العدد 103 - السنة التاسعة – جمادى الآخرة 1416هـ – تشرين الثاني 1995م

افتتاحية العدد: القدس واستسلام الحكام

لم يكن صمت المسؤولين العرب من حكام وغيرهم أمام تصريحات رئيس وزراء الكيان اليهودي إسحق رابين الاستفزازية المتحدية بخصوص القدس أثناء افتتاح مؤتمر القمة الاقتصادية في العاصمة الأردنية عمان بأنه قادم الآن من القدس العاصمة الأبدية لإسرائيل… لم يكن صمت هؤلاء المسؤولين العرب من حكام وغيرهم صمتاً مريباً فحسب، بل إنه إن دل على شيء فإنما يدل على ما مدى ما وصل إليه هؤلاء العملاء من التبعية أمام أعداء الله ورسله من بني إسرائيل.

لقد جاء رابين وبيريز إلى قمة عمان الاقتصادية هذه وهما يدركان كل الإدراك أن عمان هذه قد أضحت بالنسبة إليهما ومن ورائهم اليهود دار السيد المأمونة، وأن المهرولين اللاهثين وراءهم لهاث الكلاب ليسوا أكثر من ذلك إن لم يكونوا أذل من القن الذي يأمره سيده فلا يملك إلا أن يخضع ويطيع… لقد جاء إلى دارهما المأمونة عمان وهما يدركان تماماً أنهما هما السيدان الآمران الناهيان فيها حتى أن بيريز وزير خارجية الكيان اليهودي جلس في أحد مقاهي عمان وفي حي الشميسان بالذات يتحدى هؤلاء العملاء الأقنان ومن ورائهم الأمة الإسلامية يدخن نرجيلته دونما أي خوف أو وجل مما يدل على المدى الذي بلغته الأمة من الذل والتخاذل والاستسلام. ونحن هنا لا نريد أن نعرج على قمة عمان الاقتصادية ونحللها سياسياًن فأمرها مكشوف وعلى ظاهر الكف بأنها قمة مؤامرة سياسية تحت ستار التنمية والتطوير كسابقتها قمة الدار البيضاء الاقتصادية كي تظل الأمة تابعة مقيدة بقيود الكفر والاستعمار التي يسمونها التطوير والإنماء وكي لا تستطيع التفكير ذاتياً بتنمية مواردها وتغيير أوضاعها الاقتصادية التعسة فضلاً عن تغيير أوضاعها السياسية واسترداد سلطانها الضائع.

أجل إننا هنا لا نريد تحليل هذه القمة سياسياً فهي معروفة للقاصي والداني من المسلمين، بعد أن اتخذ اليهود من عمان رأس جسر لهم يعبرونه وبأفضال العاهل الهاشمي إلى العالمين العربي والإسلامي للسيطرة على مواردهما اقتصادياً بعد أن توهموا أن المنطقة قد هضمتهم وتقبلت وجودهم بينها كجزء منها، بل إننا نريد أن نتوجه بهذه الكلمة إلى الأمة الإسلامية، ولا سيما العسكريين من أبناءها بأن هؤلاء اليود ومعهم حكام المسلمين هم أعداء لله ولرسوله وبأن هؤلاء اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا فإما أن تصدقوا أيها العسكريون الله ورسوله أو أن تصدقوا هؤلاء العملاء من حكامكم الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأورثوكم دار البوار.

وي أيها العسكريون الرجال، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله تعالى أم أنكم نبذتموه وراء ظهوركم كما نبذه حكامكم من قبل؟

ألم تقرأو في كتاب الله تعالى أن اليهود ملعونون على ألسنة أنبياء الله ورسله.. (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

ألم تسمعوا قوله تعالى في محكم التنزيل: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا).

ألم تسمعوا قوله تبارك وتعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا).

إننا نريد هنا أن نطمئنكم أيها العسكريون الرجال أن لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، فقضية فلسطين أكبر بكثير مما يتصور الكثيرون من الناس، فهي أكبر من اليهود وأكبر من أهل فلسطين وأهل الأردن وأكبر من المنظمات الخائنة وزعمائها وأكبر من الحكام العملاء وأسيادهم في لندن وواشنطن، وأن لبيت المقدس حرمته ومكانته المقدسة في نفوس المسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وما دامت الأمة الإسلامية تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فهو الذي بارك الله به في محكم التنزيل وقرنه بالمسجد الحرام بقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فهو جزء لا يتجزأ من عقيدتكم أيها العسكريون وهو ميراث نبيكم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فلا تخيبوا ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكم وكونوا عند حسن ظنه بالمؤمنين.

إذ كيف ستواجهونه يوم القيامة وبأي وجه إذا سألكم عن هذه الأمانة العظيمة التي فرط بها حكامكم وسلموها ليهود، فأنتم أيها العسكريون أهل القوة والمنعة وبيد كم كل أسبابها فلا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وقوموا لنصرة الله ورسوله وقد وعدكم رب العزة بالنصر والتمكين (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ولأنتم أيها الرجال الأقوياء أشد رهبة في نفوس هؤلاء الحكام المتقاعسين المستسلمين الأذلة، ألا ترونهم يغدقون عليكم بالامتيازات ليأمنوا جانبكم ويبعدوا نقمتكم أن تصب على رؤوسهم وتحطم عروشهم وكراسيهم.

إننا لا نريد أن نخاطب هؤلاء الحكام أو أن نوجه إليهم نداء للتحرك كما تفعل الصحافة العربية المهترئة المرتزقة، بل إن الخطاب والنداء موجهان إليكم أيها العسكريون الرجال لأن الأمة قد نفضت أيديها من حكامها ولم تعد تؤمن بصدقهم ولا بوعودهم بعد أن تبين لها دجلهم وكذبهم وافتراؤهم وتخاذلهم واستسلامهم، ولم يبق لها إلا هذا الأمل الوحيد الذي هو أنتم أبناؤها العسكريون، فكونوا محط هذا الأمل ولا تخيبوا ظنها بأبنائها الرجال، وهي ولا ريب رديفكم إن شاء الله حين تتحرك جحافلكم للإزاحة بهؤلاء الحكام ومن ثم الزحف إلى بيت المقدس لاسترداده وتطهيره من رجس اليهود الكفرة وإرجاعه إلى حظيرة الإسلام وسلطان المسلمين (وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).

فهيا أيها القادة العسكريون هبوا إلى نصرة الله ورسوله، وكونوا على رأس الجيوش المجاهدة في سبيل الله لتحرير بيت المقدس وفلسطين، لا على رؤوس الموائد والحفلات والمؤتمرات والمؤامرات، حتى تفزوا بعز الدارين في الدنيا والآخرة (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

إن الله سبحانه وتعالى سائلكم أيها العسكريون يوم القيامة عن مسؤوليتكم تجاه الله ورسوله والمسلمين، فهلا تحركتم لنصرة الله ورسوله وفزتم بإحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة وإلا فإن المصير رهيب مخيف في هذه الدنيا وفي الآخرة.

(إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *