العدد 108 - السنة العاشرة – المحرم 1417هـ – أيار 1996م

التحليل السياسي: الدولة الكردية والمخططات الأمريكية

المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق حول “النفط من أجل الغذاء” طالت أكثر من المتوقع لأن أمريكا تعمل من وراء ستار عرقلة أي اتفاق لا يدفع باتجاه تكريس تقسيم العراق الواقعي وإيجاد دولة كردية. فأمريكا تريد أن تقتطع الأمم المتحدة المبالغ المخصصة للمنطقة الكردية وشراء ما يلزم من مواد غذائية ودوائية وتوزيعها على الأكراد من غير تدخل من الحكومة العراقية، بينما تعارض الحكومة العراقية هذا الإجراء لأنه يتعارض مع السيادة العراقية على شمال العراق فتطالب أن يتم كل ذلك عن طريقها بإشراف الأمم المتحدة أو على الأقل أن يكون لها دور بارز في ذلك.

تعمل أمريكا على تقسيم العراق منذ أن استولى عبد الكريم قاسم على الحكم سنة 1958م، فقد طرحت عليه فكرة أن يكون العراق دولة اتحادية من ثلاثة أقسام. ولم تتراجع أمريكا منذئذ عن مخططها، وهي تغتنم الآن فرصة الحصار على العراق والمناطق الآمنة لتكريس التقسيم فيصبح أمراً واقعاً، فكلما طال الحصار وطال بقاء المناطق الآمنة، كلما تكرس التقسيم. ولما كثرت المطالبات برفع الحصار أخذت أمريكا تصعد من حملتها للتقسيم وإخراج دولة كردية إلى الوجود. وإخراج دولة كردية في شمال العراق يقتضي موافقة الأكراد أنفسهم وموافقة الدول الإقليمية المعنية وبخاصة تركية. لذلك تسير أمريكا في اتجاهين، أولهما المصالحة بين الجماعات الكردية لإيجاد بنية سلطوية كردية، وبخاصة بين الحزبين الكبيرين، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني. وثانيهما إقناع تركية بالفكرة.

من أجل هذا أخذت أمريكا في إرسال مبعوثين لشمال العراق لإيجاد المصالحة الكردية، فقد أرسلت وفودا من الكونغرس، وأرسلت المسؤول عن شمال الخليج في وزارة الخارجية، روبرت دويتش الذي زار شمال العراق آخر مرة في منتصف تشرين ثاني 1995م، وينوي القيام بزيارة جديدة قبل نهاية نيسان الجاري. كما جمعت الحزبين الكبيرين في مباحثات مصالحة في ايرلندة في شهري آب وأيلول سنة 1995م، وهددتهما بقطع المساعدة الأمريكية إذا لم يلتزما بالمصالحة، ولم يعملا على إعادة العمل في المؤسسات الكردية السياسية، كما تعمل أمريكا على إجراء انتخابات بلدية في شهر أيار القادم كجزء من إيجاد البنية التحتية السياسية للدولة.

وثانيهما إرسال مبعوثين إلى تركية. فقد أرسلت أمريكا في شهر آب نائب رئيس الاستخبارات الوطني السابق الخبير الاستراتيجي في شؤون الشرق الأوسط، غراهام فاولر، إلى أنقرة لإقناع الأتراك بتقسيم العراق وإيجاد دولة كردية في شمال العراق. التقى فاولر بالعديد من المسؤولين والباحثين الأتراك وعرض عليهم وجهة النظر الأمريكية. ومما قاله لهم “إن العراق يجب أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وبهذا ترتاح تركية ولكن لا يمكن تقسيم العراق إلا بموافقة تركية، غير أن أمريكا مصممة على خطتها لإقامة دولة كردية”. وفي الخامس من أيلول سنة 1995م أرسلت أمريكا مساعد وزير الخارجية ريتشارد هولبروك، إلى أنقرة للغرض نفسه. التقى هولبروك الرئيس ديميريل وقال له “الإطاحة بصدام صعبة جدا، وحتى لو ذهب فمن الصعوبة بمكان أن يتأسس نظام ديمقراطي بدلا منه، والحل الأفضل هو الحل الفيدرالي في العراق”. فرد عليه ديميريل بقوله “من الضروري حماية وحدة أراضي العراق لأن الفيدرالية تعني التقسيم، وهي تطال تركية”. فديميريل يدرك أن أمريكا تريد التقسيم وأن الفيدرالية ليست سوى مرحلة أولى نحو الاستقلال الكردي.

أما بريطانيا فأنها تعارض بشدة تقسيم العراق، وقد عبر عن موقفها هذا وزير الخارجية السابق، دوغلاس ميرد. ووزير الدولة للشؤون الخارجية السابق (وزير الزراعة الحالي), دوغلاس هوغ، بألفاظ حازمة وجازمة في مقابلتين صحفيتين. قال هوغ في مقابلة مع جريدة الحياة ما يلي, “أنا متأكد من أن الأتراك سينسحبون من شمال العراق، وسياستنا الواضحة تجاه العراق تقوم على عدم تأييد أو تشجيع أية محاولة ترمي إلى قيام دولة كردية مستقلة داخل دولة العراق بحدوده الدولية. نحن نؤمن بضرورة بقاء العراق دولة موحدة ضمن حدوده الدولية المعترف بها، وإننا نعارض بكل إمكاناتنا تقسيمه. نحن نؤمن بأن حل مشكلة الأكراد في العراق ممكن بإقامة منطقة لهم تتمتع بالحكم الذاتي، ولا نؤيد أو ندعم أي مشروع يهدف إلى إقامة دولة كردية مستقلة عن العراق. ونحن متفقون مع الأتراك في هذا الموضوع. فتركية لا تسعى إلى ولا تريد، إقامة دولة كردية ضمن العراق، بل تقف مع مشروع الحكم الذاتي. وإذا كنا على خلاف مع حكومة صدام فإن ذلك لا يعني أننا نرغب في تقسيم العراق. بل نؤمن بأهمية بقاء العراق دولة موحدة مستقلة تحترم حقوق مواطنيها. إن حرصنا على وحدة العراق كان من بين الأسباب التي  حملتنا على عدم دخوله بعد تحرير الكويت. ولا أرى أن هناك ما يبرر المخاوف السائدة على وحدة العراق, علما بأننا نفهم بعضهم على هذه الوحدة. نحن ضد تقسيم العراق بوضوح وبشدة”.

لذلك فإن تفسير طرح الملك حسين للكونفدرالية في العراق إنما يكون في ضوء الموقف البريطاني هذا. فالملك حسين طرح للكونفدرالية كأحد الخيارات وليس خيارا وحيدا. وقد طرحهما في سعيه لجمع المعارضة العراقية المتنافرة التوجهات، وفي ظل انزعاج أمريكا وعملائها من تبنيه لملف العراق وسعيه لإجراء تغيير لنظام الحكم فيهز لذلك فإن طرحه لا يعدو كونه محاولة لاسترضاء المعارضة العراقية، أي ليس طرحا حقيقيا. . وانطلاقا من موقفها هذا عرضت بريطانيا حلا وسطا بين العراق والأمم المتحدة يقول بأن توجه حكومة العراق كتبا خطية للأمم المتحدة تفوضها فيها باقتطاع مبالغ محددة مخصصة للمناطق الكردية وبشراء المواد الغذائية والدوائية. فهذا الحل يثبت من جهة سيادة حكومة بغداد على الشمال، ويعطي من جهة أخرى الأمم المتحدة والتصرف.. وبريطانيا معنية بنجاح المفاوضات، إذ كان مندوبها الدائم في مجلس الأمن وعد مجلس الأمن، لدى مراجعته الشاملة السابقة للعقوبات، أن تتوسط حكومته لدى حكومة العراق للقبول بالقرار 886 موضع التفاوض والذي يقضي بالسماح للعراق بيع مقدار محدد من النفط من أجل الغذاء.

وتعتمد بريطانيا في إفشال المساعي الأمريكية على معارضة الدول الإقليمية المعنية وعلى عملائها من الأكراد أنفسهم. فقد عمدت تركية وإيران وسورية، بعد حرب الخليج الثانية، إلى عقد مؤامرات دورية على مستوى وزراء الخارجية للحيلولة دون إقامة دولة كردية في شمال العراق، والدعوة إلى عدم تدخل الدول الأجنبية في شؤونه الداخلية. وتركية معنية أكثر من غيرها بقضية الأكراد بسبب ثورة حرب العمال الكردستاني التركي الذي يسعى لفصل أفراد تركية، لأن في تركية ما يقارب الخمسة عشر مليون كردي يقطنون في مناطق واسعة من تركية. لذلك فإن تركية لا تكتفي بمراقبة ما يجري عن كثب وإنما تتحرك عمليا للحيلولة دون إقامة دولة كردية في شمال العراق. وقد كان رد الرئيس ديميريل على هولبروك في منتهى الوضوح. كما شاركت في لقاءات ايرلندة بصفة مراقب للإطلاع على ما يجري ولبيان أنها لا تريد في شمال العراق وضعا يخالف رغبتها.

وتعتبر تركية أن شمال العراق ليس منطقة كردية خالصة لوجود عدد كبير من التركمان تقدره تركية بمليونين وثلاثمائة ألف إنسان يقطنون في المنطقة الممتدة من الموصل وكركوك إلى الحدود التركية. وقد قال أمين عام وزارة الخارجية التركية أنور أويمين “من الخطأ تعريف شمال العراق على أنه منطقة كردية”.

كما أرسلت الحكومة التركية وفداً التقى روبرت دويتش في شمال العراق في منتصف تشرين الثاني الماضي حيث أعرب الوفد عن معارضة تركية للاقتراح الأمريكي إجراء انتخابات بلدية لأنها تتعارض مع وحدة أراضي، وأن أية انتخابات, ولو كانت بلدية، قبل الاتفاق مع بغداد تعني تحضير أرضية لتأسيس دولة كردية مستقلة. وقد علق رئيس حزب الوطن الأم، يلماظ، في لقاء مع الرئيس ديميريل على مباحثات ايرلندة بقوله “إن اجتماعات دبلن تمضي إلى دولة كردية مستقلة, وأخشى أن نكون أداة لذلك, إن القلق ينتابني”. فأجابه ديميريل “وأنا أشاركك هذا القلق”.

ويزيد غياب سلطة بغداد عن شمال العراق من قلق تركية وحرجها، ذلك أن حرب العمال الكردستاني يتخذ من شمال العراق قاعدة للتشجيع والتسلح والتدريب وقاعدة انطلاق إلى داخل الحدود التركية. اضطر هذا الوضع الشائك الجيش التركي إلى اجتياز الحدود العراقية مرات عديدة لضرب تجمعات حزب العمال الكردستاني وكانت آخرها في آذار- نيسان من العام الماضي عندما اجتازت الحدود قوة تركية كبيرة قوامها خمسة وثلاثون ألف جندي. أدت تلك الحملة إلى توتر في العلاقات الأمريكية – التركية. فقد قام وزير الخارجية التركي، إردال إينونو (رئيس حزب الشعب الجمهوري عندئذ)، وقد قال مسؤول أمريكي كبير إثر اجتماعه ع إينونو “لم نتوصل إلى أي موعد للانسحاب، نود أن يحدد لنا موعد”. أما كريستوفر فقال إن دعم الولايات المتحدة لتركية “يتوقف على احترام تركية لتعهداتها بشأن مدة عمليتها في شمال العراق واحترام حقوق الإنسان”، وقال إنه شدّد على هذه النقطة خلال لقائه مع وزير الخارجية التركي. ثم عاد كريستوفر فقال “إن على تركية أن تعلن عن موعد للانسحاب قبل زيارة تشيلر للولايات المتحدة”. ولما قامت تشيلر في 19/4 بزيارة أمريكا عمدت وسائل الإعلام الأمريكية إلى عدم إبراز الزيارة.

اضطرت أمريكا إزاء هذا الموقف التركي إلى إرسال وفد كبير إلى أنقرة برئاسة العقل المدبر في وزارة الخارجية، مساعد وزير الخارجية، ستروب تابلوت. ولأهمية الموضوع أمضى الوفد ثلاثة أيام في أنقرة. وفي نهاية الزيارة أكدت تابلوت للصحفيين وجود خلافات مع الحكومة التركية، وقال ” لقد حصلنا على ضمانات لتحديد المدى والمدة للحملة”.

ما من شك في أن قوة المطرقة المتمركزة في تركية لحماية الأكراد في شمال العراق عامل هام في تنفيذ المخطط الأمريكي. وقد سلّط رئيس الأركان التركي السابق دوغان غوريش الضوء عليها بقوله إن الغرب كان يريد من خلال قوة المطرقة تأسيس دولة كردية، لكن معارضة تركية ودول المنطقة حالت دون ذلك. وقوة المطرقة هذه أضحت جزءاً هاماً من الترتيبات في المنطقة تبتز أمريكا تركية لتجدد له بحيث يصعب على تركية ترحيلها, لكن الانتخابات التركية الأخيرة أفرزت غالبية برلمانية من حزب الرفاه، وحزب الوطن الأم, وحزب اليسار الديمقراطي, وحزب الشعب الجمهوري, ضد بقائها وقد وعد أجاويد يلماظ بأنه سيدعم حكومته من خارجها إذا هو أعاد النظر في عمل قوة المطرقة.

وقد يرد تساؤل مفاده أنه ما دامت أمريكا تريد تقسيم العراق فلماذا لم تتقدم قواتها إلى بغداد لدى هزيمة الجيش العراقي فتسقط نظام صدام حسين وتفرض التقسيم؟ أجاب بوش في جولته قبل أيام في منطقة الخليج على هذا التساؤل أو على الجانب الأهم منه عندما قال بأن تقدم القوات نحو بغداد كان من شأنه أن يؤدي إلى تفكك الحلف. لكن الحلف لم يك ليتفكك، كما ادّعى بوش, جرّاء المواقف التي اتخذها بعض حلفائه الآخرين على رأسهم بريطانيا وفرنسا. وما جاء في تصريح هوغ المذكور سابقاً بقوله “إنّ حرصنا على وحدة العراق كان من بين الأسباب التي حملتنا على عدم دخوله بعد تحرير الكويت” وأوضح كل الوضوح. وقال وزير الخارجية البريطاني، دوجلاس هيرد عند انتهاء الحرب بهذا الشأن “ليس من شأن دول التحالف أن تحدد من الذي يجب أن يحكم العراق, كما لا يمكن جعل صدام شخصياً يتحمل مسؤولية الفظائع التي ارتكبها نظامه”. أم وزير خارجية فرنسا، رولان دوما، فقال “إن فرنسا غير معنية بتغيير النظام العراقي الحالي, ولن تساهم في حملة لعزل صدام حسين عن الحكم”. وحتى تدلل بريطانيا على جدية موقفها أمَرت قواتها بوقف القتال قبل موافقة بوش بما يزيد عن ست وثلاثين ساعة. ونتيجة لمواقف حلفائه اضطرب بوش للاكتفاء بالمراهنة على انتفاضة الجيش والشعب في العراق إثر هزيمة العراق المنكَرة. كان بوش يحرّض الشعب والجيش العراقيين للثورة والإطاحة بنظام صدام حسين، فقال في 15شباط 1991 “هناك طريقة أخرى لوقف نزيف الدم, وهذا عائد للقوات المسلحة العراقية والشعب العراقي في أن يكون زمام الأمور بأيديهم لإجبار الديكتاتور صدام حسين على التخلي عن السلطة”. ولما اندلعت انتفاضة الشيعة في جنوب العراق في الأول من آذار جرى تذكير أمريكي بأنه سبق أن أعلن الرئيس بوش للشعب العراقي “أنه إذا أطاح بصدام فإن ذلك سيسهل قبول عودة العراق إلى عائلة الدول المحبة للسلام”. لكن حلفائه كان لهم أيضاً رأي آخر في هذا الأمر. فلما أخذ الإيرانيون يتدفقون على جنوب العراق لدعم الانتفاضة طار وزير الدولة البريطاني إلى طهران لتحذير إيران من مغبة التدخل في شؤون العراق الداخلية مما كان له أثر كبير في فشل الانتفاضة في العراق بأكمله. وهكذا انتقلت المراهنة الأمريكية من المراهنة على الانتفاضة إلى المراهنة على أن تتحول المناطق الآمنة في ظل الحراب الأمريكية إلى كيانات مستقلة. من أجل هذا حاول كلينتون في الأزمة التي اختلقتها مع العراق في خريف 1994 توسيع المنطقة المحظورة في جنوب العراق، لكنه فشل في استصدار قرار من مجلس الأمن بسبب معارضة الدول الكبرى الأخرى في مجلس الأمن.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *