتصبح جزءاً منه[ ص 106.

ثم يقول: [وأخيراً في مصر قام فريق كبار القانونيين وفقهاء الشريعة عند وضع القانون المدني المصري الجديد الذي هو قانون أجنبي الأصول، فدعوا إلى استمداده من فقه الشريعة الإسلامية بمختلف مذاهبها، وصاغوا نظرية العقود الواردة فيه كلها صياغة جديدة تتضمن الأحكام القانونية نفسها مستمدة من مذاهب الفقه الإسلامي].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *