العدد 103 - السنة التاسعة – جمادى الآخرة 1416هـ – تشرين الثاني 1995م

من أساليب مواجهة حملة الدعوة إلى الإسلام

بقلم: عبد الكريم المرزوق

إن المتتبع لنشاط الدول التي أقامها الغرب على أنقاض دولة المسلمين يلمس مباشرة الهدف الذي أنشئت هذه الدول من أجله، ألا وهو مواجهة حملة الدعوة إلى الإسلام. يلمس هذا في الإعلام المعلن أنه رسمي، والإعلام الرسمي الذي يمثل دور المعارضة سواء كان هذا في التلفزيون أو الإذاعة أو الصحف والمجلات، وفي هذا النشاط الدؤوب من المحاضرات والندوات والمؤتمرات.

كما وأن المتتبع لنشاط هذه الدول يلمس التنوع والتجديد المستمر في الأساليب، حتى لتكاد هذه الأساليب تخفى على كثير من الناس من كونها تستهدف حملة الدعوة إلى الإسلام، ولا أقول الإسلام السياسي، لأنها حقيقة تقريرية تلك التي تثبت أن الإسلام إن لم يكن سياسياً فإنه ليس بالإسلام. لأن الناحية السياسية وصف للإسلام وحقيقة من حقائقه، والإسلام إن جزيء وترك جزء منه فإنه لا يعود إسلاماً.

وهذه الأساليب التي يسار فيها لتحقيق نفس الهدف وهو مواجهة حملة الدعوة إلى الإسلام، ولم أقل العمل على القضاء على الإسلام لأن الإسلام لا يقضى عليه من خلال القضاء على حملة الدعوة له.

هذه الأساليب متكررة ومتنوعة ومتجددة وكثيرة، ولن يغطيها مقال واحد ولذلك سأناقش في هذا المقال أسلوبين فقط، وأناشد إخواني الكتابة في هذا الموضوع، لأن القائمين على التفكير المستمر في وضع هذه الأساليب يراهنون على أن يمل حملة الدعوة، ويراهنون على جهل الناس، وعلى أمور يوجدونها في نفسيات الناس أفراداً وجماعات وشعوباً.

الأسلوب الأول:

تغييب عمالة الحكام السياسية

من المعلوم أن التاريخ لم يشهد واقعاً للحكام، كما هو واقع الحكام العملاء، فقد كان الحكام هم ورعاياهم في جهة والأعداء في جهة أخرى، فإذا حصلت لهم هزيمة ما، انهزم الشعب هو وحاكمه، وعمل هو وحاكمه ضد الأعداء. ولكن أن يعمل الحاكم على توجيه مقدرات شعبه السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح دولة أخرى، فيعمل ضد شعبه كالجاسوس حتى يبقى شعبه ضعيفاً متخلفاً، فهذا الواقع لم يشهد له التاريخ مثيلاً.

هذا الواقع هو من أشد ما ابتليت به الأمة الإسلامية وظل الكفار يحاذرون أن تكتشف الأمة عمالة حكامها فتنفض عنهم ويعود العمل على إبقاء الأوضاع مستقرة في المستعمرات يكلف الدول المستعمرة الحملات تلو الحملات، وتسيل دماء المستعمرين في سبيل الحفاظ على الأوضاع مستقرة في مستعمراتهم، فالأفضل إيصال عميلهم إلى السلطة، يمثلون الخروج بتأثير منه، ويمثلون أنهم أعطوهم الاستقلال رغم أنوفهم ويمدونه بالسلاح، يسلح به فئة مرتزقة من الأمة حوله، فيؤمن الاستقرار لمصالح الدولة المستعمرة بدماء المسلمين الأخ ضد أخيه.

ظل الكفار يخشون هذا الانكشاف، حتى جاء اليوم الذي وقف فيه العملاء في خندق واحد مع أسيادهم – علانية – ضد أمتهم، ضد حملة الإسلام الحقيقيين، الذين كانوا وما زالوا الوحيدين الذين يهددون النفوذ الغربي في بلاد المسلمين، أما غيرهم من الحركات فلم تكن تعلن العداء للغرب إلا لتخدع بعض أبناء المسلمين ردحاً من الزمن، فالكفر ملة واحدة.

وحتى عندما كان الصراع محتدماً وله جعجعة بين الحكام العملاء لم يكتشفوا عمالة بعضهم بعضاً إلا بقدر بسيط وحتى في أحرج لحظات الصراع بني الحكام العملاء لم يلجأوا إلى وضع النقاط على الحروف كيلا تمتلك الأمة المفاتيح الحقيقية لأسباب ما تراه وتساق إليه من صراعات بين الحكام العملاء لصالح أسيادهم.

سئل حسني مبارك في مؤتمر صحفي أثناء حرب الخليج وقد اصطف أبناء مصر المسلمين إلى جانب أنباء نحد والحجاز المسلمين إلى جانب أبناء سوريا المسلمين وعلى رأسهم حسني وفهد وحافظ تحت إمرة الأميركان لضرب العراق، سئل عن السبب الذي يكمن وراء تردد الملك حسين على بريطانيا، فهو حتى حين يغادر عمان إلى أميركا أو أي بلد أوروبي فلا بد له من أن يمر على لندن أولاً، كما وأنه لا بد له من أن يمر على لندن قبل رجوعه إلى عمان، فقال: [آه صحيح، أنا معاك، دي حاجة تحير فعلاً]. إن حسني طبعاً غير صادق، فهو يعرف تماماً الإجابة الصحيحة، لكنه لا يكشف عنها، حتى وإن بلغ الصراع بينه وبين عملاء الإنجليز حد القتال، فليكن ذلك، أما أن يكشف للأمة الإسلامية عن حقيقة تستفيد منها في فهم الأمور، فهذا محال، فهو يفدي ضلال عمالته للغرب بروحه.

وقد راهن الغرب وعملاؤه على أن الزمن كفيل بجعل الأمة الإسلامية تنسى كيف أنشئت هذه الدول وتنسى أن حكامها عملاء يسوسون بلادهم لصالح دول أخرى.

فلقد أصبحوا يدعون أنهم حكام فعلاً في بلادهم، وهم يقومون فعلاً بما هم مقتنعون به من مصالح بلادهم، ويهزأون ممن يتحدث عن الاستعمار والمستعمرين، ويظهرونه وكأنه يتحدث قصصاً من ألف ليلة وليلة. بل إنهم جعلوا من الخيانة وجهة نظر لهم، فهم الذين يختارون الحكم بغير ما أنزل الله بناء على اجتهاد منهم لصالح شعوبهم، ويتهمون من يتطرق لموضوع العمالة لتوضيح الأمور من السابق، فلا شيء مخطط له مسبقاً ولا عمالة والخيانات هي أمور بنات الساعة، وهي عن اجتهاد اقتضته الظروف ومصلحة البلاد والعباد.

لذلك يستطيع نظام عميل كنظام السودان أن يتبجح بأنه نظام إسلامي، ومن يقول غير ذلك فهو مختلف معه بالرأي، هذا كل ما هنالك.

وفي غياب واقع العمالة السياسية، يستطيع أن يدعي أنه يواجه الغرب، وهو أداة في أيدي الغرب كما هو الحال مع إيران أو العراق، فمع أن مقرر المؤتمر القومي الإسلامي كان نصرانياً، إلا أن ذلك ليس كافياً عند الجهلة أو من يخفون الحقيقة بوصفهم مأجورين، نعم قد يحدث هذا في غياب البحث عن معنى استقبال النظام في الخرطوم لكارتر صانع كامب ديفيد، العدو العريق للأمة الإسلامية، وواقع هذا الاستقبال وأبعاده، ليكون وسيطاً بينهم وبين أطراف أخرى فهل هذا النظام سيعد للعشرة للاعتراف بإسرائيل، إذا طالب منه وسيطه المعتبر، صانع كامب ديفيد، القس كارتر؟!

أسوق هذا ليس لخطورة عمالة بلد كالسودان للأميركان فهو بلد مشلول على ضوء الحدود الإنجليزية التي لا تجعل له شأناً يذكر طالما ظل منفصلاً عن الأمة الإسلامية.

بل سقت هذا المثال لأوضح الحال أنه في غياب التركيز على العمالة السياسية يستطيع نظام عميل أن يتشدق بالكثير.

لذلك لا بد من مخاطبة الأمة باستمرار بلغة كشف العملاء وبيان واقع عمالة هؤلاء حتى يعرف أبناء المخالفين للمسلمين فكرياً من علمانيين أنهم إنما يسيرون خلف حكام عملاء وليس الخلاف بيننا وبينهم هو خلاف فكري فقط، بل نحن مخلصون وهم غير مخلصين.

الأسلوب الثاني:

تغييب الصراع بين الإسلام والكفر

من المعلوم أن الفكر إذا ظل مغيباً في بطون الكتب ولم يحمل لإحداث الصراع، فسيبقى لا خطر له في الواقع، لذلك فإننا نجد هذه الدول تروج لأفكار من شأنها أن تميت الصراع من مثل: حوار الأديان، وحوار الحضارات، والكونية، وانتهاء عصر الأيديولوجيات، والتسامح الديني.

إن رواج مثل هذه الأفكار يجعل الأمة الإسلامية لا تحمل الإسلام لتصارع به الأديان والأفكار الأخرى ولكن الإسلام نفسه فيه الكثير من الأفكار التي تتقصد هذا الصراع ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ[، وتقبل المسلمين لهذه العلاقة الإنسانية هو تنازل عن الإسلام حتى إنك لتجد بعض الحركات الإسلامية تنـزع هذه النـزعة لإخماد الصراع لأنها تجمعها قواسم مشتركة مع أفراد أو حركات غير إسلامية، وتبشر ليل نهار بالتعددية وقبول الرأي الآخر، وأن المسلمين هم مسلمون عقيدة وحضارة وغير المسلمين هم مسلمون حضارة.

هل يعنون النصارى فقط؟ ربما كانوا كذلك ولكنهم لا يستطيعون إخراج اليهود من التعددية ومن الحضارة، ولماذا يخرجونهم؟ وإن أخرجوهم اليوم – ادعاء – فسيأتي اليوم الذي يجدون فيه قواسم مشتركة مع اليهود؟ أليس البلاء الحقيقي أساساً من الدول الغربية الصليبية؟ وأليس اليهود سوى صنيعة للأنظمة الغربية الرأسمالية الصليبية؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *