العدد 108 - السنة العاشرة – المحرم 1417هـ – أيار 1996م

حوار مفتوح: حوار مفتوح حول: دستور دولة الخلافة

المادة 36:

الخليفة مقيد في التبني بالأحكام الشرعية فيحرم عليه أن يتبنى حكماً لم يُستنبط استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية، وهو مقيد بما تبناه من أحكام، وبما التزمه من طريقة استنباط، فلا يجوز له أن يتبنى حكماً استُنبط حسب طريقة تناقض الطريقة التي تبناها، ولا أن يعطي أمراً يناقض الأحكام التي تبناها.

  وفيها أمران اثنان: أحدهما تقيد الخليفة في التبني للأحكام بالأحكام الشرعية، أي تقيده بالتشريع وسن القوانين بالشريعة الإسلامية، فلا يجوز له أن يتبنى من خلافها لأن خلافها أحكام كفر. فإن تبنى حكماً من غيرها وهو يعرف أنه تبنى من غير الشريعة الإسلامية فإنه ينطبق عليه قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون)، فإن اعتقد بالحكم الذي تبناه فقد كفر وارتد عن الإسلام، وإن لم يعتقد به ولكن أخذه على اعتبار أنه لا يخالف الإسلام كما كان يفعل خلفاء بني عثمان في أواخر أيامهم فإنه يحرم عليه ذلك ولا يكفر، وأما إن كانت له شبهة الدليل كمن يشرّع حكماً ليس له دليل لمصلحة رآها هو، واستند إلى قاعدة المصالح المرسلة أو قاعدة سد الذرائع، أو مآلات الأفعال، أو ما شاكل ذلك فإنه إن كان يرى أن هذه قواعد شرعية وأدلة شرعية فلا يحرم عليه ولا يكفر ولكنه مخطئ ويُعتبر ما استنبطه حكماً شرعياً في نظر جميع المسلمين، وتجب طاعته إن تبناه الخليفة لأنه حكم شرعي وله شبهة الدليل، وإن كان مخطئاً في الدليل، لأنه كالمخطئ في الاستنباط من الدليل. وعلى أي حال يجب على الخليفة أن يتقيد بالتبني بالشريعة الإسلامية، وأن يتقيد بالتبني فيها بالأحكام الشرعية المستنبَطة استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية. والدليل على ذلك:

  أولاً: ما فرضه الله على كل مسلم خليفة كان أو غير خليفة بأن يسيِّر أعماله بحسب الأحكام الشرعية يحتم عليه أن يتبنى حكماً معيناً حين يتعدد فهْم خطاب الشارع، أي حين يتعدد الحكم الشرعي، فصار التبني لحكم معين فيما تعدد من أحكام واجباً على كل مسلم حين يريد القيام بالعمل، أي حين يريد تطبيق الحكم، فهو واجب على الخليفة حين يقوم بعمله وهو الحكم.

وثانياً: نص البيعة التي يبايَع عليها الخليفة تلزمه بالتزام الشريعة الإسلامية، إذ أنها بيعة على الكتاب والسنّة، فلا يحل له أن يخرج عنها، بل يكفر إن خرج عنها معتقداً، ويكون عاصياً إذا خرج عنهما غير معتقد.

وثالثاً: أن الخليفة منصوب لتنفيذ الشرع فلا يحل له بأخذ من غير الشرع لينفذه على المسلمين، لأن الشرع نهى عن ذلك بشكل جازم وصل إلى درجة نفي الإيمان عن تحكيم غير الإسلام، وهو قرينة على الجزم. فمعناه أن الخليفة مقيد في تبنيه الأحكام، أي في سن القوانين بالأحكام الشرعية وحدها، فإذا سنّ قوانين من غيرها كفر إن اعتقد به وكان عاصياً إن لم يعتقد به.

  فهذه الأدلة الثلاثة أدلة الأمر الأول الذي في هذه المادة. أما الأمر الثاني الذي فيها فهو أن الخليفة مقيد بما تبناه من أحكام، وبما التزم من طريقة استنباط، والدليل على ذلك هو أن الحكم الشرعي الذي ينفذه الخليفة هو الحكم الشرعي في حقه هو، لا في حق غيره، أي الحكم الشرعي الذي تبناه ليسيّر أعماله بحسبه وليس أي حكم شرعي. فإذا استنبط الخليفة حكماً، أو قلد في حكم، كان هذا الحكم الشرعي هو حكم الله في حقه، وكان مقيداً في تبنيه للمسلمين بهذا الحكم الشرعي ولا يحل له أن يتبنى خلافه لأنه لا يعتبر حكم الله في حقه فلا يكون حكماً شرعياً بالنسبة له وبالتالي لا يكون حكماً شرعياً بالنسبة للمسلمين ولذلك كان مقيداً في أوامره التي يصدرها للرعية بهذا الحكم الشرعي الذي تبناه، ولا يحل له أن يصدر أمراً على خلاف ما تبنى من أحكام، لأنه لا يعتبر ذلك الأمر الذي أصدره حكم الله في حقه، فلا يكون حكماً شرعياً بالنسبة له، وبالتالي لا يكون حكماً شرعياً بالنسبة للمسلمين، فيكون كأنه أصدر أمراً على غير الحكم الشرعي. ومن هنا كان لا يجوز له أن يصدر أمراً خلاف ما تبناه من أحكام.

  وأيضاً فإن طريقة الاستنباط يتغير بحسبها فهم الحكم الشرعي، فإذا كان الخليفة يرى أن علة الحكم تعتبر علة شرعية إذا أُخذت من نص شرعي، ولا يرى أن المصلحة علة شرعية، ولا يرى أن المصالح المرسلة دليلاً شرعياً. إذا رأى ذلك فقد عين لنفسه طريقة الاستنباط، وحينئذ يجب أن يتقيد بها، فلا يصح أن يتبنى حكماً دليله المصالح المرسلة، أو يأخذ قياساً على علة لم تؤخذ من نص شرعي، لأن هذا الحكم لا يعتبر حكماً شرعياً في حقه، لأنه يرى أن دليله ليس دليلاً شرعياً، فهو إذن لم يكن في نظره حكماً شرعياً. وما دام لا يعتبر حكماً شرعياً في حق الخليفة فهو ليس حكماً شرعياً في حق المسلمين، فيكون كأنه تبنى حكماً من غير الأحكام الشرعية، فيحرم عليه ذلك. وإذا كان الخليفة مقلداً، أو مجتهد مسألة وليس له طريقة معينة في الاستنباط، فإنه يجوز له أن يتبنى أي حكم شرعي مهما كان دليله، ما دامت فيه شبهة الدليل، ولا يكون مقيَّداً في تبني الأحكام بشيء، وإنما يكون فقط مقيَّداً بما يصدره من أوامر بأن لا يصدرها إلاّ بما تبناه من أحكام. وهذه هي أدلة هذه المادة.

المادة 37- للخليفة مطلق الحق في رعاية شؤون الرعية حسب رأيه واجتهاده، فله أن يتبنّى من المباحات كل ما يحتاج إليه لتسيير شؤون الرعية، ولا يجوز له أن يخالف أي حكم شرعي بحجة المصلحة، فلا يمنع الأسرة الواحدة من انجاب أكثر من ولد واحد بحجة قلة المواد الغذائية مثلاً، ولا يسعِّر على الناس بحجة منع الاستغلال مثلاً، ولا يعيّن كافراً أو امرأةً والياً بحجة رعاية الشؤون أو المصلحة، ولا غير ذلك مما يخالف أحكام الشرع، فلا يجوز أن يحرّم حلالاً ولا أن يحل حراماً.

  إلاّ أن هذا في المباح الذي لرعاية الشؤون، أي فيما جعل للخليفة أن يتصرف برأيه واجتهاده، مثل تنظيم الإدارات وترتيب الجند وما شاكل ذلك، وليس في كل المباحات، بل فيما هو مباح للخليفة بوصفه خليفة. أمّا باقي الأحكام من الفرض والمندوب والمكروه والحرام والمباح لجميع الناس فإن الخليفة مقيد فيها بأحكام الشرع، ولا يحل له الخروج عنها مطلقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ” وهو عام يشمل الخليفة وغيره. فكون الخليفة مباح له أن يقود الجيش بالرأي الذي يراه فله أن يسن أي قانون يرتئيه لذلك لا يعني أن له أن يسن قوانين في كل مباح ويجبر الناس عليها، فمثلاً للناس أن يلبسوا اللباس الذي يرونه بالشكل الذي يرونه فلا يحل له أن يضع قوانين تحدد لهم شكل ألبستهم. ولهم أن يبنوا بيوتهم على أي طراز يرتأونه فليس له أن يسن قوانين يحدد لهم طراز بيوتهم، فإن هذا مباح لكل الناس فأي إلزام للناس بشيء معين من هذا المباح ومنْع غيره هو إيجاب للمباح وتحريم للمباح وهو لا يجوز للخليفة وإذا فعله لا تجب طاعته ويُرفع أمره لمحكمة المظالم. بل الذي له محصور في شيء واحد هو ما جعل التصرف فيه له برأيه واجتهاده يجوز له أن يلزم الناس برأي معين ووجبت عليهم طاعته، أي يجوز له أن يسن فيه قوانين، وما عداه لا يجوز مطلقاً. ولهذا لا يحل للخليفة أن يحرم حلالاً أو يحل حراماً بحجة رعاية الشؤون. فلا يحل له أن يقول حرّمت بيع الصوف لخارج البلاد بحجة رعاية الشؤون، لأن البيع مباح، فلا يحل له أن يحرمه أو يمنعه، ولكن بيع الصوف أو السلاح أو أي فرد من أفراد المباح ثبت أنه يسبب ضرراً فإنه يصبح هذا الفرد وحده حراماً، لأنه أوصل إلى ضرر، ويبقى الشيء مباحاً، عملاً بالقاعدة المأخوذة من منع الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش من الشرب من بئر ثمود.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *