العدد 108 - السنة العاشرة – المحرم 1417هـ – أيار 1996م

من الفكر الإسلامي: نظرة في النصر

قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

في هذه الآية وعد الله الجماعة التي تؤمن بالعقيدة الإسلامية وتحسن العمل ومنه وعلى رأسه العمل لإقامة حكم الله في الأرض وعدها بالتمكين والاستخلاف والأمن فكل تكتل يأخذ وصف الجماعة ويتحقق فيه ما هو مطلوب منه في الآية من الإيمان وإحسان العمل فهو مشمول بوعد الله في هذه الآية ومنصور لا محالة طال به الزمن أم قصر. والجماعة ليست كل الناس غير أن النصر إنما يقع للجماعة في الأمة ووقوعه لها في الأمة يجعله نصرا لكل الأمة وليس للجماعة وحدها، لأنه لا يتصور الأمن والسناء والرفعة والمنعة لها من دون الناس فما يصيب الجماعة من ذلك يصيب الناس أيضا ولا كلام.

وأيضا فإن الاستخلاف والتمكين للجماعة يعني وجود دولة لهم وهي نصر من الله تعالى والدولة لا تكون للجماعة وحدها وإنما تكون للجماعة والأمة من أجل ذلك فإنه لا يمكن فهم قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ) بعيدا عن قوله (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) أو قوله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا) وغيرها من الآيات التي تتعلق بنصر الأمة، فنصر الجماعة لا يمكن فصله عن نصر الأمة فلا يمكن أن يتحقق نصر الجماعة إلا ويتحقق معه نصر الأمة كما حصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فإن النصر الذي أصابه ومن معه أصاب أهل المدينة أيضا.

والأمة لا تنتصر حتى تؤدي شرط الله عليها من الإيمان والتقوى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ...) وليس شرطا على ذلك أن يقع من الأمة عن بكرة أبيها فغلبة الخير للشر تكفي كما حصل في المدينة، كما أنه ليس شرطا حتى يغلب الخير أن يصبح أكثر أفراد الأمة حملة دعوة ولكن بالضرورة أن يغلب الذين يؤيدونها أولئك الذين يعملون في دعوتها، قال القاضي تقي الدين النبهاني رحمه الله تعالى “إن أعظم مما يجب أن يحصل على يد الحزب السياسي وجود الأفكار الإسلامية عند الناس وجودا بارزا يظهر في أحاديثهم ومناقشاتهم وأن يصل هذا الوجود إلى حد أن تبدو آثاره في علاقتهم كبدو صلاح الثمر عند نضجه، وما لم توجد هذه الأفكار فإنه لا يمكن أن تحمل الأمة الرسالة التي يحملها الحزب ولا يمكن أن يوجد وعي عام ينبثق عنه رأي عام” ونقول “وأن وجود وعي عام ينبثق عنه رأي عام أمر جوهري حتى يجوز للحزب السياسي أن يأخذ الحكم في أي جزء من مجاله ولهذا كان من أهم ما يجب أن يشغل ذهن كل فرد في الحزب أن توجد بين الناس الأفكار الإسلامية عن الإسلام كما تبناه الحزب ولا سيما الأفكار التي تعتبر من المقاييس والتي تؤثر على وجهة النظر في الحياة “وهذا يعني أن يتجه حملة الدعوة إلى الأمة يعملون فيها بكل ما أوتوا من قوة لإيجاد غالبية تفكر وتتصرف على أساس الإسلام، والنصر وعد من الله تعالى ووعد الله لا يتحقق بالأماني ولا يخضع للترتيبات العقلية لأنه وإن كان جميلا أن نقول مرتبين: الدولة أولا ثم نقوم ببناء الأمة فإن ذلك لا يعني أن نصر الله سيأتي على هذا النحو فنصر الله للأمة يأتي فقط إذا تحقق شرطه الذي دلت عليه النصوص وهو نصر الأمة لله (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ).

ونصر الأمة لله لا يعني أن تتمنى الإسلام ولا تعمل له، بل تخالفه في الكثير من تصرفاتها، لأن مثل هذا لا يصدق عليه أن الأمة تنصر الله كما أنه لا يعتبر من نصر الله أن تؤيد الإسلام باعتبار المصلحة والمفسدة بل لا بد أن يكون التأييد للإسلام حاصلا باعتبار ذلك واجبا شرعا. وحامل الدعوة قد يصيبه اليأس عند سماعه عن ضرورة الحصول على غالبية تتبنى الأفكار الإسلامية  للإسلام، وقد يرى كذلك أن تحقيق ذلك يحتاج إلى عشرات السنين وربما المئات، وهذا خطأ كبير وذلك أن استجابة الأمة للدعوة ليس شرطا أن تكون على نفس الوتيرة فقد يعمل حامل الدعوة في الأمة بكل ما أوتي من قوة عشر سنين ولا يحصل فيها إلا على تأييد أفراد معدودين، وقد يعمل بعدها سنة واحدة في الأمة ويحصل فيها على تأييد جماهيرها، لكن هذا التأييد لم يكن ليحصل له لولا عمله الأول، لأن تأييد الجماهير له نصر من الله تعالى سببه القيام بما أوجبه الله تعالى عليه في العمل الأول. قال القاضي تقي الدين النبهاني رحمه الله “والتأثير ليس ناجما عن كثرة الأفكار التي أعطيت أو قلتها وإنما هو من حيث العقيدة آت من الله تعالى ووفق علم الله ومن حيث وصف الواقع المختلف باختلاف المجتمعات والناس، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة على عظمة القوة الروحية التي يملكها لم يؤثر في مجتمع مكة، ولم يؤثر في جماهير الناس فيها ولم يؤثر إلا في أفراد معدودين مع أنه مكث فيها ثلاث عشرة سنة، ومصعب بن عمير أثر في سنة واحدة في المدينة في المجتمع والجماهير وأكثرية الأفكار في أهل المدينة”.

من هنا يجب على حامل الدعوة أن يدرك عظمة عمله حين يتصل بالناس حتى وإن لم يظهر لعلمه أثر على أرض الواقع لأن عمله هذا سبب عند الله في حصوله على تأييد الناس الذي هو نصر، وبهذا المفهوم يكون حامل الدعوة حصينا منيعا من اليأس والكلل، ممتلئا بالأمل مالكا لكل سبب يجعل منه عزما لا يلين…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *