العدد 103 - السنة التاسعة – جمادى الآخرة 1416هـ – تشرين الثاني 1995م

حوار مفتوح حول دستور الخلافة: نظام الحكم

المادة 20: محاسبة الحكام من قبل المسلمين حق من حقوقهم وفرض كفاية عليهم. ولغير المسلمين من أفراد الرعية الحق في إظهار الشكوى من ظلم الحاكم لهم، أو إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم.

شرح المادة: والحاكم إذا نصب على الرعية ليحكمها إنما يكون قد نصب لرعاية شؤونها، فإذا قصّر في هذه الرعاية وجبت محاسبته، وأنه وإن يكن حسابه عند الله، وجزاؤه العذاب على تقصيره أو تفريطه، فإن الله جعل للمسلمين الحق في محاسبته وفرض هذه المحاسبة عليهم فرضاً على الكفاية.

إذ جعل الأمة قوامة على قيام الحاكم بمسؤولياته، والزمها بالإنكار عليه إذا قصر في هذه المسؤوليات، أو أساء في تصرفاته، فقد روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع» أي من عرف المنكر فليغيره، ومن لم يقدر على تغييره فأنكر ذلك بقلبه فقد سلم.

فالمسلمون من أفراد الرعية يجب عليهم أن يحاسبوا الحاكم للتغيير عليه ويكونون آثمين إذا رضوا بأعمال الحاكم التي تنكر وتابعوه عليها.

أما غير المسلمين فإن لهم إظهار الشكوى من ظلم الحاكم لورود النهي عن الظلم مطلقاً سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين لورود النهي عن أذى أهل الذمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من آذى ذمياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» ولورود النهي عن أنواع معينة من الأذى ومثلها كل أذى، فقد أخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صلح الرسول مع أهل نجران قال: «على أن لا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنون عن دينهم». فإذا ظلم الذمي أو ناله أذى من الحاكم فإن له الحق في إظهار شكواه حتى يرفع الظلم عنه ويعاقب الذي ظلمه. وتسمع الشكوى منه على أي حال سواء أكان محقاً ف يشكواه أم غير محق. روي أن أبا بكر t تحدث إلى يهودي يدعى فنحاص يدعوه إلى الإسلام فرد فنحاص بقوله: «والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه أغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان غنياً ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنياً ما أعطانا» وفنحاص يشير إلى هنا إلى قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً). لكن أبا بكر لم يطق على هذا الجواب صبراً، فغضب وضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو الله. فشكا فنحاص أبا بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، وسمع النبي شكواه وسأل أبا بكر فحدثه عما قالهله، ولما سئل فنحاص أنكر ما قاله لأبي بكر في الله، فنزل قوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).

ومن المعلوم أن أبا بكر كان وزير الرسول صلى الله عليه وسلم أي معاوناً فكان حاكماً وفنحاص كان معاهداً وقد سمع الرسول الشكوى منه على أبي بكر مع أنه غير محق، وإذا كانت تسمع الشكوى من المعاهد فمن الذمي من باب أولى فوق أنه قد أعطي له عهد الذمة.

وأما الشكوى من إساءة تطبيق أحكام الإسلام فإنها حق للمسلمين وغير المسلمين. فقد شكا بعض المسلمين للرسول معاذ بن جبل بأنه يطيل القراءة في الصلاة فسمع الرسول شكواهم وزجر معاذاً حتى قال له: «فتان فتان فتان، ثلاث مرات» ومعاذ كان والياً على اليمن، وكان إماماً لقومه وروي هذا الحديث عدة روايات فسواء أكانت الشكوى منه وهو في اليمن أو هو إمام قومه فهي شكوى ممن ولاه الرسول فهي شكوى من حاكم، وهي شكوى من تطبيق أحكام الشرع، لأن حكم الشرع أن الإمام يخفف في الصلاة لقول الرسول: «من أمّ بالناس فليخفف» فهي شكوى من إساءة تطبيق أحكام الإسلام. وهي كما سمعت من المسلم في حكم الصلاة تسمع في سائر الأحكام وليس في الصلاة فحسب، على أن إساءة تطبيق أحكام الشرع تعتبر مظلمة من المظالم فتكون الشكوى منها حق للمسلم والذمي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة» وكلمة أحد في الحديث تشمل المسلم والذمي، إذ لم يقل ولا يطلبني مسلم بل قال: «ولا يطلبني أحد» وهذه كلها أدلة على هذه المادة.

المادة 21: للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام، أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية. ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص. ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام.

ودليلها قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ).

 ووجه الاستدلال بهذه الآية على إقامة أحزاب سياسية هو أن الله تعالى قد أمر المسلمين بأن تكون منهم جماعة تقوم بالدعوة إلى الخير، أي الدعوة إلى الإسلام، وتقوم كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أمر بإيجاد جماعة متكتلة تكتلاً يوجد لها وصف الجماعة من بين جماعة المسلمين. إذ قال: (مِنْكُمْ). فالمراد بقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) لتكن جماعة من المسلمين، لا أن يكون المسلمون جماعة، أي لتكن من المسلمين أمة وليس معناه ليكون المسلمون أمة. وهذا يعني أمرين: أحدهما أن إقامة جماعة من بين المسلمين فرض كفاية وليس فرض عين والثاني أن وجود كتلة لها صفة الجماعة من المسلمين يكفي للقيام بهذا الفرض مهما كان عدد هذه الكتلة ما دامت لها صفة الجماعة وما دامت قادرة على القيام بالعمل المطلوب منها في الآية.

فلفظ «ولتكن» مخاطب به الأمة الإسلامية كلها ولكنه مسلط على كلمة أمة أي جماعة، أي المطلوب مطلوب من المسلمين جميعاً والشيء المطلوب إيجاده هو جماعة لها صفة الجماعة، فيكون معنى الآية أوجدوا أيها المسلمون جماعة تقوم بعملين أحدهما أن تدعو إلى الخير والثاني أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهو طلب بإيجاد جماعة، وهذا الطلب قد بيّن فيه عمل هذه الجماعة.

وهذا الطلب وإن كان مجرد أمر «ولتكن» ولكن هناك قرينة تدل على أنه طلب جازم، فإن العمل الذي بيّنته الآية لتقوم به هذه الجماعة فرض على المسلمين أن يقوموا به كما هو ثابت في آيات أخرى وفي أحاديث متعددة فيكون ذلك قرينة على أن هذا الطلب طلب جازم، وبذلك يكون الأمر في الآية للوجوب.

فالآية تدل على أنه يجب على المسلمين أن يقيموا من بينهم جماعة تقوم بالدعوة إلى الخير أي إلى الإسلام، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا من جهة كون إقامة جماعة تقوم بهذين العملية المذكورين في الآية فرضاً على المسلمين يأثم المسلمون جميعاً إذا لم توجد هذه الجماعة.

أما كون هذه الجماعة الوارد إقامتها في الآية حزباً سياسياً فإن الدليل عليه أمران: أحدهما أن الله لم يطلب في هذه الآية من المسلمين أن يقوموا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما طلب فيها قامة جماعة تقوم بهذين العملين، فالمطلوب ليس القيام بالعملين بل إقامة جماعة تقوم فيهما. فيكون الأمر مسلطاً على إقامة الجماعة وليس على العملين.

والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها وليسا هما الأمر المطلوب فيكونان وصفاً معيناً لنوع الجماعة المطلوب إيجادها، والجماعة حتى تكون جماعة تستطيع مباشرة العمل بوصف الجماعة لا بد لها من أمور معينة حتى تكون جماعة وتظل جماعة وهي نقوم بالعمل، فحتى تكسب الجماعة الوصف الذي جاء في الآية وهو جماعة تعمل عملين لا بد لها مما يوجدها جماعة ويبقيها جماعة وهي تعمل.

والذي يوجدها جماعة هو وجود رابطة تربط أعضاءها ليكونوا جسماً واحداً أي كتلة ومن غير وجود هذه الرابطة لا توجد الجماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها تجب طاعته. لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير قال عليه السلام: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم» ولأن ترك الطاعة يخرج عن الجماعة قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية» فجعل الخروج على الأمير مفارقة للجماعة.

وإذن الأمر الذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو طاعة أمير الجماعة. وهذان الوصفان اللذان لا بد منهما حتى توجد الجماعة التي تقوم بالعملين وهي جماعة وهما وجود رابطة للجماعة ووجود أمير لها واجب الطاعة يدلان على أن قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) ولتوجد منكم جماعة لها رابطة تربط أعضاءها ولها أمير واجب الطاعة.

وهذه هي الكتلة أو الحزب أو الجمعية أو المنظمة أو أي اسم من الأسماء التي تطلق على الجماعة التي تستوفي ما يجعلها جماعة ويبقيها جماعة وهي تعمل. وبذلك يظهر أن الآية أمر بإيجاد أحزاب أو جمعيات أو منظمات أو ما شاكل ذلك. وأما كون هذا الأمر هو أمر بإيجاد أحزاب سياسية فلأن الأمر طلب إيجاد جماعة معينة بتعيين العمل الذي تقوم فيه لا مطلق جماعة، فالآية قد بيّنت العمل الذي تقوم به الجماعة بوصف الجماعة وبهذا البيان عينت نوع الجماعة المطلوب إيجادها، أي عينت نوع الجمعية المطلوب إيجادها. إذ ذكرت الآية: لتوجد من المسلمين جمعية تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

فيكون هذا وصفاً لهذه الجمعية، وهو وصف محدد، فالجمعة التي تستكمل هذا الوصف هي الواجب إيجادها وما عداها فلا.

أما الدعوة إلى الخير أي الدعوة إلى الإسلام فيمكن أن تقوم بها جمعية ويمكن أن يقوم بها حزب ويمكن أن تقوم بها منظمة. ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء عاماً لا يمكن أن يقوم به إلا حزب سياسي. لأنه يشمل أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بل هو أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو داخل في هذه الآية، إذ قد جاءت عامة (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) فهو اسم جنس محلى بالألف واللام فهو من صيغ العموم. وهذا العمل من أهم أعمال الحزب السياسي، وهو الذي يضفي السياسة على الحزب أو الجمعية أو المنظمة ويجعله حزباً سياسياً أو جمعية سياسية أو منظمة سياسية.

وبما أن هذا العمل وهو أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر هو من أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد العملين المطلوبين في الآية ليكونا عمل الجماعة الواجب إيجادها، لذلك كان الأمر في الآية مسلطاً على جماعة معينة هي جماعة عملها الدعوة إلى الإسلام وأمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر. هذه الجماعة هي التي جعل الله إيجادها فرضاً على المسلمين، أي المستوفية جميع هذه الأوصاف الموجودة في الآية نعتاً لها. وهذه الجماعة التي بهذا الوصف هي الحزب السياسي. ولا يقال أن إيجاد جماعة تدعو إلى الإسلام وتأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر ولا تتعرض للحكام كاف للقيام بالفرض، لا يقال ذلك لأن القيام بالفروض لا يتأتى إلا إذا كانت الجماعة التي أوجدها المسلمون مستوفية جميع الأوصاف التي لها، أي مستوفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الدعوة إلى الخير لأن العطف جاء بالواو وهي تفيد المشاركة، ولأن لفظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء عاماً بصيغة من صيغ العموم فيجب أن يظل على عمومه وأن يستوفي عمومه، فلا يتأتى القيام بالفرض إلا إذا كان عمل الجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاماً كما جاء في الآية لا يستثنى منه شيء. فإذا استثنى منه أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أي استثنى العمل السياسي لم توجد الجماعة المطلوبة في الآية، وكانت هذه الجماعة ليست هي المطلوبة في الآية لأنها استثنت عملاً هاماً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو قد جاء في الآية عاماً فلا يتم لها الوصف إلا إذا كان أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر من أعمالها. ولهذا لا يتم القيام بالفرض كما جاء في الآية إلا بإيجاد جماعة سياسية. أي حزباً سياسياً أو جمعة سياسية أو منظمة سياسية. أي الجماعة التي يكون لديها القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاماً لا يستثنى منه شيء، وهذا لا يوجد إلا بالحزب السياسي وبالجمعية السياسية وما شاكلها.

وعلى هذا فإن الآية قد أمر الله بها بإقامة أحزاب سياسية تقوم بحمل الدعوة الإسلامية، وبمحاسبة الحكام بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وبأمر سائر الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا هو وجه الاستدلال في هذه الآية على أنها دليل المادة. ولا يقال أن الآية تقول (أمة) أي حزباً واحداً، وهذا يعني عدم تعدد الأحزاب. لا يقال ذلك لأن الآية لم تقل، أمة واحدة، فلم تقل جماعة واحدة وإنما قالت أمة بصيغة التنكير من غير أي وصف. فهو يعني أن إقامة جماعة فرض فإذا قامت جماعة واحدة حصل الفرض، ولكنه لا يمنع من إقامة جماعات متعددة أي كتل متعددة. فقيام واحد بفرض الكفاية الذي يكفي فيه واحد أن يقوم به لا يمنع غيره أن يقوم بهذا الفرض. وجماعة هنا اسم جنس يعني أي جماعة فيطلق ويراد منه الجنس وليس الفرد الواحد قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) والمراد منه الجنس. ونظير ذلك قول الرسول: «من رأى منكم منكراً فليغيره» فليس المراد منكراً واحداً بل جنس المنكر، ومثل ذلك كثير. فيطلب فعل الجنس وينهى عن فعل الجنس، ولا يراد به الفرد الواحد، بل يراد به الجنس. فيصدق على الفرد الواحد من الجنس، ويصدق على عدة أفراد من ذلك الجنس. فيجوز أن يوجد في الأمة حزب واحد، ويجوز أن يوجد عدة أحزاب. ولكن إذا وجد حزب واحد فقد حصل فرض الكفاية إذا كان هذا الحزب قد قام بالعمل المطلوب في الآية ولكن لا يمنع من إنشاء أحزاب أخرى. فإن إقامة الحزب السياسي فرض كفاية على المسلمين فإذا قام حزب واحد وأراد آخرون أن يوجدوا حزباً ثانياً أي يقومون بذلك الفرض لا يجوز أن يمنعوا، لأنه منع من القيام بفرض وهو حرام، ولذلك لا يجوز المنع من إقامة عدة أحزاب سياسية. إلا أن ذلك في الأحزاب الإسلامية التي تقوم على ما نصت عليه الآية وهو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما في ذلك أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر ومحاسبتهم.

أما غيرها فينظر فيها فإن كانت للقيام بمحرم كالدعوة إلى القومية، وكنشر الأفكار غير الإسلامية أو ما شابه ذلك كان القيام بهذه التكتلات حراماً، وتمنع من قبل الدولة، ويعاقب كل من يشترك فيها، وإن لم تكن للقيام بمحرم بأن كانت للقيام بمباح وقائمة على أساس مباح كانت مباحة، ولكنها لا تكون قياماً بالفرض الذي فرضه الله بنص هذه الآية إلا إذا كان حزباً سياسياً مستوفياً جميع ما جاء في الآية.

ولما كان القيام بالفرض لا يحتاج إلى إذن الحاكم، بل أن جعل القيام بالفرض متوقفاً على إذن الحاكم حرام، لهذا كان قيام الأحزاب السياسية وإنشاؤها لا يحتاج إلى ترخيص.

ويجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية، لأن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن تكون علنية وصراحة حتى يؤدى الغرض المطلوب منها، ويجب أن تكون أعمال هذه الأحزاب غير مادية، لأن عملها القول فهي تدعو بالقول، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالقول، ولذلك يجب أن تكون وسائلها سلمية، ولا يجوز أن تحمل السلاح ولا أن تستعمل العنف في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن حمل السلاح في وجه الامام ولو كان ظالماً لا يجوز، لأن حمل السلاح يعتبر من أعمال البغي، ومن يحمل السلاح يعتبر باغياً وخارجاً عن الجماعة كما ورد في الأحاديث «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية» وقد ورد في الحديث النهي عن حمل الصلاح واستعماله ضد الأمير ما دام يحكم بالاسلام فقد ورد في حديث مالك «أفلا نناجزهم بالسيف يا رسول الله قال: لا ما أقاموا الصلاة»، وإقامة الصلاة كناية عن تطبيق الإسلام، ولذلك يمكن أن يحصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام دون إشهار السلاح عليه لذلك يجب أن تكون وسائل الأحزاب سلمية، ويمنع أن تكون مادية ويحرم إشهار السلاح في وجه الحاكم إلا في حالة واحدة وهي حالة ما لو أظهر الكفر البواح كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة «وأن ننازع الأمر أهله، قال إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان».

وفي حالة غير الكفر البواح لا يجوز حمل السلاح من قبل الاحزاب والناس ضد الدولة. وأما حديث «من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» فإن هذا من غير الحاكم، أما الحكام فإنه مستثنى من الإنكار عليه باليد، أي بالقوة. واستثناؤه جاء من الأحاديث التي تحرم الخروج على الامام ما دام يقيم الصلاة، أي ما دام يحكم بالاسلام «أفلا نناجزهم بالسيف يا رسول الله، قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة» والأحاديث تلزم طاعة الإمام ولو أكل الحقوق وظلم كما ورد عن حذيفة «تسمع وتطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع». لكن هذا لا يمنع المحاسبة، غير أن المحاسبة لا تكون بالسلاح، ولذلك يجب أن تكون وسائل الأحزاب سلمية، ولا يجوز أن تكون مادية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *