العدد 103 - السنة التاسعة – جمادى الآخرة 1416هـ – تشرين الثاني 1995م

الحزب السياسي والقيادة السياسية واقعهما في الإسلام

بقلم: فتحي عبد الله

إن من الإيحاءات الخفية التي أوحى بها الكافر المستعمر للمسلمين الذين يتحسسون النهضة والخلاص من واقعهم السيئ الذي يتردون فيه أن عمد بعد أن سمم الأجواء بالأفكار القومية والوطنية وبفكرة الاستقلال، وأشاع في البلاد الإسلامية وجهة نظره في الحياة وهي فصل الدين عن الحياة، وبعد أن وضع المفهوم الخاطئ للدين بأنه علاقة فردية بين الإنسان وخالقه إن شاء أقامها وإن شاء تركها فالدين لله والوطن للجميع… نقول إنه من الإيحاءات الخفية الخبيثة التي أوحى بها هذا الكافر المستعمر إلى المسلمين أن عمد بعد تسميم الأجواء بكل هذه الأفكار والمفاهيم الخاطئة إلى إنزال فكرة خبيثة يحملها المسلمون للإصلاح والخلاص من واقعهم السيئ، وهي فكرة الدعوة إلى الأخلاق وتربية الفرد والأسرة مغتنماً غياب الإسلام عن التحكم في العلاقات بعد هدم دولته كنظام للدولة والمجتمع، ووجدت هذه الدعوة صدى عند المسلمين في مختلف أوساطهم ولا سيما في مصر التي يعتبر أهلها من خيرة المسلمين وهي درة التاج في جبين الأمة الإسلامية، فنشأت بعد أن فض الإنجليز مؤتمرات الخلافة التي عقدت لإعادتها بعد عام 1924 نتيجة لتحسس المسلمين سياسياً – مع أن الدول لا تعيدها المؤتمرات بل الأعمال السياسية العظيمة – نشأت هناك حركات قامت على الأساس الجمعي متلقفة – عن لا وعي – هذه الفكرة أي الدعوة إلى إصلاح الفرد لإصلاح المجتمع واستطاعت أن تستقطب الناس حولها استقطاباً عاطفياً مشاعرياً خالياً من أي فكر يقود جماهير الأمة إلى العمل السياسي الصحيح، ولما كانت هذه الحركات قد قامت على أساس الدين الذي أشاع الكافر المستعمر المفهوم الخاطئ له بأنه علاقة بين الفرد وخالقه فقط، وعلى أساس المفهوم الخاطئ للمجتمع بأنه مكون من أفراد، فإنها لم تستطع استقطاب الناس سياسياً، فكان المسلمون يعطون ولاءهم السياسي للأحزاب السياسية التي كانت قائمة آنذاك كالوفد والأحرار والوطنيين وغيرهم، وقد حاولت هذه الحركات دخول المجتمع إلا أنها لم تستطع نظراً إلى الأقفال الكبيرة التي وضعت على أبوابه للحيلولة دون دخوله من قبل الحركات الإسلامية فعمدت إلى دخوله من قبل الحركات الإسلامية فعمدت إلى دخوله تسلقاً من فوق الجدار، فكانت موضع السخرية من السياسيين والمحترفين السياسيين بأن الدراويش يريدون التدخل في السياسة وبالعمل السياسي، فالدين مكانه المسجد والمناسبات الدينية وليس المجتمع، فما كان إلا أن انصرفت هذه الحركات وأمثالها إلى دخول المجتمع الإسلامي الخيالي، فراحت تؤلف الكتب وتصدر المجلات لتضيف إلى المكتبة الإسلامية المهترئة عبئاً جديداً على من جاؤوا بعد وأخذوا على عاتقهم مسؤولية القيام بالعمل السياسي على أساس الإسلام لإنهاض المسلمين وجعلهم يتبوأون المكانة اللائقة بهم في الأرض كخير أمة أخرجت للناس، وأخذت هذه الحركات تدعو إلى الإسلام بشكل مفتوح عام وبأساليب ارتجالية وملتوية دونما أي معرفة لواقع الدعوة إلى الإسلام ودونما أي إدراك لطريقته في الدعوة وهي الطريقة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بوحي من الله وهي أحكام شرعية من عند الله تعالى، ودونما أي تمحيص لواقع الدار التي يعيشون فيها أنها دار كفر ولو كان جل أهلها من المسلمين لأن العبرة بالدار الأحكام المطبقة فيها والقوانين والأنظمة، وهي أنظمة كفر وقوانين كفر وأحكام كفر، واعتمدت في الدعوة على التبشير العام حاذية حذو الكنيسة النصرانية في الدعوة إلى المسيحية، بدلاً من العمل لتحويل الدار من دار كفر إلى دار إسلام، ناهيك عن أعمال الوعظ والإرشاد في الخطب والدروس المملولة التي زرعت اليأس في نفوس المسلمين،وعزلتهم عن العمل السياسي في المجتمع لتغييره أي عن الالتفات حول الحركة السياسية الجماعية التي تقودهم في الدرب الخطر إلى التغيير والنهضة.

فراحت جماهير الأمة تتقوقع منجذبة إلى تلك الجمعيات وأولئك الوعاظ والمرشدين نتيجة لسطحية التفكير والالتصاق بالواقع فإذا ما ألقى الواعظ درساً أقام رجل الجمعية ندوة في مناسبة من المناسبات ظن كلاهما أ،ه قد قام بخدمة عظيمة للإسلام والمسلمين فترتاح نفسه ويرتاح معه المسلمون بعد أن نفست عواطفهم تنفيساً أدى إلى هذا الارتياح النفسي الكبير وهكذا. كل هذا وهم جميعهم سادرون في سطحية التفكير ناعمون بالتصاقهم بالواقع دونما أي عناء من تفكير في واقع الأنظمة والأحكام والقوانين التي يرزحون تحت تطبيقها وهي أنظمة كفر وأحكام كفر وقوانين كفر. وقامت إلى جانب الحركات الإسلامية – إذا جاز أن نطلق عليها حركات – حركات أخرى هي الحركات القومية والحركات الوطنية، أما الحركات القومية فقد كان العرب منهم يدعون إلى نهضة العرب على أساس قومي بغض النظر عن الإسلام والمسلمين معتمدين على ألفاظ ليس لها مدلول لا في الأذهان ولا في واقع الحياة كالعزة والكرامة والعرب والعروبة والاستقلال وما إلى ذلك دون أن يكون لهذه الألفاظ مفهوم واضح عندهم يتفق وحقيقة النهضة، وكذلك الحال مع دعاة الحركة القومية التركية فإنهم كانوا وما زالوا يدعون إلى قيام نهضة تركيا على أساس قومي، ويوجه دعاة القومية العربية ودعاة القومية التركية بتوجيه الاستعمار الذي كان يوجه البلقان أيضاً بهذه الحركات القومية منذ مطلق القرن الماضي لسلخه عن الدولة العثمانية بوصفها دولة إسلامية.

وحين التدقيق في واقع هذه الحركات القومية تركية كانت أو عربية نجد أنها فعلاً كانت توجه من خارج المنطقة وهي دخيلة على المسلمين عربهم وتركهم وفرسهم، إذ أن الذين قاموا بتأسيسها وإنشائها نفر من رجالات العرب والترك تثقفوا في باريس وسلانيك ولندن وبرلين ولوزان وعادوا إلى المشرع ينادون بوجوب نهضة العرب والترك على أساس قومي، وتبلورت دعواتهم هذه في حركة الاتحاد والترقي التركية وحركة الاستقلال العربية التي تبلورت فيما بعد وأخذت أشكالاً مختلفة من المسميات، كحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان القائمون عليها من نصارى العرب كميشيل عفلق وقسطنطين زريق وأنطون سعادة، ومثل هذه الدعوات القومية لم يجد له تربة خصبة في المغرب العربي بحكم عدم وجود نصارى من العرب هناك إذا غضضنا النظر عن الفرنسيين والأسبان المستعمرين، فالعربي في المغرب في هو المسلم والمسلم هو العربي، فارتاح مسلمو المغرب من عبء هذه الحركات القومية الدخيلة رغم أن الكافر المستعمر قد غرس في تلك المنطقة التفكير الإقليمي الوطني كما غرسه في سائر بلاد المسلمين. وحين نعرض إلى القومية نجد أنها مظهر غرزي من مظاهر غريزة البقاء وهو حب السيادة ويكون فردياً عند الإنسان حين يكون الفكر ضيقاً ضحلاً، وينمو حب السيادة عنده ويتسع باتساع أفق التفكير فيرى سيادة عائلته ثم يرى سيادة قبيلته ثم يرى سيادة قومه، وكي تتم السيادة لعائلة أو لقبيلة أو لقوم على غيرهم من العائلات أو القبائل أو الأقوام لا بد من المخاصمات والنـزاعات الدامية التي تنتهي بانتصار أقواماً على الآخرين. ولذلك؛ فهي عرضة دائماً للمخاصمات الداخلية إن لم تشغل عنها بالمخاصمات الخارجية فضلاً عن أنها ليست فكراً يدعى إليه فهي لا تصلح للربط بين الإنسان والإنسان حين يبدأ السير في طريق الكمال أي حين يرتقي لديه الفكر وتتسع النظرة لتشمل الإنسان من حيث هو بغض النظر عن لونه ودمه وعرقن، وهي رابطة بدائية لا تكون إلا عند الأمم التي انحط عندها الفكر أو أصبحت معطلة التفكير، وهي على حد قول الشاعر:

وما مثله إلا كفارغ بندق

                  خلي من المعنى ولكن يفرقع

وقد قال قسطنطين زريق ذات يوم، وهو مؤسس حركة القوميين العرب التي يتزعمها هذه الأيام جورج حبش تحت اسم جديد هو الجبهة الشعبية، قال ذات يوم: لو سألني سائل عن القومية العربية ما هي لوقفت حائراً كالطبل الأجوف لا أعي جواباً، وقال عنها زعيم حزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق “القومية إيمان قبل المعرفة وإذا ما عرفت فقد سفَّت”. ولما كانت هذه الحركات القومية خالية من أي فكر تدعو إليه راحت تتبنى الاشتراكية مبدأ لها دونما أي معرفة لواقع هذه الاشتراكية ودونما أي تحديد لها، هل هي الاشتراكية المادية التاريخية أم هي الاشتراكية الوطنية أم الاشتراكية الديمقراطية، وحين تسلمت حركة البعث العربي الحكم في دمشق وبغداد لم تستطع أن تردم الهوة القائمة بينها وبين الشعب في العراق وسورية وراحت تحكم الناس بالحديد والنار وبالقوانين الصارمة، وستظل هذه الهوة قائمة لن يعقد عليها بحسر في يوم من الأيام حتى يطاح بهذا الحكم التعسفي الدموي الظالم الذي أرهق الناس خسفاً وجوراً في أرض الإسلام والمسلمين بعد أن سرق سلطانهم في غفلة منهم وبعون من دوائر المخابرات الأجنبية.

وقامت إلى جانب الحركات القومية حركات وطنية في مختلف البلدان الإسلامية كرد فعل لاستيلاء الكافر المستعمر على أجزاء من الدولة الإسلامية قبل هدمها وبعد هدمها ونتيجة للظلم السياسي والظلم الاقتصادي الذين يرزح تحتهما الناس من جراء تطبيق النظام الرأسمالي عليهم بعد إبعاد الإسلام عن الحكم كنظام للمجتمع والدولة وكحل لمشاكل الحياة. ورغم أن هذه الحركات الوطنية كانت رجعاً لهذه الآلام فإن منها حركات ظلت الناحية الإسلامية تسيطر عليها كالثورة الفلسطينية أيام الانتداب البريطاني وثورة الجزائر وتونس والمغرب أيام الاستعمار الفرنسي وكالثورات في مصر والعراق والهند، ومنها حركات كانت الناحية الوطنية البحتة هي التي تسيطر عليها وتوجهها من جراء الحركات الاصطناعية التي كان يقوم بها المستعمرون، وكان أن اندفعت هذه الحركات وأشغلت الأمة الإسلامية في شتى أقطارها بالكفاح الرخيص الذي ثبت أقدام الأعداء فضلاً عما كان ينقص هذه الحركات من أي فكر يسيرها.

ونظرة سريعة إلى هذه الحركات ترى على الفور أنها كانت رد فعل لاحتلال الأجنبي للبلاد ورجعاً لآلام الظلمين السياسي والاقتصادي، وهما بحد ذاتهما ليسا أكثر من مظهر غريزي من مظاهر غريزة البقاء وهو الدفاع عن النفس، فحين يكون الفكر منحطاً أو بدائياً عند الناس تنشأ بينهم رابطة تسمى الرابطة الوطنية بحكم عيشهم في أرض واحدة وبحكم التصاقهم بهذه الأرض فيرون أن بقاءهم في الحياة رهن ببقاء هذه الأرض بأيديهم، فإذا ما اعتدى أجنبي عليها وحاول انتزاعها منهم تثور فيهم غريزة البقاء بحكم هذا المؤثر الخارجي ويظهر مظهر الدافع عن النفس أي عن هذه الأرض، وتنشأ بينهم هذه الرابطة المؤقتة التي تظهر بطهور المؤثر الخارجي وتزول بزواله وهي موجودة في الحيوان كما هي موجودة في الإنسان لا تصلح للربط بين بني الإنسان بدليل أن الناس يرجعون إلى وضعهم الطبيعي من الصراع على المصالح والخصومات بعد زوال الخطر الخارجي أو بعبارة أخرى بعد طرد العدو فتجدهم في حال وجود هذا العدو في خندق واحد يقاتلونه، وتراهم بعد طرده يرجعون إلى خنادق مختلفة يخاصم بعضهم بعضاً على المصالح الآنية الأنانية بحكم انحطاط الفكر عندهم.

وجملة القول إن جميع هؤلاء الذين قادوا الحركات القومية والوطنية باستثناء بعضهم من الذين قادوا الحركة الوطنية في البلاد العربية على أساس إسلامي هم أولئك المضبوعون بالثقافة الغربية سواء منهم المتقدمون الذين جمعهم المستعمرون في أمهات بلاد الغرب من العرب والترك ليكونوا منهم كتلة تقوم بمحارة الدولة العثمانية باسم الاستقلال، أو أولئك الذين جاؤوا من بعدهم وقاموا ينادون بوحدة العرب ونهضتهم على أساس قومي، فهم جميعهم جمعت بينهم الثقافة الأجنبية بأفكارها ومفاهيمها ومقاييسها والمشاعر القومية والوطنية التي أوجدها عندهم الكافر المستعمر بفعل هذه الثقافة الغربية، فكانت رابطتهم العقلية والشعورية رابطة واحدة وقد جمعهم منطق واحد كانت نتيجته توحيد الهدف عندهم وهو الاستقلال للشعب العربي ما دامت الدولة العثمانية تغاضت عن مصالحهم وأجازت لنفسها ظلمهم وهضم حقوقهم فكان هذا الهدف الموحد أداة تكتلوا على أساسها تكتلاً حزبياً اسماً، أدى إلى إعداد ما سمي بالثورة العربية التي قامت على رؤوس الحراب الإنجليزية لطعن الخلافة العثمانية من الخلف وهي في حالة حرب مع الكفار أثناء الحرب العالمية الأولى، فكان ما كان من تمزيق البلاد الإسلامية ولا سيما البلاد العربية وانتهت تهمة هذه الأحزاب عند ذلك الحد فتقاسمت الغنائم بصيرورتها حكاماً على بعض البلدان الإسلامية عملاء لهذا الاستعمار.

وبعد أن أزيلت الدولة الإسلامية من الوجود قام الاستعمار مقامها يحكم البلاد العربية مباشرة ويبسط نفوذه على سائر العالم الإسلامية فاحتل البلاد العربية فعلاً، وراح يركز أقدامه في كل جزء منها بأساليبه ووسائله الخفية الخبيثة ومن أهمها الثقافة الأجنبية والمال والعملاء سواء العملاء في السياسة كالحكام والمحترفين السياسيين الذين انضبعوا بالثقافة الغربية وتخرجوا من معاهدها الخبيثة التي انبثت في الشرق كالجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، أو العملاء في الفكر كالكتاب والمفكرين الذين أضحوا اليوم هم الذين يمسكون بزمام التوجيه الفكري والأدبي في البلاد العربية، أو العملاء في الاقتصاد ككبار المستثمرين والمتعهدين، أو العملاء ي الدين الذي تعتنقه المنطقة من أمثال المفتين ورؤساء الهيئات العلمية الإسلامية رؤساء الروابط والمنظمات والمؤتمرات الإسلامية التي تشرف عليها أو تسمح بها الدويلات القائمة في العالم الإسلامي، ناهيك عن وعاظ السلاطين الذين باعوا دينهم بدنياهم وأبوا إلا أن يكونوا مطايا للحكام والعملاء، وكذلك الظلاميين الذين لا يستطيعون العيش إلا في الظلام كالخفافيش لأن النور يغشي أبصارهم.

البقية في العدد القادم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *