العدد 110 - السنة العاشرة – ربيع الأول 1417هـ – تموز وآب 1996م

بريد الوعي: الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم

بريد الوعي:

الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم

بقلم الأستاذ: محمود عبد اللّطيف

ردّ وتعقيب على ما نشر في العدد 106 و107

لقد تضمّن المقال المشار إليه ثلاث نقاط تستوجب الردّ والتعقيب وهي:

1-حكم الصلاة عل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في أكثر من نصف الصفحة الأولى من المقال، وقد استعرض الكاتب خلافات الأئمة في هذه المسألة التّي تراوحت بين الإيجاب والإستحباب، دون أن يقطع الكاتب فيها برأي أو حكم.

  2- الصيغة التّي ينبغي أن تؤدّى بها الصّلاة على النبي عليه الصلاة والسّلام، والتّي خلص حيالها إلى أن صيغة (صلى الله عليه وسلّم) ناقصة، وأنّ الصيغة الكاملة هي التّي ورد فيها ذكره وذكر آله وذكر إبراهيم وآل إبراهيم. أو الصيغ التّي ورد فيها ذكره وذكر آله.

   3- واختتم به كاتب المقال مقاله بقوله: (المشكلة الآن تكمن في التقليد الأعمى الذّي يسوق المقلّد إلى ترك قول النبيّ عليه وآله الصلاة والسّلام ليتّبع النّاس (حتّى لو كانوا أئمة وعلماء) دون دليل في فترة الزّمن ماضية عملت الفتنة بين المسلمين وجعلت بعضهم يقتل أو يشتم بعضا. إنتهت تلك الفترة ولكن بعض آثارها ما زال كامنا في العقول والقلوب). فأرجوا أن يتّسع صدر الكاتب وصدور القرّاء الكرام لما تضمّنه هذا الردّ والتعقيب.

1-حكما الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم:

   إنّ الأحكام الشرعية قد جاء بها الشرع للتطبيق والعمل وليس لمجرّد العلم والإطّلاع، وإنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة من المسلمين عبر العصور الزاهرة كانوا يعلّمون النّاس الأحكام للتطبيق والعمل وليس لمجرّد العلم والإطّلاع، ولم يصبح تعليم الأحكام لمجرّد العلم والإطّلاع إلاّ في العصور الهابطة من تاريخ المسلمين. فبدلا من أن ينطق الصحابيّ أو الإمام بالحكم الواحد في المسألة الواحدة حتى يمكن العمل به، وصرنا نرى علماء العصور الهابطة يستعرضون الأحكام العديدة للمسألة الواحدة دون أن يقطعوا فيها برأي واحد أو حكم واحد لتلك المسألة، مم يحول دون تمكن المتعلم أو المتلّقي أو القارئ من معرفة الحكم الشرعيّ الذّي يتوجّب عليه أخذه والعمل به ولا سيما وأنّ المتعلم أو المتلقّي أو القارئ لا يملك عادة القدرة على الإجتهاد أو الترجيح بين الأحكام النصوص المختلفة.

 وأقول لأخي كاتب المقال: إنّك خالفت طريقة الصحابة والأئمّة الأعلام في وجوب تعليم الأحكام الشرعيّة من أجل التطبيق والعمل. وما يستلزمه ذلك من وجوب إعطاء حكم واحد في المسألة الواحدة لأنّه بدون ذلك يتعذّر التطبيق والعمل بالأحكام الشرعيّة، ويصبح نشرها وذكرها على طريقة المتأخّرين أشبه بالفلسفة والنظريّات والعلوم التجريدية (الوعي قامت بحذف موضوع حكم الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردّ الكاتب الفاضل نظرا للمساحة المتاحة لباب الوعي).

2-الصيغة التّي تؤدّى بها الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

  في هذه المسألة استعرض الكاتب الفاضل الأدلّة واستخلص منها حكما واحدا مفاده أنّه لا بد من ذكر الآل عند الصلاة والسّلام عليه بدون ذكر الآل ناقصة. وقد استند الكاتب الكريم في دعواه على أربعة أمور:

أوّلا: حديث كعب بن عجرة قال (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السّلام عليك. فكيف الصّلاة؟ فقال:” قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهم باكر على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد”. وأربع صيغ أخرى واردة في الأحاديث.

ثانيا: نفيه خلوّ أي حديث يتضمّن صيغة الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر الآل معه.

ثالثا: إعتماده على قاعدة الإجزاء عن الشيء بمعناه.

رابعا: إطلاق الصيغ الواردة دون تقييده في الصّلاة.

فنقول ما يلي:

أوّلا: إنّ حديث كعب بن عجرة وجميع الأحاديث الأخرى التّي تضمنت صيغا للصّلاة على رسول اللهصلى الله عليه وسلم  كلّها واردة في موضوع الصّلاة، أي هي مقيّدة في الصّلاة وليست مطلقة، ويجب حملها على هذا الأساس وهاكم البيان:

  ما جاء في حديث كعب بن عجرة (فقلن يا رسول الله قد علمن أو عرفنا كيف السّلام عليك فيكف الصّلاة؟)  يدلّ على أنّ موضوع السؤال إنّما كان بخصوص الصّلاة فحسب، وليس مطلقا في الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أنّ قولهم: قد علمنا أو عرفنا كيف السّلام عليك، إنّما يعنون به ما علّمه إياّه الرّسول صلى الله عليه وسلم ممّا جاء في صيغة التشهّد في الصّلاة: السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، يدلّ عليه ما رواه ابن حبّان ومسلم والترمذي وأبوا داود والدارقطنيّ والطحاوي عن إبن عبّاس قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا التشهدّ كما يعلّمنا السورة من القرآن التحيّات المباركات الصلوات الطيّبات لله، السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله”. وأصرح منه الدلالة ما رواه البخاري ومسلم وابن حبّان وأحمد والدارقطني والطحاوي عن عبد الله بن مسعود قال ” كنّا إذا صليّنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قلنا: السّلام على الله قبل عباده، السّلام على جبريل، السّلام على ميكائيل، السّلام على فلان، فلمّا انصرف االنبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال: إنّ الله هو السّلام، فإذا جلس أحدكم في الصّلاة فليقل التحيات لله والصلوات  والطيّبات، السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنّه إذا قال ذلك أصاب كلّ عبد صالح في السّماء والأرض أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ثم يتخيّر بعد من الكلام ما شاء”. وعلى هذا  فإنّه يجب حمل كلّ حديث يذكر تعلّم السّلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماجاء في التشهّد،أي في الصّلاة، وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ ما أضيف إلى تعلّم الصّلاة على سول الله صلى الله عليه وسلم،  فإنّه مقيّد بالصّلاة لوجود التلازم بينهما هنا، فالمسلمون كانوا يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا يسلّمون على أنفسهم، ولم يكونوا بحاجة إلى سؤاله عن كيفيّة طرح السّلام عليه، لأنّ في الإسلام صيغة واحدة للسّلام بين المسلمين هي: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهذه الصيغة يعلمها كلّ مسلم وخاصة الصّحابة رضوان الله عليهم، ولكنّهم لما كانوا يصلون فيقولون في صلاتهم السّلام على الله وعلى الملائكة وعلى غيرهم ممّا جاء في الحديث المار، علّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسلّمون في الصّلاة خاصة، فلمّا علموا كيفيّة السّلام عليه في الصّلاة طلبوا منه أن يعلّمهم كيفية الصّلاة عليه في الصّلاة أيضا، فكانت الأحاديث كلّها متعلّقة بموضوع الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصّلاة خاصّة دون سواها ويشهد لهذا الفهم عدّة أحاديث أذكرها كما يلي:

أ – عن أبي هريرة أنّه قال: “يا رسول الله كيف نصلّي عليك” يعني في الصّلاة، فقال: “تقولون: اللّهم صلّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمد كما باركت على إبراهيم تسلّمون عليّ” رواه الشافعي.

ب  – عن كعب بن عجرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم “أنّه كان يقول في الصّلاة اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد” رواه الشافعي.

ج – عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال “أقبل رجل حتّى جلس بين يدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم  ونحن عنده فقال: يا رسول الله أما السّلام فقد عرفناه، فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا صلّى الله عليك؟ قال:فصمت حتّى أحببنا أن الرّجل لم يسأله، ثمّ قال: إذا أنتم صلّيتم عليّ فقولوا: اللّهم صلّ على محمّد النبيّ الأميّ وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد النبيّ الأميّ وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد” رواه غبن خزيمة وابن حبّان في صحيحهما، ورواه الحكام على شرط مسلم ووافقه الذهبيّ ورواه أحمد، ورواه الدارقطني وقال: هذا إسناد حسن متّصل، ورواه البيهقي وصحّحه. فالحديث صحيح لا شكّ فيه. وعلى هذا فإنّ جميع الصيغ الواردة في كيفيّة الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما وردت مقيّدة بالصّلاة، أي عقب التشهّد الأخير ولا يصحّ إطلاقها بحيث كلّما ذكرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجالسنا أو في خلواتنا ذكرنا هذه الصيغ الطويلة، فإنّ ذلك لم يقل به عالم أو فقيه.

ثانيا: أمّا قول الكاتب الفاضل “وبالاستقراء لم نجد ولا رواية واحدة من الروايات التّي علمهم فيها الصّلاة عليه خالية من ذكر آله معه” فقوله هذا ممكن أن يصدق عليه، ولكنّني أنا وجدت صيغتين صحيحتين إثنتين خاليتين من ذكر الآل هما:

أ – نفس الصيغة التي أوردها الكاتب نفسه ويبدو أنّه غفل عنها، فقد روى مسلم والبخاري وغبن ماجة عن أبي حميد الشاعريّ قال: “قلنا يا رسول الله كيف نصلّي عليك، قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريّته كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى أزواجه وذرّيته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد”. فهذه الصيغة خالية من ذكر الآل فإنّ ادّعى صاحبنا الكاتب أن الأزواج والذريّة هم الآل وأنّ المعنى واحد، قلنا له إنّ الأزواج ليسوا من الأهل كما صرحت بذلك الأحاديث، فقد روى مسلم أن ناس سألوا زيد بن أرقم رضي الله عنه عن أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم بقولهم له ” من أهل بيته نساؤه؟ قال لا وأيم الله إنّ المرأة تكون مع الرّجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذّين حرموا الصدقة بعده” وجاء في حديث آخر رواه مسلم أنّ زيد بن أرقم قال: “أهل بيته من حرم الصّدقة بعده” قال (أي راوي الحديث) ومن هم؟ قال: “هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عبّاس” قال: كل هؤلاء حرموا الصدقة؟ قال: نعم”. فأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ليسوا من آله. أمّا الذريّة فإنهم وإن كانوا من الآل، إلاّ أنّهم ليسوا هم الآل وحدهم، بل هم جزء يسير من الآل، والآل يشملهم ويشمل كثيرين غيرهم، وعلى هذا فإنّ ذكر الأزواج والذريّة في هذه الصيغة لا تعني ذكر الآل.

  ب – روى البخاري وابن ماجة والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “قلنا يا رسول الله هذا التسليم فكيف نصلّي عليك؟” قال: “قولوا: اللهم صلّ على محمد عبدك ورسولك كما صلّيت على آل إبراهيم وبارك على محمّد كما باركت على آل إبراهيم”. فهذه الصيغة الصحيحة قد خلت من ذكر الآل في الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن هي ذكرت عند التبرك، فلا يستدل بها على القول صلى الله عليه وآله وسلّم لأنّها غير موجودة عند ذكر الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصحّ أن يستدل بها على القول صلّى الله عليه وسلّم وبارك على آله وآل إبراهيم، حسب القاعدة التّي اعتمد الكاتب عليها والتّي سيأتي الحديث عنها في البند التالي.

ثالثا: أمّا بخصوص اعتماد الكاتب الفاضل على قاعدة الإجزاء عن الشيء بمعناه كما جاء في المقال (وصيغة السّلام التّي عرفها الصّحابة هي الواردة في التشهّد [السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته] ويجزئ عنها ما كان في معناها، وصيغة الصلاة هذه يجزئ عنها ما كان في معناها).

فالردّ على هذا القول من وجوه:

أ – إنّ تفعيل هذه القاعدة التي أتى بها الكاتب يعني أنّه يصح في التشهّد أن يقال مثلا [السّلام على رسول الله وبركات الله ورحمته ] أو [السّلام والرّحمة والبركة من الله على رسول الله] فهل يجيز الكاتب الكريم هاتين الصيغتين في السّلام على الرسول صلى الله عليه وسلم في التشهّد في الصّلاة ما دامتا في معنى الصيغة الواردة وأنّهما تجزئان عنها؟

ب – عندما ذكر الصيغة الواردة في حديث كعب بن عجرة وهي (اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهم باكر على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) وجعلها مع غيرها من الصيغ المتقاربة هي الجواب على السؤال الذّي طرحه في بدء بحث الصيغة بقوله [والآن نريد أن نعرف الصيغة التي تؤدّي بها الصّلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم…]

حق لأيّ قارئ أن يتوقّع أن تكون هذه الصيغ أو إحداها هي الصيغة المطلوبة، وأنّها بالتالي يجب أن تلتزم ولكن الكاتب بدلا من إلتزامها أو إلتزام إحداه تراه إلتزم صيغة لم ترد في أي حديث نبويّ وهي صيغة   [صلّى الله عليه وآله وسلّم] فكرّرها في العديد من المواطن في مقاله، فهل صحيح أن صيغة [صلى الله عليه وآله وسلّم] أجزأت عن الصيغ الواردة وأنّها في معناها؟ فإن كان إسقاط إبراهيم وإسقاط آل إبراهيم لا يخلّ بالمعنى، فإنّنا بتفعيل قاعدته هذه يصح لنا في التشهّد أن نقول مثلا: [السّلام عليك أيّها النبي] ونحذف ورحمة الله وبركاته كما حذف هو من صيغة الصلاة إبراهيم وآل إبراهيم مدّعيا أن ذلك في معناها!! ما هكذا يتعامل بالنّصوص، وما هكذا تبتدع القواعد!!.

ج- إنّه يصح الاعتماد على قاعدة الإجزاء بالمعنى بشرطين: أحدهما أن يتضمّن اللفظ الجديد جميع المعاني الواردة في الصيغة الواردة، وثانيهم أن يكون ذلك في غير العبادات،أمّ في العبادات فيجب الإلتزام باللفظ لأنّ العبادات توقيفيّة، فلو أنّنا أخذن بقاعدة الإجزاء بالمعنى في عبادة الصّلاة مثلا لأجزنا أن نقول في الصّلاة عند الركوع: [إنّ الله كبير] أو [إنّ الله أكبر من سواه] أو [إنّ الله هو الأكبر] بدلا من [الله أكبر] ولأجزنا أن نقدّم جمل التشهّد ونؤخرّ، فنبدأ التشهّد بالسّلام على الرّسول ثم التحيات ثم بذكر الشهادتين، ولأجزنا أن نقول في الرّكوع: [ربّي عظيم سبحانه] وفي السجود [ربّي أعلى سبحانه] لأنّ كلّ هذه الصيغ هي في معنى الصيغ الواردة، فهل يأخذ هذه القاعدة في الصّلاة [الاجزاء بالمعنى] يبقى لصلاتنا لون وصفة؟! بل هل تبقى صلاتنا صحيحة ومقبولة؟ لا تفتح يا أخي الكاتب هذا الباب، فإنّه مدخل للشيطان. إنّك تستطيع القول بهذه القاعدة في غير العبادات، أمّا في العبادات فلا، والصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة فوجب على من اعتمد صيغة مأثورة أن يقتصر عليها لا أن يأتي بمعناها، أو أن يأتي بقسم منها ويهمل القسم  الآخر.

د – يقول الكاتب [إنّنا نرى ذكر النبيّ وذكر آله وذكر إبراهيم في كلّ هذه الروايات، والرواية الوحيدة التّي علّمهم فيها كيفيّة الصّلاة عليه دون أن يذكر إبراهيم هي: (قولوا اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد) وقال [والصيغ الكاملة هي التّي ورد فيها ذكره وذكر آله وذكر إبراهيم وآل إبراهيم، أو الصيغ التّي ورد فيها ذكره وذكر آله].

والردّ عليه من وجوه:

1-عندما تتعدّد الروايات في الموضوع الواحد فيجب أن نأخذ بالرواية الصحيحة منها أو الرواية الأصحّ وندع ما سواها، إلاّ أن تكون هذه الروايات كلّها في مستوى واحد من الصحّة والصلاح للاستدلال، فنقول بالتخيير بينها. فإمّا هذه وإمّا تلك، وهذا ما لم يلتزم به الكاتب، فلا هو نظر في الرّوايات فأخذ بأقواها إسنادا وأصحّها رواية وترك ما سواها، ولا هو قال بالتخيير بينها وأنّ كلاّ منها صحيح ومجزئ، وإنّما رأيناه قد أصدر أحكامه على غير قاعدة معتبرة فلو أنّه أخذ بالقاعدة الأولى لوجب عليه مثلا أن يأخذ بصيغة حديث كعب بن عجرة باعتباره أصحّ إسنادا من سواه ويدع ما ورد في غيره، ولو أنّه أخذ بقاعدة التخيير لوجب عليه أن يقول إنّ كل الصيغ مجزئة، وإنّ المسلم بالخيار بينها، وحيث أنّنا قد أوردنا صيغتين أورد هو إحداهما بدون ذكر الآل في الصّلاة عليه  فإنّه يجب القول بأنّ صيغة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الآل مجزئة، وأنّها بالتالي غير ناقصة، ولكن عفا الله عنه لم يفعل ذلك.

2- إنّك يا أخي الكاتب نظرت في الأحاديث والصيغ الواردة فوجدت حديثا إقتصر على ذكر الآل فحسب دون ذكر إبراهيم فأخذت به، أي إنّك أخذت بأقصر صيغة واردة في النّصوص دو نظر في قوّة إسنادها وصحة وروايتها، فاكتفيت بقولك صلى الله عليه وآله وسلّم وحذفت إبراهيم وآل إبراهيم رغم وجودهما في أقوى الروايات وأصحّها، فإن كان ذلك  كذلك منك فما قولك في الحديث الذّي لم يذكر الآل واقتصر على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما أوردناه قبل قليل (اللهم صلّ على محمد عبد ورسولك كما صلّيت على آل إبراهيم) وهو حديث صحيح؟ إنّك عن طبّقت على هذا الحديث قاعدتك توجب عليك أن تقول صلى الله عليه وسلم وبارك، فتحذف الآل لكنّه لا وجو في الحديث عند الصلاة للآل، فما قولك في هذا؟ وهل لازلت آخذا بأقصر الصيغ؟

3- بل إنّه قد وردت أحاديث تضمّ،ت صيغا أقصر ممّا سبق قد خلت من التسليم والتبريك ومن ذكر إبراهيم وآل إبراهيم فقد روى النسائي عن موسى بن طلحة قال سألت زيد بن خارجة قال    (أنا سألت رسول اللهصلى الله عليه وسلم فقال صلّوا عليّ واجتهدوا في الدّعاء وقولوا اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد) وروى أبو داود عن عقبة بن عمرو قال: أي الرسول صلى الله عليه وسلم: “قولوا اللهم صلى على محمّد النبيّ الأمي وعلى آل محمّد”. فيصبح آخذا بهذين الحديثين حسب قاعدتك أن تقول [صلى الله على محمدّ وآله] ولا تكون هذه الصيغة ناقصة لأنها واردة في الأحاديث، بل يصحّ القول [صلى الله على محمّد] فقط بحذف آله تقليد لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فقد روى البخاري عن عبد الله مولى أسماء بن أب بكر حدثه “أنّه كان يسمع أسماء تقول كلّما مرّت بالحجون: صلّى الله على محمّد، لقد نزلنا معه ههنا ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا قليلة أزوادنا فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير…”.

 لقد أحسن الشوكاني بقوله في تفسيره [وأمّا صفة الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما منها ماهو مقيّد بصفة الصّلاة عليه في الصلاة ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها، والذي يحصل به الإمتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل: اللهم صلّ وسلم على رسولك، أو على محمّد، أو على النبيّ، أو اللهم صلّ على محمّد وسلم. ومن أراد أن يصلّى عليه ويسلم عليه بصفة من الصفات التّي ورد التعليم بها والإرشاد فذلك أكمل]. وإذا فالإمتثال يحصل حسب رأي الشوكاني بالقول [صلى الله عليه وسلم] وهو مطلوب قوله تعالى (إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ، يا أيّها الذّين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما)

4- إنّ من أراد الإتيان بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلتزم بأيّة صيغة واردة في الأحاديث الصحيحة أو الحسنة ولا يتعدّاها إلى سواها، ولا يذكر معناها فقط، لأنّها عبادة لأنّها صلاة، وهي توقيفيّة، والأولى الإقتصار في الأخذ على إحدى هاتين الصيغتين لأنّهما مما إتفق عليهما البخاري ومسلم، فقد إتّفقا على هاتين الصيغتين:

الأولى: اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

الثانية: اللهم صلّ على محمّد وأزواجه وذريّته كما صليّت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذريّته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

  أمّا من أراد الصّلاة على الرّسول صلى الله عليه وسلم في غير الصّلاة فالأمر موسع ويكفي فيها [صلى الله عليه وسلم] إمتثالا للأمر الوارد في الآية الكريمة.

  إنّ الخطأ الذي وقع فيه الكاتب أنّه أطلق الصيغ الواردة في الصّلاة فلم يقيّدها فيها، فنادى بالالتزام بهذه الصيغ المشروعة في الصّلاة وفي خارج الصّلاة، فينبغي على المسلمين أن يفرّقوا بين ما جاء من صيغ تلتزم في الصّلاة وبين ما سواها مما هو موسع على النّاس، فيقولون صلى الله عليه وسلّم أو عليه الصلاة والسلام أو صلى الله عليك وسلّم يا رسول الله، أو صلى الله عليه وآله وسلّم أو صلى الله عليه وآله وسلّم وبراك، دون أن ننعت أيّا منها بالنقص أو عدم الكمال أو عدم الإجزاء.

3- نصل إلى البند الأخير ممّا يستوجب الرد والتعقيب:

أوّلا: أما قوله (المشكلة الآن تكمن في التقليد الأعمى الذي يسوق المقلّد إلى ترك قول النبيّ عليه وآله الصلاة والسّلام ليتّبع النّاس [حتّى لو كانوا أئمّة وعلماء] دون دليل).

فالردّ عليه من وجوه:

1-إنّه لا توجد مشكلة أصلا في موضوع الصلاة والسّلام على الرسول صلى الله عليه وسلم فمن صلى وسلم عليه وفقد امتثل، ومن زاد الآل فقد امتثل، ومن زاد الأزواج والذريّة فقد امتثل، فأين المشكلة ما دام الكلّ مصيب ومثاب إن شاء الله؟

2-قوله (التقليد الأعمى ) يشعر بأنّ هناك تقليدا أعمى وتقليدا غير أعمى، والصحيح أنّه لايوجد سوى تقليد واحد فحسب، وهو إتّباع الشخص الأميّ أو غير المؤهّل لفهم النصوص اواستحضارها لحكم شرعي استنبطه عالم بالشريعة قادر على الإجتهاد، فهذا هو التقليد، وما سواه فليس بتقليد، فمن قرأ الحكم الشرعي الذّي استنبطه عالم مجتهد ووقف على دليله وفهم هذا الدليل فهو في هذه الحالة متبّع وليس مقلّدا، أمّا المقلّد فهو من أخذ الحكم دون دليل، أو سمع بالدليل فلم يفهمه ولم يتبيّن وجه الإستدلال به، وإذن فإنّ التقليد تقيد فحسب دون أيّ إضافة.

3- كما قلنا إنّ المقلّد غير مؤهل لإستحضار النّصوص وفهمها، فمثل هذا المقلّد لا يتصوّر فيه أن يترك قول النبي صلى الله عليه وسلم ليتّبع النّاس، لأنّه في الأصل لم يستحضر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ويتّبع النّاس؟ وكيف يقال إنّه يفعل ذلك دون دليل؟ فمثل هذا الشخص لا يذّم بترك الدّليل، ولايذّم بترك الدّليل إلا المتبّع الذّي يستطيع أخذ الدليل ويستطيع استحضار الأدّلة وفهمها ثم لا يفعل ذلك.

ثانيا: وأمّ ا قوله بعد ذلك (في فترة من الزّمن ماضية عملت الفتنة بين الملمين وجعلت بعضهم يقتل أو يشتم بعضا إنتهت تكل الفترة ولكن بعض آثارها مازال كامنا في العقول والقلوب ) فهو إشاره واضحة إلى انقسام المسلمين إلى سنّة وشيعة، وما صحب ذلك من إقتتال وإتهامات بالضّلال والفسوق… الخ

  فهل يصحّ إتّهام المسلمين الذّين يقتصرون على صيغة (صلى الله عليه وسلّم ) ومنهم الأئمّة الأربعة وسائر الأئمة الآخرون، وجميع كتّاب أحاديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم  كالبخاري ومسلم وأبي داود وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك والدراقطني والبيهقي وعبد الرزّاق وابن شيبة والدرامي والطحاوي والبزّار وكثيرين غيرهم باستثناء الحاكم النيسابوري صاحب كتاب المستدرك الذّي التزم بصيغة (صلى الله عليه وآله وسلّم) – في كتابه كله – بأنّهم متمسّكون بالصيغة الناقصة متأثّرون بالفتنة بين الشيعة والسنّة؟ أي إتّهام هذا، وأيّ شطط في الإتّهام هذا الشطط؟ وأيّ إثارة للبغضاء هذه؟ وأين الإتّزان والإعتدال في إصدار الأحكام؟

  إنّ معظم أحاديث الرّسول صلى الله عليه وسلم قد رواها المسلمون عن صحابته رضوان الله عليهم، وكان روّاة الأحاديث ينقلون عن الصحّابة ما يتلفّظن به تماما، وقد روت كتب الحديث ما كان الصحابة يتلفّظون به من الأحاديث النبويّة، وكان جميع الصحّابة كما نقلت كتب الحديث عند بدء التلفّظ بالرّواية يقولون مثلا: قال صلى الله عليه وسلم أو ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم ممّا يدلّ على أنّ الصحابة يجمعون على أنّ صيغة صلى الله عليه وسلم تكفي وإلاّ لم تمسّكوا به، فرواة الأحاديث عندما كانوا ينقلون مرويّات الصحابة كانوا يكتبون أو ينقلون شفاها ما يسمعونه منهم تماما، فلو أنّهم كانوا يسمعون الصحابة يقولون صلى الله عليه وآله وسلّم مثلا لما جاز للرّواة أن يحذفوا كلمة آله من كلام الصحّابة تأثّرا بدعوى الفتنة بين الشيعة والسنّة. إنّه اتهام ظالم يطال جميع المسلمين من صحابة وتابعين إلاّ من تمسّك بلفظة الآل فقد نجا من هذا الإتهام؟!

 إنّ الفقه الإسلامي طافح بل قائم على الإختلافات في الأحكام، فإذا جاء فقيه فقال إنّه ينبغي ذكر الآل في صيغة الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبل به فقهاء آخرون وبقوا على الصّيغة من دون الآل فهل كان يحقّ له في هذه الحالة أن يعزو ذلك إلى آثار الفتنة بين السنّة والشيعة؟ وهل يملك أحد من المسلمين إجبار النّاس على الأخذ باجتهاده وإلاّ رماهم بتهم ظالمة مثل الوقوع في الفتنة، اللهم إنّ هذا كثير لا ترضى به، وإنّي أضرب صفحا عن كثير ممّا كتبه غير هذا وفي هذا كفاية وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *