العدد 104 - السنة التاسعة – رجب الفرد 1416هـ – كانون الأول 1995م

خرافة نقل التكنولوجيا واستخدامها

بقلم: عبد الرحمن منصور

ينادي الكثيرون بضرورة نقل التكنولوجيا الغربية غلى بلاد المسلمين، حتى يلحق المسلمون بركب المدنية والتطور، ومن أجل ذلك تقوم الحكومات في العالم الإسلامي بإرسال أبناء المسلمين غلى البلاد الغربية لدراسة علوم الطب والهندسة والكمبيوتر وما غلى ذلك. ثم تقوم تلك الحكومات بالتبجح والافتخار بالأعداد الهائلة من الطلاب الذين تخرجوا بتفوق من البلاد الغربية، زاعمة أن تلك هي الخطوة الأولى باتجاه نقل التكنولوجيا، أما الخطوة الثانية فهي ما تقوم به الأجهزة التلفزيونية من تصوير لأبناء المسلمين وهم يعملون على أحدث الأجهزة في المستشفيات والمصانع ومناطق استخراج النفط، أو من تصوير لبعض الفتيات المسلمات وهن على مقاعد الطائرات الضخمة يسيرنها بجدارة، أو بالتقاط بعض اللقطات من المختبرات المزودة بأحدث الأجهزة والأدوات المتطورة أثناء عمل المسلمين بها.

وفي احتفالات الاستقلال المزور تقوم أدوات الأنظمة بالتفنن في عرض تلك المحاولات الضخمة التي يبذلها النظام لنقل التكنولوجيا، ويذكرون مشاريع الطرق والسدود والمستشفيات والمدارس، ويُجْرون المقابلات مع المزارعين وهم يقودون أحدث الجرارات ومع الطلاق وهم يعملون على أعقد الأجهزة العملية، حتى يكاد الساذج يصدق أن البلاد قد انتقلت من طور البداوة والتخلف إلى طور المدنية والتطور، أو أنها سائرة على الطريق. والمدقق يرى أن كل ذلك أكاذيب وأوهام، وأنه لا يوجد شيء اسمه نقل التكنولوجيا، وأن سياسة نقل التكنولوجيا تلك إنما هي تمكين للاستعمار الكافر من بلاد المسلمين.

في البداية لا بد من ملاحظة الفرق بين استخدام التكنولوجيا وامتلاك التكنولوجيا أو تصنيعها.

أما استخدام التكنولوجيا، فهو أمر يحاول الغرب تعليم ما يسمى دول العالم الثالث كيفيته، حتى يتمكن من بيع منتجاته لتلك الدول، وإن لم تكن تلك الدول بحاجة ماسة إلى بعض تلك المنتجات، وكذلك حتى يتمكن من فرض سيطرته على تلك البلاد من خلال القروض والمساعدات والشركات والمنح الدراسية وما إلى ذلك من سياسات.

ولنتصور دولة لا توجد فيها مستشفيات تمتلك أحدث المعدات الطبية ولا مطارات تستوعب أضخم الطائرات، وليس فيها طاقة كهربائية كافية لتشغيل البرادات والغسالات وغير ذلك من الأدوات الكهربائية المنزلة… دولة كهذه ستكون متخلفة بالمعنى التقني، ولكنها لن تكون سوقاً للطائرات والسيارات وأجهزة الكمبيوتر والمعدات الطبية، وفي المقابل فإن دولاً كدول العالم الثالث تعتبر سوقاً للعالم الغربي الرأسمالي مع بقائها متخلفة تقنياً، لأنها لا تستطيع صناعة تلك التقنية أو حتى صيانتها بدون الغرب.

المطلوب هو امتلاك التكنولوجيا وتصنيعها، لا مجرد استخدامها. جيش يستطيع قيادة الطائرات والدبابات ولا يقدر على صناعتها سيظل ضعيفاً مهزوماً، وتعليم الناس استخدامات التكنولوجيا بمعزل عن محاولة امتلاكها إنما هو خطة استعمارية لتجهيل الناس ولصرفهم عن صناعة التكنولوجيا ولاستغلال خيراتهم وثرواتهم.

إن ما تقوم به الأنظمة من خداع وتضليل لم يعد يَنْطِل على أحد، وستبقى هذه الأنظمة متهمة بالخيانة حتى تضع الإسلام كاملاً موضع التطبيق، ثم تباشر فوراً بناء التكنولوجيا وامتلاكها.

أما ما هي السياسة العملية التي تؤدي إلى تحويل البلاد الإسلامية إلى بلاد تقنية من الطراز الأول فأمر يحتاج إلى تفصيل:

الدولة الإسلامية تنظر إلى العالم بمنظار خاص، وتمتلك وجهة نظر عن الكون والإنسان والحياة صحيحة ومنتجة، لذلك ستتمكن من اللحاق بالغرب والتقدم عليه خلال فترة زمنية قياسية. رب قائل يقول إن النتيجة في هذا المضمار تعتمد على الإمكانيات المادية المخصصة لهذا الغرض، والمسلمون سيقومون بأعمال وسيخصصون ميزانية، والكفار سيواصلون أبحاثهم وسيخصصون ميزانية ربما تكون أضعاف ميزانية المسلمين، فكيف نجزم أن المسلمين سيتقدمون على الغرب؟

نعم النتيجة ستكون لمصلحة المسلمين للأسباب الآتية:

1- الكفار ينفقون على أمور مستحيلة كما قررت العقيدة الإسلامية الحقة، مثل الإنفاق لمنع الهرم والموت.

2- هم كذلك ينفقون على أوجاع لا يمكن حصولها في المجتمع الإسلامي مثل الأمراض التي تنتشر بشيوع الفاحشة والرذيلة.

3- وينفقون لإيجاد حلول لمشاكل حلها الإسلام بشكل كامل، مثل قضايا الاقتصاد والأخلاق والاجتماع، وما إلى ذلك.

4- وهم لا ينفقون إلا بحساب الربح والخسارة المادية المجردة، الأمر الذي يؤخرهم ويعيقهم.

5- وهم لا يعملون دون أن ينالوا أجوراً خيالية، بخلاف أكثر المؤمنين الأتقياء الذين سيعملون تطوعاً بأقل القليل طمعاً في رضوان الله تعالى.

6- واقعهم لا يؤدي إلى الإنتاج الكامل، فالذي يعرف أبويه ولم يذق لذة الحنان العائلي، والذي لا يفكر إلا بالجنس والمال، والذي لا ينام إلى على المهدئات، والذي يقضي عطلة نهاية الأسبوع سكراً وعربدة، لا يمكن أن ينتج كالطاهر النقي الشريف.

7- أغلب أبحاثهم تتضارب نتائجها حسب توجهات الشركات الرأسمالية الممولة، التي لا يهمها إلا تسويق منتجاتها بغض النظر عن كل شيء، بخلاف الأبحاث الإسلامية التي ستكون متكاملة متجانسة خصوصاً في القضايا المهمة والخطيرة.

8- هم أسهل اختراقاً وأيسر تضليلاً، وستتمكن الدولة الإسلامية الراشدة – القادمة قريباً بعون الله الواحد القهار – من تضليلهم واختراقهم.

هذه الأمور مجتمعة، بالإضافة إلى البون الشاسع بين المسلم والكافر وبين المجتمع الإسلامية ومجتمعات الكفر وبين الدولة الراشدة ودول الظلم الرأسمالي، سيؤدي إلى نصر المسلمين في المجال العلمي والتقني، تماماً كما كانوا عندما كانت لهم دولة وكيان.

أما الخطوات العملية الواجب اتخاذها فهي كثيرة أهمها ما يلي:

1- استدعاء أولئك الذين تم الاتصال بهم قبل قيام الدولة وحثهم على إحضار كل المعلومات معهم إلى الدولة وتوفير كافة سبل الراحة والأمن لهم.

2- تشكيل جهاز متخصص من أهل الخبرة والسياسة والتقوى لهذا الشأن.

3- وضع الإمكانات المادية والمعنوية تحت تصرف هذا الجهاز.

4- تجنيد علماء المسلمين في الغرب لهذا الأمر.

5- استئجار أهل الخبرة من غير المسلمين.

6- تمكين المسلمين من دراسة العلوم المتعلقة بامتلاك التكنولوجيا والقوة.

7- وضع الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة والصناعة والعلوم والمعاملات موضع التطبيق العملي الفوري.

8- إزالة كل العوائق التي تمنع الناس من بناء المصانع.

9- إجزال العطاء المادي والمعنوي لأصحاب الاختراعات والإبداع.

10- قيام الدولة فوراً بالتصنيع.

هذه خواطر سريعة حول هذا الأمر الخطير، تبين مدى خيانة الأنظمة ودجلها، وهشاشة التقدم الغربي المبني على الفساد، وإمكانات الأمة الإسلامية المكبوتة، وبعض أعمال وآمال حملة الدعوة الإسلامية.

فإلى العمل الواعي المنتج يا شباب الإسلام ويا أمل الأمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *