العدد 101 - السنة التاسعة – ربيع الآخر 1416هـ -أيلول 1995م

افتتاحية العدد: حكام المسلمين لا يزالون يرتعون في مستنقع الخيانة

مصداقاً لقول الله عز وجل: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا) تنطق الوقائع والأحداث اليومية، حيث يواصل الكفار مكرهم بالمسلمين وحربهم على الإسلام ويُقابل هذا المكر السيئ والحرب والضروس ليس بتخاذل وخنوع فحسب، بل بتواطؤ وخيانة ممن أوجب الله عليهم حماية الثغور وحفظ بيضة الإسلام ورعاية شؤون المسلمين، أي الحكام، وهم وإن كانوا جميعاً مغتصبين للسلطة، جاعلين دار الإسلام دار كفر، وليست هناك شرعية لحكمهم، إلا أنهم هم الذين يباشرون السلطة وتحت تصرفهم مقدرات الأمة وطاقاتها وثرواتها ولذا فهم المسؤولون عن ضياع وتبديد ثروات الأمة وجعل أموالها مشاعاً للسفهاء وللكفار وهم المسؤولون عن وَهبِ أنفسهم طوعاً لدمار أمتهم، وجعل أنفسهم طوعاً لبِنَان الكفار ورهناً لإشارتهم، وهم الذين فرطوا في المقدسات، وانتهكوا الحرمات وضللوا أبناء الأمة وأحالوا بينها وبين التصدي لأعدائها فهم بذلك ينطبق عليهم قول الحق تبارك وتعالى: (هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).

ولقد وقعت في هذا الشهر مآسي أربع تُذهب النفوس حسرة، وتكاد تزيغ الألباب حيرة فوق الألم الممض والأسى المفجع، وتكشف من جديد عن حقيقة هؤلاء الحكام أصحاب قلوب الشياطين وجثمان الإنس، أما هذه الأحداث الأربع فهي:

1- هروب حسين كامل صهر الرئيس العراقي صدام حسين إلى الأردن وما أعقب ذلك من أحداث.

2- رد فعل الحكام على أحداث البوسنة والهرسك.

3- ازدياد حدة الهجمة الشرسة لتصفية وإرهاب حملة الدعوة الإسلامية في شتى بلاد المسلمين.

4- احتفال إسرائيل بما تسميه زوراً وبهتاناً ذكرى مرور 3000 عام على تأسيس القدس من قبل اليهود.

· هروب حسين كامل صهر الرئيس العراقي صدام حسين إلى الأردن وما أعقب ذلك من أحداث:

لجأ الفريق حسين كامل إلى الأردن في الثامن من آب 1995م وأعلن نيته إطاحة النظام في بغداد، وأعقب ذلك نشاطاً محموماً لحسين بن طلال عراب الإنجليز، ونظيره سمسار أميركا حسني مبارك وبدأت المنطقة تشهد جولة جديدة من الصراع الأنجلو – أميركي على المنطقة، فأعلن الملك حسين عن تأييده لحسين كامل في مسعاه للإطاحة بصدام حسين، وبدء سلسلة من الأعمال السياسية لم ينسى فيها أن يحج إلى لندن ليتلقى تعليمات المرحلة القادمة، في حين بادر مبارك بإعلان استنكاره التدخل في شؤون العراق وحرصه على سلامة ووحدة أراضيه، ونادي بوجوب رفع المقاطعة الاقتصادية تنه. وبغض النظر عما إذا كانت بريطانيا قررت إنهاء خدمات صدام حسين واستبداله بعميل جديد هو حسين كامل بصفة دائمية أو مرحلية، أو كان ذلك عملاً منسقاً مع النظام العراقي لتثبيت حكمه وكشف المعارضة الداخلية والخارجية تمهيداً لتصفيتها وكذلك بغض النظر عما إذا كان الموقف الأميركي المدافع عن نظام بغداد والذي تجلى في موقف مبارك وتصريحات الأسد الذي قال إن لجوء حسين كامل إلى الأردن «أخذ حجماً كبيراً في وسائل الإعلام ولا أعتقد أنه يساوي كل هذا الحجم»، وكان أيضاً جلياً في موقف المعارضة العراقية من عدم التفافها حول حسين كامل ورفضها التعامل معه، وأما الإدارة الأميركية نفسها فلم تعط حسين كامل الأهمية اللازمة وقلل العديد من أعضاء الكونغرس من أهميته وأهمية الاستفادة مما لديه من معلومات، وكذلك حجم القوات التي أرسلت إلى الخليج لم يكن على مستوى الحدث والدافع لموقف أميركا هذا لا يخفى على أحد فصدام حسين هو الورقة الرابحة في يدها لتبرير تواجدها في الخليج، ومواصلة جهودها من أجل إحكام سيطرتها على المنطقة، وإتمام عملية تحطيم العراق وإخضاع شعبه لما تريد أميركا.

نعم بغض النظر عن هذا وذاك فإن تسابق النظام العراقي وحسين كامل لكشف أسرار الدولة وفتح البلاد على مصراعيها للأمم المتحدة، وإهدار جهود أبنائها وعلمائها وعشرات المليارات من الدولارات، والتوجه إلى أميركا طلباً لمرضاتها وكأنها إله يعبد أو رب يرجى، لهو طامة كبرى تكشف عن مدى الخسة والخيانة التي وصل إليها هؤلاء المتسلطون على رقاب المسلمين.

· رد فعل الحكام على أحداث البوسنة والهرسك:

عندما تصاعدت أعمال الصرب الإجرامية ضد المسلمين، ووقف العالم متفرجاً ينظر إلى حرب الإبادة الوحشية دون أن يحرك ساكناً، أسرع الحكام لامتصاص غَضبة المسلمين وحميتهم لإخوانهم في البوسنة والهرسك، فقام حكام الأردن والإمارات المتحدة والسعودية وحتى اليمن بمهزلة جمع التبرعات من خلال تخصيص يوم من البث الإذاعي والمرئي لحملة جمع تبرعات، فظنوا أنهم بذلك ينفسون عن مشاعر الأمة ويوهمون الناس بأنهم أدُّوا ما عليهم من واجب تجاه مسلمي البوسنة والهرسك. والحق أن المسلمين يدركون أن الحكام قد استبدلوا ما أوجبه الله عليهم بما وسوست لهم شياطين الجن والإنس فَحلّ المذيعون والمذيعات والمغنيون والمغنيات مكان الجيوش وقادة الحرب، وأجهزة الراديو والتلفاز محل الطائرات والصواريخ، وأموال الجهاد استبدلت بصدقات تجمع من الأطفال والنساء، أو من المال المختلس الذي جعله الحكام مشاعاً لهم ولعائلاتهم واختلط الطيب والخبيث.

نعم يدرك المسلمون ذلك، فهم يعلمن كيف كان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على استغاثة عمرو بن سالم وذلك أنه لما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل. فدخلت بنو بكر في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فلما كانت الهدنة بعد الحديبية أراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة ثأراً، وبيتوا خزاعة وهم على الوتير (ماء لهم) فأصابوا منهم رجلاً وتحاوروا واقتتلوا ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً. فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين الناس وقال:

يا رب إني ناشد محمداً

                  حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا

                  ثُمَّتَ أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصراً أَعتدا

                  وادعُ عبادَ الله يأتوا مددا

فبهم رسول الله قد تَجَرّدا

                  إن سيم خسفا وجهه تربدا

في فيلقِ كالبحر يجري مُزْبداً

                  إن قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

                  وجعلوا لي في كداء رصدا

وزعموا أن ليست أدعوا أحدا

                  وهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالوتير هُجدا

                  وقتلونا رُكعا وسجدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نُصرتَ يا عمرو بن سالم». قال هذه الجملة فقط ولم يزد عليها. لم يستنكر ويشجب سنيناً ثم بعد ذلك يجمع تبرعات. إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، فساروا إلى مكة فاتحين. نعم بمثل هذا تعالج قضايا المسلمين ويستجاب لصرخات نسائهم وأطفالهم والمستضعفين منهم.

· ازدياد حدة الهجمة الشرسة لتصفية وإرهاب حملة الدعوة الإسلامية في شتى بلاد المسلمين:

تصاعدت حملات القتل الجماعي والفردي الذي تمارسه العصابات الحاكمة في مصر والجزائر وليبيا، وتواترت الأخبار عن ممارسات همجية لجهاز القمع في الجزائر تمثلت في قتل حملة الدعوة الإسلامية وكل معارض للنظام ذبحاً ثم القيام بطرح أشلائهم على قارعة الطريق في محاولة يائسة لإرهاب الجماهير وإشاعة الخوف في أرجاء البلاد، وكذلك تطالعنا الأنباء يومياً عن حوادث القتل، وحملات الاعتقال المنظمة، والمحاكمات العسكرية الهزلية، في مصر وكذلك أحداث بنغازي وغيرها من المدن الليبية، فضلاً عن أنباء الاعتقالات في اليمن والسعودية والأردن وفلسطين.

فأين هؤلاء الحكام من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة» وقال صلى الله عليه وسلم وهو يطوف حول الكعبة: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك وماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيراً» نعم أين هؤلاء الزبانية من أحكام الإسلام وحق المسلم، ومسؤوليات الحاكم.

· احتفال إسرائيل بما تسميه زوراً وبهتاناً ذكرى مرور 3000 عام على تأسيس القدس من قبل اليهود:

القدس هذا البلد المقدس الذي أهرقت دماء المسلمين أنهاراً في سبيل الدفاع عنه، وخرَّ في ساحته ملايين الشهداء قوافل تتلوا قوافل مدة تزيد على مائة عام في حرب متتالية حتى طهر من رجس الكفار وعاد إلى سلطان المسلمين، يعلن يهود بكل صلف وغرور تحت سمع وبصر مئات الملايين من المسلمين، عن جعله عاصمة أبدية لدويلتهم ويحتفلون بذلك أكبر احتفال وأبهجه، أما حكام المسلمين فلم يحركوا ساكناً وصمتوا صمت القبور، ولم ينقصهم إلا أن يباركوا هذه الاحتفالات ويبادورا بإرسال التهاني وأطيب التمنيات ليهود، ومن يدري لعل حسيناً كعادته بارك وهنأ إخوانه من يهود بذلك، فهو صاحب الفضل عليهم حيث أنه هو الذي سلم لهم الضفة الغربية بكاملها بما فيها القدس عام 1967م.

· هذا هو واقع حكامنا وتلك حقيقتهم، وليعلم الذين يستند إليهم الحكام من ضباط وجنود وأهل قوة ومنعة وأصحاب الرأي والفكر وكل من له تأثير على الحكم أن الزانية لهوى النفس ليست بأقبح من الزانية لإطعام أولادها الخبز لأجل إنقاذهم من الجوع فكلتاهما زانية وجب عليها الحد فتجلد أو ترجم فالعفة أغلى من حياة الأولاد وأغلى من ملايين الناس، وكذلك السائرون مع العملاء لتنفيذ مخططات الكفار ليسوا بأقل جرماً من العملاء فكلاهما قد قام بالجريمة وكلاهما قد حق عليه غضب الله وعقابه وسخط الأمة وسيأتي اليوم الذي يجزى كل بعمله.

وليعلم المسلمون جميعاً أن هؤلاء الحكام قد أحنى ظهورهم الذل وحطم نفوسهم تمسكهم بحطام الدنيا، وباعوا دينهم بالزيف من الزعامات، فلا أمل لكم بهم، ولا مناص لكم عن قلعهم وطمس كل مخالفاتهم وثمار عهدهم المشين.

وليعلم الغرب أن عمر الأمم لا يقاس بالسنين ولا بعشرات السنين، وأن كبوة أمة عريقة كالأمة الإسلامية مهما طالت فإنما هي سحابة صيف في عمرها. وليعلموا أن إذلال المسلمين وتجريعهم كؤوس الصغار أمر لا يستطيعون احتمال مغبته ولا طاقة لهم على حمل عاقبته.

لهذا فإنا ندعو المسلمين لأن يضعوا حداً لهذا الكفر وذاك الصغار، وأن يغضبوا لدينهم وكرامتهم، فقد آن الأوان لإزالة هذا المنكر الفظيع، وحان الوقع لإبطال المؤامرات الشنيعة، وأطل الزمن الذي ينهض فيه من يأخذ على يد الظالم ويقول له قف فقد استيقظ المسلمون وتحرك أهل الحق.

        

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *