العدد 106 - 107 - السنة العاشرة – رمضان وشوال 1416هـ – شباط وأذار 1996م

العقيدة الإسلامية عقيدة كفاح ونضال سر العقيدة

إن كلمة العقيدة تحني الجزم والقطع في الأمور الأساسية، وعقيدتنا تضيف إلى المعنى اللغوي معنى شرعياً تجعل من يعتنقها أكثر صلابة وأعظم كفاحاً في سبيلها بحيث يظهر أنه رجل من طراز معين.

ولذلك رأينا في التاريخ أن من اعتنقوها صار لهم تاريخ غير تاريخهم قبل اعتناقها. والعبيد الذين أصبحوا سادة الدنيا شاهد من الشواهد، وتمكُّنُ جيشِ المسلمين أن يطأ قلب أوروبا ويأسر قيصر روسيا للقسطنطينية ويجتاح يوغوسلافيا والمجر والنمسا شاهد آخر. فما سر هذه العقيدة يا ترى حتى أنها تستطيع أن تخلق من الإنسان الضعيف رجلاً عظيماً يحمل مسؤولية العالم بأسره وتجعل من الشاب الصغير قائداً عظيماً تخشاه الدول الكيانات، وهو فرد أعزل لا يحمل غير العقيدة سلاحاً، فما سر هذه العقيدة يا ترى؟

إن واقع العقيدة الإسلامية من الإيمان الجازم بأن الله واحد أحد خلق الكون والإنسان والحياة وهو مدبر ما في الكون والإنسان والحياة وهو مدبر ما في الكون وأن الحياة فانية وأن الإنسان مصيره إلى الجنة أو إلى النار، وأن الرزق بيد الله وحده وأن انتهاء الأجل بيد الله وحده وأن القرآن من عند الله أرسله للبشرية بعد اكتمال الحياة الإنسانية وقد جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بوحي من الله، أقول واقع هذه العقيدة هو مكمن سر قوة من يعتنقها، وهو سر اندفاع من يحمل العقيدة الإسلامية وإليك بعض التفصيل.

خلق الله الدنيا لتكون مكان اختبار للبشر (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ثم ستكون الجنة أو النار. الجنية التي هي دار مقام ولها بداية ولكن ليس لها نهاية (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وما لم يخطر على قلب بشر، أعدت للمتقين (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) والنار التي فهيا مقامع من حديد وطعامها الزقوم وشرابها ماء يغلي يقطع الأمعاء، والعذاب لا ينتهي (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) فالعذاب لا يتوقف ولا يخفف عنهم ولا يقضى عليهم فيموتوا (لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) وهذا كله يطلق عليه رب العزة (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) فإذا كان هذا الوصف لجنهم هو للذوق فما هي طبيعة العذاب إذاً؟

فإن أدلة ذلك أدلة قطعية في ثبوتها وفي دلالتها فإذا آمن الإنسان بها فإنه يستحقر كل عذاب في الدنيا يصادفه من أجل عقيدته. ومن أجل الثبات عليها ومن أجل أن تبقى عزيزة وهي المهيمنة على البشر، فإذا آمن الإنسان بالجنة وما فيها من نعيم مقيم وآمن بالنار وما فيها من عذاب مستطير وكان هذا الإيمان القطعي مدركاً واقعه متصوَّراً في الأذهان، يهون ما دون من تعذيب البشر، فيصبح المؤمن جبلاً شامخاً لا تؤثر فيه سياط المجرمين ولا سجن الساقطين ولا عذاب المنبوذين بل يستعذب ذلك في سبيل عقيدته.

هذا الجزء من العقيدة وحده كاف لكشف سر هذه العقيدة وكيف حولت عبد الله بن مسعود الذي كانت تذور الرياح ساقيه إلى رجل عظيم تكون قدماه عند الله أثبت من جبل أُحد، وهذا تفسير بيّن لثورة صهيب وبلال وسلمان على أسيادهم. وهذا الدافع الوحيد الذي جعل ياسراً (والد عمار) يرحب بالموت تحت عذاب كفار قريش، وجعل سمية أول شهيدة في الإسلام تحتسب الطعنة في قلبها وهي الطعنة التي ماتت فيها جعلتها تحتسبها في سبيل الله، وهذا ما عالج به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفوس الصحابة في مجابهة عذاب قريش حيث كان يمر على آل ياسر ويقول: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، ونحن نقول لأحباء الله وأحباء رسوله الذين آمنوا به ولم يروه، الذين لم يجدوا على الحق أعواناً نقول لهم تصوروا واقع سلفكم وواقع عقيدتكم وأحيوها من جديد ولتبقوا متصورين واقع عقيدتكم حتى يفتح الله لكم ويأتي اليوم الموعود.

العقيدة الإسلامية وطريقة حمل الدعوة

جعلت العقيدة الإسلامية الحرب والقتال هو الطريق الأساس لحملها للعالمين فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا محمد رسول الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وقال: «فوالذي نفس محمد بيده لأجاهدن على ما بعثني الله به أو تنفرد هذه السالفة»، فجعل القتال والحرب هو طريقة حمل الدعوة وجعل استمرارية هذه الطريق حتى الموت وحتى انتهاء الحياة على الأرض.

العقيدة الإسلامية والكفاح السياسي

وهذا كان قبل إقامة الدولة بشكل صراع فكري أي الحرب على جميع أفكار الكفر حتى تذل وتتلاشى وبشكل كفاح سياسي أي بالتصديق للسلطة القائمة لبيان زيفها وخداعها وسوء رعايتها للناس فلا تترك مناسبة إلا ويهتبلها لإسقاط هيبتها من نفوس الناس لتكثر الأيدي التي تمتد للأخذ بحلاقيمها والإجهاز عليها، وجعل جزاء ذلك الجنة فقد قال صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله» فجعل من يحمل العقيدة الإسلامية بطريق الكفاح السياسي وبالصراع الفكري بأنه سيد الشهداء في الجنة، والشهداء الصديقون يحشرون مع الأنبياء والصالحين، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» فجعل الكفاحية هذه جهاداً بل أعظم أنواع الجهاد، فجعل كفاح الحاكم الظالم حتى الموت هو الطريقة لردعه عن الظلم ولابلاغه كلمة الحق وكان من ضمن البيعة في بيعة العقبة الثانية (وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم) كما جعلت العقيدة الإسلامية النضال والقتال طريقة لمنع الحاكم من أن يحكم بأحكام الكفر فقال صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين يحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال: لا ما صلوا»، أي ما طبقوا حكم الإسلام، وفي رواية عبادة بن الصامت «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»، وفي رواية «كفراً صراحاً»، أي أنه يجب التمرد على الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وأن قتاله ومنازعته هي الطريقة لذلك فمقاومة أحكام الكفر من أهم ما في العقيدة الإسلامية من أفكار.

حماية العقيدة الإسلامية

إلى جانب ذلك جعلت العقيدة الإسلامية القتل لمن يصبأ ويغير عقيدته الإسلامية قال صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» فحماية سلطان الإسلام وحماية المسلمين لا تنفصل عن القتل والقتال حتى تبقى العقيدة الإسلامية قوية في الأمة تخيف دول الكفر وتطيح بالتيجان حتى يظهر الله هذا الدين على الدين كله. فهذا كله وهو اعتناق العقيدة الإسلامية وحملها وحمايتها وتطبيقها وحماية بيضتها وتقويم السلطان كل ذلك يري بوضوح أن المسلمين يجب أن يعتنقوا الفكرة الإسلامية بوصفها فكرة لا ينفصل عنها القتال ولا النضال ويجب أن تكون صورتها التي في أذهانهم صورة فكرة قتال ونضال، فإن هذا وحده هو حياتها وهو سر بقائها.

تصور الصحابة للعقيدة الإسلامية

وقد تصور الصحابة هذا الواقع وأدركوه حق الإدراك فانطلقوا في صراعهم مع كفار قريش على أقوى ما يكون وتحملوا في سبيل ذلك فقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا من طعام إلا ورق الجبلة وهذا التمر حتى أن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط»، وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت يا خالة: فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من ألبانها فسقيناه»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي جالساً، فقلت يا رسول الله أراك تصلي جالساً فما أصابك؟ قال: الجوع يا أبا هريرة، فبكيت، فقال: لا تبك يا أبا هريرة فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا»، وورد عن الصحابة أنهم كانوا يأخذون الحجارة ويشدون بها على أخمص بطونهم ثم كان واحدهم يشده بثوبه ليقيم صلبه، ولهذا فإن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما قد زويت له الدنيا»، كان مفهوماً عندهم وكان عقيدة عندهم في سبيل حمل عقيدتهم فانطلقوا يعشقون الموت في سبيل الله لا يسالون عن رزق ولا عن جوع في سبيل هذه العقيدة واضعين قوله تعالى نصب أعينهم: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ)، فصبروا على البلاء وأيقنوا أن الله حرمهم من بعض متاع الدنيا ليدخر لهم كل متاع الآخرة. فحملوا العقيدة للناس غير آبهين بعذاب البشر أو بالفقر وكان طبيعياً أن يقول حبيب بن عدي:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً

                  على أي جنب كان في الله مصرعي

وكان هذا جواباً للكفار الذين هددوه بالقتل وفعلاً قتلوه فلقي الله راضياً مرضياً.

ومن مقتضيات العقيدة الصلابة والثبات عليها وما ينبثق عنها من أفكار وحملها بالطريق الكفاحي فتحملوا أشد صنوف العذاب في سبيل هذا الاعتقاد، فقد أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين وكان عمه يعلقه في حصير ويدخله عليه بالنار وهو يقول ارجع فيقول الزبير لا أكفر أبداً. وقد تحدى عبد الله بن مسعود قريش في أنديتهم وتلا القرآن حول الكعبة في رابعة النهار وكفار قريش مجتمعون وناله من الأذى ما ناله ولم يبال واحتسب ذلك لله تعالى. وتحدى عمر بن الخطاب قريشاً في ناديهم حول الكعبة عندما أسلم فأخبر شخصاً مما لا يكتمون سراً من قريش أنه أسلم ليشيع في قريش أن عمر أسلم، كذلك تحداهم عند الهجرة بإقرار من الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير هؤلاء الكثير ممن تحدى قريشاً في عقيدتها ونالهم الأذى البليغ من جراء ذلك، لكن العقيدة تأمر بذلك ورتبت الثواب العظيم على هذا التحدي وعلى الثبات على هذا الفكر مهما كانت النتيجة حتى لو كانت القتل. قال تعالى: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

وهذا نبي الله هود عليه السلام يقول متحدياً (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) وهؤلاء السحرة الذين آمنوا بمعجزة نبوة موسى عليه السلام يعلنون إسلامهم ويقفون موقفاً عقائدياً رغم أن ذلك كان ساعة إيمانهم فقالوا لأعتى العتاة فرعون الذي توعدهم بالصلب والقتل وتقطيع الأيدي والأرجل قالوا له متحدين في سبيل عقيدتهم (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لعمه أبي طالب راداً على قريش وما طلبته منه من مهادنتهم «والله ما أنا بقادر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار». وهذا التحدي من الرسل وهذه الصلابة والكفاحية في الدعوة لم تكن لأمر واحد وهو العقيدة فحسب بل كانت لكل ما جاء به الوحي عليهم. ولم تذكر لنا في القرآن الكريم للعلم والتسلية ولحصول الثواب من تلاوتها بل للعمل والاقتداء.

وقد ذم الله من يسوي عذاب المخلوق بعذاب الخالق (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ)، فيجب أن يكون حملة الدعوة أكثر صلابة وأشد تحدياً للسلطة، وأن يصبروا على الأذى لنلقى الله راضين مرضيين (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) فحدد العاقبة وهي الجنة وحدد الثمن وهو الجهاد وما يترتب عليه من أذى وقتل وصبر على الأذى، وقال تعالى: ( أَلَمْ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). فالله يعظم أجر حملة الدعوة الذين يصدعون بأمر دعوته بين الناس وفي وسط الجماهير متحدين كل الحواجز المادية التي تعترض سبيل دعوتهم وهذا بنص الوحي، فالقول بغير هذا هو من العقل لا من الشرع، ومن الهوى لا من الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب من أبي ذر الغفاري أن يكتم إسلامه ويعود إلى قومه حتى يظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يعلنه ولكن أبا ذر أعلنها في وسط الكفر عند الأصنام صارخاً بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فامتدحه الرسول ولم يلمه ولم يعتب عليه، فالكفاح والنضال في سبيل العقيدة في قمة الأعمال عند الله وأعد لها الدرجات العلا.

إنه من الواجب علينا أن نزيل الأتربة العالقة بعقيدتنا ونزيل الران الذي غلف القلوب، أفلا يستحق خالق الخلق وملك الملوك أن نسترخص أنفسنا في سبيله وأن نقدم أجسامنا قطعة قطعة ضحية لبارئها وحسبنا الله ونعم الوكيل. إن حملة الدعوة الذين وقفوا المواقف العظيمة في وجه المفسدين في الأرض تسجل لهم عند الله ولهم المنازل العلية عند ربهم وسيرفع ذكرهم في الدنيا ويحبب الناس فيهم لأنهم أطاعوه جل وعلا في هذه المواقف وفعلوا فعل الأنبياء، فهم أولياء الله الصالحون وسينجز لهم ما وعدهم وإن غداً لناظره قريب.

إن حملة الدعوة الذين استيقنوا أن حمل الدعوة عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى وسيلقون وجه الله بها دفعتهم عقيدتهم للاستخفاف بوعيد الظالمين لوعد الله فسطروا بذلك مواقفهم الخالدة مستعذبين المشقة والأذى في سبيل الله مقتدين بعبد الله بن سهل وأخوه رافع رضي الله عنهما اللذان خرجا إلى حمراء الأسد وهما جريحان من غزوة أحد يحمل أحدهما صاحبه ولم يكن لهما ظهر، ومقتدين بالرسول صلى الله عليه وسلم «لقد أوذيت في الله بين يوم وليلة ومالي ولبلال ما يأكله ذو كبد»، ومتأسين بالرسول الكريم وبدعائه عندما خرج للطائف من مكة ماشياً على قدميه يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، وصفوا أولادهم صفين يضربون الرسول بالحجارة حتى أدميت قدماه ولم يظهر لهم الجزع ولم يبد إحساسه بالألم حتى توارى عن القوم ولجأ إلى الله، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله».

فوالله ما لنا إلا الصدق والصبر حتى يظهر الله هذا الأمر ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويبدل خوفنا أمناً، ويمكن لنا ديننا الذي ارتضى لنا، وإنا لنراه قريباً ويرونه بعيداً.

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

أخرج البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد أتينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل، ولكنكم تستعجلون».

ولنتذكر قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، والله نسأل أن ينقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة عن قريب، فاستبشروا يا حملة الدعوة ببيعكم الذي بايعتم.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ القرآن، فهو يقوم به آناءَ اللهِ وآناءَ النهار، ورجل آتاهُ اللهُ مالاً، فهو ينفقه آناءَ الليلِ وآناءَ النهار».

متفق عليه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *