العدد 109 - السنة العاشرة – صفر 1417هـ – حزيران 1996م

حوار مفتوح حول : دستور دولة الخلافة

حوار مفتوح حول : دستور دولة الخلافة

المادة :38-

 ليس للخليفة مدة محدودة، فما دام الخليفة محافظاً على الشرع منفذاً لأحكامه، قادراً على القيام بشؤون الدولة، يبقى خليفة ما لم تتغير حاله تغيراً يُخرجه عن كونه خليفة. فإذا تغيرت حاله هذا التغير وجب عزله في الحال.

…ودليلها هو أن نص البيعة الوارد في الأحاديث جاء مطلَقاً ولم يقيَّد بمدة معينة. وأيضاً فإن الخلفاء الراشدين قد بويع كل منهم بيعة مطلقة وهي البيعة الواردة في الأحاديث، وكانوا غير محدودة مدتهم، فتولى كل منهم الخلافة منذ أن بويع حتى مات، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على أنه ليس للخلافة مدة محددة، بل هي مطلقة، فإذا بويع ظل خليفة حتى يموت. إلاّ أنه إذا طرأ على الخليفة ما يجعله معزولاً أو ما يجعله يستوجب العزل فإنه يُعزل في الحال. غير أن ذلك ليس تحديداً لمدته في الخلافة، وإنما هو حدوث اختلال في شروطها، إذ أن صيغة البيعة الثابتة بالنص الشرعي وإجماع الصحابة يجعل الخلافة غير محددة المدة ولكنها محددة بقيامها بما بويع عليه وهو الكتاب والسنّة، أي بتنفيذ أحكامهما، فإن لم يحافظ على الشرع أو لم ينفذه فإنه يكون قد أظهر الكفر البواح مما يجعل قتاله واجباً على الأمّة لحديث (إلاّ أن تروا كفراً بواحاً).

المادة : 39-

 الأمور التي يتغير بها حال الخليفة فيخرج بها عن الخلافة ثلاثة أمور، هي:

أ- إذا اختل شرط من شروط انعقاد رئاسة الدولة، كأن ارتد، أو فسق فسقاً ظاهراً، أو جنّ، أو ما شاكل ذلك. لأن هذه الشروط شروط انعقاد، وشروط استمرار.

ب- العجز عن القيام بأعباء رئاسة الدولة لأي سبب من الأسباب.

ج- القهر الذي يجعله عاجزاً عن التصرف بمصالح المسلمين برأيه وفق الشرع. فإذا قهره قاهر إلى حد أصبح فيه عاجزاً عن رعاية مصالح الرعية برأيه وحده حسب أحكام الشرع يعتبر عاجزاً حكماً عن القيام بأعباء الدولة فيخرج بذلك عن رئاسة الدولة. وهذا يُتصور في حالتين:

الحالة الأولى- أن يتسلط عليه فرد واحد أو عدة أفراد من حاشيته فيستبدون بتنفيذ الأمور. فإن كان مأمول الخلاص من تسلطهم ينذَر مدة معينة ثم إن لم يَرفع تسلطهم يُخلع. وإن لم يكن مأمول الخلاص يُخلع في الحال.

الحالة الثانية- أن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر، إما بأسره بالفعل أو بوقوعه تحت تسلط عدوه. وفي هذه الحال يُنظر، فإن كان مأمول الخلاص يُمهل حتى يقع اليأس من خلاصه، فإن يُئس من خلاصه يُخلع وإن لم يكن مأمول الخلاص يُخلع في الحال.

…الدليل عليها هو النصوص التي وردت في شروط الخليفة، فإن هذه النصوص تدل على أن هذه الشروط شروط استمرار وليست شروط تولية فحسب. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (لن يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) كان كلامه شاملاً الولاية، فما دام والياً لا يصح أن يكون امرأة، فإذا صار الرجل وهو حاكم امرأة بسبب من الأسباب فقد فَقَد هذا الشرط وصار واجب العزل، وكذلك فإن الله حين قال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) كان قوله: (منكم) إلى جانب (أولي الأمر) واضحاً في لزوم الإسلام لولي الأمر ما دام ولياً للأمر، فإذا أصبح ولي الأمر ليس منا، أي أصبح كافراً فقد ذهبت الصفة التي اشترطها القرآن لولي الأمر، فقد شرط الإسلام، فصار معزولاً عن ولاية الأمر لأنه لا يصح أن يكون ولي أمر وهو ليس منا أي ليس مسلماً. وهكذا جميع النصوص التي وردت في شروط الخليفة هي نصوص شاملة تشتمل على صفات دائمة لازمة للموصوف مما يدل على أنها شروط استمرار وليست شروط ولاية فحسب. وعلى ذلك تكون أدلة شروط الخليفة أدلة كذلك لعزله، فإن وجودها شرط لانعقاد الخلافة وشرط لاستمرارها لإطلاق النصوص، وفقدانها يفقِد استمرارها فيمنع بقاء من ولي بحسبها في ولايته. وهذا هو دليل الفقرة “أ” من هذه المادة.

……وأمّا الفقرة “ب” فدليلها أن عقد الخلافة إنّما كان على القيام بأعبائها، فإذا عجز عن القيام بما جرى العقد عليه وجب عزله لأنه صار كالمعدوم، وأيضاً فإنه بعجزه عن القيام بالعمل الذي نصب له خليفة تعطلت أمور الدين ومصالح المسلمين، وهذا منكَر تجب إزالته، ولا يزول إلاّ بعزله حتى يتأتى إقامة غيره، فصار عزله في هذه الحال واجباً. إلاّ أنه ينبغي أن يُعلم أن هذا غير مرتبط بسبب معين، بل كل ما يصاب به من شيء يجعله عاجزاً عن القيام بعمله يستوجب عزله، فإذا لم يجعله عاجزاً لا يُعزل، ولهذا لا يقال إن فقد أعضاء الجسم يستوجب العزل أو لا يستوجب العزل، كما لا يقال إن الإصابة بمرض معين يستوجب العزل أو لا يستوجب العزل، فإنه لم يرد نص بشيء منها مطلقاً، وإنما الحكم الشرعي أن العجز عن القيام بالعمل الذي نُصب له هو الذي يستوجب عزله أياً كان سبب هذا العجز، وهذا ليس خاصاً بالخليفة، بل هو عام في كل من نُصب على عمل سواء أكان نُصب حاكماً كالوالي أو نُصب أجيراً كمدير الدائرة، فإن العجز يستوجب العزل.

…وأمّا الفقرة “ج” فإن دليل الفقرة “ب” هو دليل لها أيضاً. وذلك أن العجز عن القيام بالعمل الذي نُصب له الخليفة قسمان: عجز حقيقة، وعجز حكماً. أمّا العجز حقيقة فهو أن يكون عجزاً جسمياً، أي يفقد القدرة الجسمية على القيام بالعمل، وهذا ما جاء في الفقرة “ب”، وأمّا العجز حكماً فهو أن يكون قادراً جسمياً على القيام بالعمل ولكنه عاجز عن التصرفات للقيام بالعمل، فيكون حكمه حكم العاجز حقيقة، لأنه لا يستطيع أن يباشر بنفسه القيام بالعمل الذي نُصب له لعجزه عن التصرف بأمور نفسه فيصبح كالمعدوم، ولذلك وجب عزله. وهذا له حالتان: إحداهما حالة الحجر والأخرى حالة القهر. أمّا حالة الحجر فهي أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور ويمنعه من مباشرته ويصبح هذا المستبد هو المباشِر لمنصب الخلافة، فيكون الخليفة في هذه الحال كالمحجور عليه الممنوع من التصرفات القولية، وبما أن عقد الخلافة إنّما جرى على شخص الخليفة فيجب أن يباشِر الخلافة بنفسه، وبهذا الحجر عليه أو الاستبداد من أعوانه فَقَد القدرة على القيام بما نُصب له من العمل، ولذلك صار كالمعدوم ووجب عزله. إلاّ أنه في هذه الحال يُنظر، فإن كان هناك أمل بإزالة المستولي عليه من الاستيلاء عليه وبفك حجره فإنه يُمهل مدة، فإن لم يُفك حجره يُعزل. وأمّا إن لم يكن هناك أمل فإنه يُعزل في الحال.

…وأمّا حالة القهر فهو أن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، سواء أكان العدو من الكفار، أم من البغاة. وفي هذه الحال وجب على كافة الأمّة استنقاذه إما بقتال أو فداء، فإن وقع الأياس منه عُزل في الحال إن كان مأسوراً لدى الكفار. أمّا إن كان مأسوراً لدى بغاة يُنظر، فإن كان لهم إمام ووقع الأياس منه عُزل في الحال، وإن لم يكن لهم إمام فإنه يكون حكمه حكم حالة الحجر، أي يُمهل مدة فإن لم يُفك أسره يُعزل.

…هذه هي أدلة الفقرات الثلاث، وهي في جملتها أدلة شروط الخلافة، فإن القدرة على القيام بما نُصب له شرط كذلك، وعجزه عن القيام بما نُصب له من عمل، فقدان لهذا الشرط. إلاّ أنه ينبغي أن يلاحَظ أن فقدان بعض هذه الشروط يخرجه عن الخلافة أي يفسخ عقدها في الحال، وفقدان بعضها لا يخرجه عن الخلافة ولكنه يوجب عزله. فارتداده عن الإسلام، وجنونه جنوناً مطبقاً، ووقوعه أسيراً في يد كفار أمراً جسيماً بأن يكون شخصه في يدهم وهو غير مأمول الفكاك، فإنه في هذه الأحوال الثلاث يخرج عن الخلافة وينعزل في الحال ولو لم يُحكم بعزله، فلا تجب طاعته، ولا تنفذ أوامره، فقد فُسخ عقد الخلافة عنه. وأمّا جرح عدالته بأن يصبح ظاهر الفسق، وتحوله إلى أنثى أو خنثى مشكل أو جنونه جنوناً غير مطبق أو عجزه عن الخلافة عجزاً حقيقياً، أو حجره باستيلاء فرد أو أفراد من حاشيته عليه واستبدادهم بتنفيذ الأمور، أو وقوعه أسيراً أسراً جسمياً مأمول الفكاك، أو وقوعه تحت نفوذ كفار يسيّرونه، فإنه في هذه الأحوال السبعة يجب عزله عند حصول أية حالة منها، ولكنه لا ينعزل إلاّ بحكم حاكم، وفي جميع هذه الأحوال السبعة تجب طاعته ويجب تنفيذ أوامره إلى أن يصدر حكم بعزله، لأن كل واحدة من هذه الحالات لا ينفسخ فيها عقد الخلافة من نفسه بل يحتاج إلى حكم حاكم. والفرق بين الشروط التي فقدانها يخرجه عن الخلافة والشروط التي فقدانها لا يخرجه عن الخلافة ولكنه يجعله مستحقاً للعزل هو أن الشروط التي فقدانها يجعل العقد مما لم يشرع بأصله ووصفه، بأن كانت راجعة إلى العقد أو ركن من أركانه فإن العقد في هذه الحال يكون باطلاً، فإذا لم يتوفر حين انعقاد الخلافة بَطُل العقد ولم ينعقد. وإذا طرأ أثناء الخلافة بطُل العقد وفُسخ من ذاته. وذلك كشرط الإسلام وشرط العقل وشرط القدرة على مباشرة العمل بنفسه. وأمّا الشروط التي فقدانها لا يجعل العقد مما لم يشرع بل يكون أصله مما شرع ولكنه يجعله

مما لم يشرع بوصفه، بأن كان غير راجع إلى نفس العقد ولا إلى ركن من أركانه ولكنه راجع إلى صفة ملازمة له، فإن العقد في هذه الحال لا يكون باطلاً وإنما يكون فاسداً. فإذا لم يتوفر حين انعقاد الخلافة تنعقد الخلافة ولكنها تكون فاسدة يحتاج فسخها إلى حكم حاكم، وكذلك إذا طرأت أثناء الخلافة يصبح العقد فاسداً ولكنه لا ينفسخ من نفسه وإنما يحتاج فسخه إلى حكم حاكم، وذلك كشرط الذكورة وشرط العدالة وما شاكلها. ومن هنا جاء الفرق بين تغير حال الخليفة تغيراً يخرجه عن الخلافة وبين تغير حاله تغيراً لا يخرجه عن الخلافة وإنما يجعله مستحقاً للعزل.

المادة 40- محكمة المظالم وحدها هي التي تقرر ما إذا كانت قد تغيرت حال الخليفة تغيراً يخرجه عن الخلافة أم لا، وهي وحدها التي لها صلاحية عزله أو إنذاره.

…الدليل عليها أن حدوث أي أمر من الأمور التي يُعزل فيها الخليفة والتي يستحق فيها العزل، مَظلَمة من المظالم، فلا بد من إزالتها. وهي كذلك أمر من الأمور التي تحتاج إلى إثبات فلا بد من إثباتها أمام قاضٍ. وبما أن محكمة المظالم هي التي تحكم بإزالة المظالم، وقاضيها هو صاحب الصلاحية في إثبات المظلمة والحكم بها، لذلك كانت محكمة المظالم هي التي تقرر ما إذا كانت قد حصلت حالة من الحالات العشرة السابقة أم لا، وهي التي تقرر عزل الخليفة. على أن الخليفة إذا حصلت له حالة من هذه الحالات وخلع نفسه فقد انتهى الأمر، وإذا رأى المسلمون أنه يجب أن يُخلع بحصول هذه الحالة ونازعهم في ذلك، فإنه يُرجع للفصل في ذلك إلى القضاء لقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) أي تنازعتم أنتم وأولي الأمر، وهذا تنازع بين ولي الأمر وبين الأمّة، وردّه إلى الله والرسول هو رده إلى القضاء أي إلى محكمة المظالم.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *