العدد 101 - السنة التاسعة – ربيع الآخر 1416هـ -أيلول 1995م

حوار مفتوح حول دستور دولة الخلافة (7)

من منطلق ثقتنا الراسخة بالله عز وجل، وبنصره الذي لا ريب فيه والذي سيتمثل في عودة السيادة على الأرض لدين الإسلام متجسداً في دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة، تعرض مجلة «الوعي» دستوراً للدولة الإسلامية التي يعمل المسلمون لإيجادها بعون الله، وهي إذ تقوم بهذا العرض للدستور تدعو المسلمين عامة والمفكرين والعلماء وأصحاب الرأي وقيادات العمل الإسلامي خاصة لإبداء رأيهم والمشاركة بفعالية في مناقشة الأمر، والمجلة ترحب بالمراسلة على عنوانها أو الاتصال المباشر بمراسيليها وتأمل في أن تصلها النصائح سواء كانت في صورة نقد لفكر أو حكم أو كانت في صورة اقتراح بالإضافة والتوسع، ومع علمنا بالجهد المبذول في البحث والدراسة والتفكير في هذا العمل إلا أننا نقرر الحقيقة الثابتة وهي «رأينا صواب يحتمل الخطأ»، ولذا نكرر القول بأننا نرحب من أعماق قلوبنا بأي تصحيح لحكم قد يكون استنبط على غير وجه صحيح أو تصويب لواقع لم يدرك بشكل كامل وما إلى ذلك. هذا ونسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد وأن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم مباركاً فيه بفضل منه ورحمة.

المادة 16: نظام الحكم هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً.

شرح المادة:

النظام الصحيح للحكم إنما هو نظام وحدة ليس غير. لأن الدليل الشرعي إنما جاء به وحرم سواه، فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قبله، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»، وروي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». ووجه الاستدلال بهذين الحديثين هو أن الحديث الأول يبيّن أنه في حال إعطاء الإمامة أي الخلافة لواحد وجبت طاعته، فإن جاء من ينازعه هذه الخلافة وجب قتاله وقتله إن لم يرجع عن هذه المنازعة. فبيّن الحديث أن أمر من ينازع الخليفة في الخلافة وجب قتاله. وهذا كناية عن منع تجزئة الدولة، والحث على عدم السماح بتقسيمها، ومنع الانفصال عنها ولو بقوة السيف. أما الحديث الثاني فإنه في حال خلو الدولة من رئيس، أي من خليفة، وأعطيت رئاسة الدولة أي الخلافة لشخصين فاقتلوا الآخر منهما، ومن باب أولى إذا أعطيت لأكثر من اثنين. وهذا كناية عن منع تقسيم الدولة. وهذا يعني تحريم جعل الدولة دولاً، بل يجب أن تكون دولة واحدة. ومن هنا كان نظام الحكم في الإسلام نظام وحدة لا نظام اتحاد، ويحرم غير نظام الوحدة تحريماً قاطعاً. ولهذا وضعت هذه المادة.

المادة 17: يكون الحكم مركزياً والإدارة لا مركزية.

شرح المادة:

 وقد وضعت هذه المادة للتفريق بين الحكم والإدارة. والتفريق بينهما يظهر في ناحيتين: في واقع كل منهما، وفي أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم في توليته الحكام وفي تعيينه الموظفين. أما واقع كل منهما فإن الحكم والملك والسلطان بمعنى واحد، وهو السلطة التي تنفذ الأحكام. قال في القاموس المحيط: «أقر بالملوكة بالضم بالملك والملك بالضم ويؤنث والعظمة والسلطان» وقال في موضع آخر: «والسلطان الحجة وقدرة الملك» وقال في موضع ثالث: «الحكم بالضم: القضاء جمعه أحكام وقد حكم عليه بالأمر حكماً وحكومة وبينهم كذلك والحاكم منفذ الحكم». وهذا يعني أن الحكم لغة القضاء، والحاكم لغة منفذ الحكم، والمراد من الحكم في هذه المادة هو الحكم اصطلاحاً بمعنى تنفيذ الأحكام أي الملك والسلطان وقدرة الملك. أو بتغيير آخر الحكم هو عمل الإمارة التي أوجبها الشرع على المسلمين بقوله عليه السلام: «لا يحل لثلاثة بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم» وعمل الإمارة هذا هو السلطة التي تستعمل لدفع التظالم وفصل التخاصم. أو بعبارة أخرى الحكم هو ولاية الأمر الواردة في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) وفي قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ) وهي مباشرة رعاية الشؤون بالفعل. هذا هو واقع الحكم. وعلى ذلك تكون ولاية الأمر والإمارة والملك والسلطان هي الحكم وما عداها فهو الإدارة. وعليه فإن ما يقوم به الخليفة وأمراءه من ولاة وعمال من رعاية شؤون الناس بتنفيذ أحكام الشرع وتنفيذ أحكام القضاة هو الحكم. وما عداه مما يقوم به هؤلاء أو غيرهم ممن يعينونه من الناس أو يعينه الخليفة هو الإدارة. وبذلك يبرز الفرق بين الحكم والإدارة. وقد جعل الشارع هذا الحكم بهذا الواقع للخليفة تنتخبه الأمة أو للأمير تختاره الأمة، فباختيار الأمة للأمير أو ببيعتها للخليفة صار الخليفة أو صار الأمير صاحب الصلاحية في الحكم، أي صار الحكم لهذا الخليفة أو ذاك الأمير، ولا يكون لغيره إلا إذا أعطاه إياه هو، ومن هنا كان الحكم مركزياً. أي أن الحكم للأمة تعطيه هي لشخص خليفة كان أو أميراً، وبإعطائها إياه بالبيعة أو الاختيار أي الانتخاب صار الحكم له، وهو حينئذ يعطي صلاحية الحكم لمن يشاء وليس لغيره صلاحية الحكم إلا إذا أعطاه إياها. وبهذا تبرز مركزية الحكم بأنها حصر صلاحية الحكم قيمن اختارته الأمة حيث يكون هو المتمتع بالحكم ذاتياً. أما غيره فلا يتمتع بالحكم ذاتياً، وإنما يأخذه بإعطاء غيره له محدداً بحسب هذا الإعطاء بالمكان والزمان والحادثة. وعلى ذلك فإن واقع الحكم يدل على أنه مركزي ويلزم بمركزيته.

وأما أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه عليه السلام أرسل الولاة إلى الولايات وكان يأمرهم أن ينفذوا أحكام الشرع على الناس، وعيّن الموظفين ليقوموا بالأعمال لا لينفذوا الأحكام، فمثلاً عيّن ولاة وجعل لهم حق تنفيذ الأحكام، ولم يحدد لهم وسائل وأساليب التنفيذ، وإنما تركها لهم، وبعضهم كان يكتب له كتاباً يضمنه أحكام الشرع لا وسائل تنفيذها أو أساليب والتنفيذ، وبعضهم كان يأمره أن ينفذ شرع الله. فقد عين عمرو بن حزم والياً وكتب له كتاباً، وعيّن معاذ بن جبل وسأله كيف تحكم وأقره على رأيه، وعيّن عتاب بن أسيد والياً لينفذ شرع الله. وكان الذي يعين والياً يرى من صلاحياته أن ينفذ، فعن عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه». وهذا بخلاف الموظفين فإنهم تحدد لهم وظائفهم ويقومون بما طلب منهم. فمثلاً عيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة خارصاً يخرص على اليهود أي يقدر الثمر وهي على أصولها قبل أن يجد، وكان يبعث العمال يجبون الزكاة فيجمعونها ويحضرونها للرسول صلى الله عليه وسلم وكان يعطيهم أجرهم «عن بسر بن سعيد بن السعدي المالكي قال: استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمرني بعمالة، فقلت: إنما عملت لله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني: فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق». فعمران بن حصين حاكم استهجن أن تطلب منه الزكاة التي جمعها، فقد نفذ حكم الله وأعطاها لمستحقيها كما كان يفعل حين كان يعيّنه رسول الله، ولكن بسر بن سعيد موظف قام بما وكل إليه من جمع الزكاة، ولم يقم بتنفيذ أحكام الشرع. وبهذا يظهر الفرق بين أعمال الحاكم وبين أعمال الموظف. فأعمال الحاكم تنفيذ للشرع، أي حكم وملك وسلطان. وأعمال الموظف قيام بأعمال لا تنفيذ أحكام فهي ليست من الحكم، وإنما هي من الإدارة، وبهذا أيضاً يظهر الفرق بين أعمال الحاكم نفسه، فإن منها ما هو حكم وهو تنفيذ أحكام الشرع، وتنفيذ أحكام القضاة، وهذه  لا يملك صلاحية فيها إلا إذا عينه من له صلاحية الحكم حسب تعيينه. ومنها ما هو أساليب ووسائل تستعمل للوصول إلى تحقيق التنفيذ، وهذه من الإدارة، وهي بالنسبة للحاكم لا تحتاج إلى تعيي، ولا تحتاج إلى الرجوع إلى من عينه، بل أن تعيينه حاكماً يعطيه صلاحية استعمال الوسائل التي يراها، والأساليب التي يشاؤها، ما لم يعين له من عينه أساليب معينة، ووسائل معينة، فحينئذ يلتزم بما عينه له. أي تعييه حاكماً يعطيه صلاحية القيام بالأعمال الإدارية ما لم تكن هناك أنظمة إدارية صادرة عمن له صلاحية الحكم، فحينئذ يتبع هذه الأنظمة. ومن هذا يتبين أن معنى الحكم مركزي: هو أن القيام بالسلطة أي بتنفيذ الشرع لا يملكه أحد ذاتياً إلا من أعطته إياه الأمة، فهو محصور به، ويملكه كل من يعطيه إياه. ومعنى الإدارة لا مركزية هو أن الحاكم الذي يعين لا يرجع إلى من عينه في الأمور الإدارية، وإنما يقوم بها حسب ما يرى. وذلك ثابت من واقع الحكم كما ورد في النصوص الشرعية، ومن عمل الرسول في تعيينه الحكام. وهذا هو دليل هذه المادة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *