العدد 110 - السنة العاشرة – ربيع الأول 1417هـ – تموز وآب 1996م

مع الصحافة: دير شبيغل عدد 29 – 15/7/96 بعد ذلك يشتعل الشرق الأوسط

مع الصحافة:

دير شبيغل عدد 29 – 15/7/96

بعد ذلك يشتعل الشرق الأوسط

 

الأديب والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: عن حكومة إسرائيل وفشل زعيم منظّمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات.

شبيغل: السيّد بروفيسور سعيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتنياهو أعلن في بيان حكومته عن العمل عن عزمها على توسيع برنامج الإستيطان في المناطق المحتلة والتمسّك بقدس موحّدة “غير مقسّمة” كعاصمة لإسرائيل ورفض دولة للفلسطينيين. كيف سيكون رد فعل الفلسطينيين؟

سعيد: إذا استطاع ذلك، فمن الممكن أن يؤدي على انتفاضة شعبيّة جديدة، وهذه المرّة سوف لا تقتصر على قذف المحتل بالحجارة. عند ذلك يستعل الشرق الأوسط بكامله. لكنّنا نحن الفلسطينيين يجب أن نعترف بأنّنا مشاركون في ذنب هذا التطوّر الخطير.

شبيغل: لماذا؟ وكيف كان بالإمكان منع اليمينين في إسرائيل من الفوز في الإنتخابات؟

سعيد: ليس هذا المقصود، بالطبع الأمر مع بيريز أسهل وألطف منه مع نتنياهو، مقابل ذلك نتنياهو ومن معه من المتشدّدين الواحد يعرف على الأقل موقفهم. المشكلة (العقدة) غير ذلك. القيادة الفلسطينية سمحت لنفسها أن تسحب إلى الطاولة من قبل الإسرائيليين، والآن يجب علينا أن نغسل ذلك بالإضافة على ذلك فقد تطور عرفات وتغيّر حتّى أصبح دكتاتورا، يقود حكومة فاسدة خالية من الكفاءات في غزّة.

 شبيغل: حكمك هذا متطرّف جدّا. دعنا نبقى في اتفاق أوسلو  الذّي تضعه أنت دائما بين قوسين في كتاباتك.

سعيد: لأنّه لا يستحقّ اسم إتفاقيّة السلام، لأنّه لا يساوي الهزيمة والخسارة. عندما قرأت الإتفاقيّة لأوّل مرّة، لم أستطع أن أصدّق بأنّ قيادة فلسطينيّة قد وقعت على ذلك. هذا سلام أمريكي لحماية مصالح إسرائيل الإستراتيجيّة، حتى أنّ الدولة الفلسطينية كهدف لم تذكر، ولا حقّ تقرير المصير.

شبيغل: لكن اتّفاق أوسلو عام 1993، ثمّ اتفاق أوسلو عام 1995 تم الترحيب به عالميّا كحلّ وسط. لقد جلب للفلسطينيين حكما ذاتيّا في قطاع غزّة ومنطقة أريحا وأجزاء من الضفّة الغربيّة.

سعيد: لقد رفضت دعوة الرئيس كلينتون الشخصيّة لي لحضور حفل التوقيع في حديقة البيت الأبيض، فحلّ وسط يعني أن يتنازل الجانبان عن شيء، لكن اليهود لم يتنازلوا عن شيء، فماذا يمكنهم أن يفعلوا في منطقة كغزّة، حتّى أن رئيس الوزراء رابين وصفها بأنّها بؤرة المشاكل أو البؤرة الوسخة، أو في مدن الضفّة الغربيّة كنابلس وجنين.

شبيغل: لكن الكثيرين من الإسرائيليين يرون هذا خلاف ذلك. فبالنسبة للذّين انتخبوا نتنياهو أو لقائل رئيس الوزراء رابين فإنّ حزب العمل في استعداده الحلّ الوسط قد ابتعد كثيرا.

سعيد: إقرأوا نصّ الاتفاقية، فإن عرفات في خطاباته عن القدس كعاصمة للدولة الفلسطينيّة المستقلّة هو عبارة عن ذر الرّماد في العيون. الإسرائيليون لا يسمحون بوجود أي شكّ بأنّ القدس ستبقى غير مقسّمة وتحت سلطتهم. الإتفاقيّة لا تحوي أن الإسرائليين يجب أن يوقفوا السياسة الإستيطانية العدائيّة.

موضوع القدس والمستوطنات سيطرح الآن بعد مايو/ أيار 1996 في مباحثات المرحلة الأخيرة. كان يجب أن يكون ذلك في البداية. الإسرائيليون قاموا فقط بإعادة الإنتشار لقواتهم وانسحبوا جزئيّا من مراكز  المدن حيث كانت تشكل بالنسبة إليهم على كلّ الأحوال مصدر إزعاج.

   السيطرة على الضفّة الغربيّة لم يتنازلوا عنها، وقاموا بحفر طرق جديدة لوصل مستوطناتهم ببعضها استطاعوا من خلالها تقسيم المناطق وتفتيتها عن بعضها. وبناء على ذلك فإنّ نتنياهو لا ينتهك ما تم الإتّفاق عليه عند استمراره في سياسية العدائيّة.

شبيغل: لكن ماذا تنتظرون ؟

سعيد: الإسرائيليون يتحدّثون بكلّ صراحة عن ذلك، فهم يريدون أن يقوموا بعمليّات داخل مناطق الحكم الذّاتي عندما تدعو الضرورة لذلك – على سبيل المثال لملاحقة إرهابيين حقيقيين أو وهميين-.

شبيغل: ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل فلسطين؟

سعيد: فلسطين الآن تشبه الموطن الذّي أعطته جنوب إفريقيا للسود أيام التفرقة العنصريّة.

 نحن الآن لنا السلطة في تنظيف القمامة ووظائف أخرى في إدارة البلديّات لعدد من المدن والقرى وهي واقعه داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية، وهذا كل شيء. شبكة الطرق والمواصلات بين المستوطنات الإسرائيلية والقواعد الإضافية الجديدة للجيش تجعل الأمر بالنسبة إلينا مستحيلا بأن تقوم بحكم منطقة أو وحدة متماسكة مع بعضها. وهذا أيضا ما يجري التخطيط له للمستقبل. فالإسرائيليون لا يريدون الدخول إلى مناطق الفلسطينيين (تشبيها بمناطق البانتو السود في جنوب أفريقيا)، يريدون السيطرة على المخارج والمعابر (تذكّروا سوويتو في جنوب أفريقيا) أيام التفرقة العنصرية – هناك لم تكن ترى شخص أبيض اللون، أما حول سوويتو فكانت هناك المراقبة والسيطرة للبيض وكان بإستطاعتهم الدخول إليها والقيام بأعمال عسكرية في أي وقت.

شبيغل: وكأنّك تجعل (أو تعد) الحكم الذّاتي الفلسطيني كوظيفة بحد ذاتها، ألا تكون هذه البذرة (أو البداية) للدولة الفلسطينية؟

سعيد: الأمر يسير على شكل تعاون بين الجيش الإسرائيلي والشرطة الفلسطينيّة، وهذا ما يزيد الإحتلال ولايؤدّي بأي شكل من الأشكال إلى بناء حقيقي لما هو دولة بالنسبة إلينا. سلطة الحكم الذّاتي الفلسطينيّة تصبح مطيّة بيد الإحتلال وعرفات دمية وعميلا لهم.

شبيغل: لقد وصفته بالدكتاتور الصغير الرديء، كيف تقول ذلك عن رجل تم انتخابه رئيسا من قبل الغالبيّة الكبيرة من شعبك؟

سعيد: إنّ هناك في كل مكان من العالم ما يسمّى بالإنتخابات الديمقراطيّة، ولكن عندما تنظر على ما خلف الكواليس لا يبقى شيء من هذه الديمقراطية. عرفات قام بتهديد جميع منافسيه من المرشّحين وتخويفهم، وقام بتوجيه الصحافة وتسخيرها لصالحه، وكذلك سمعنا عن تزييف في أوراق الإقتراع، وهو يعرف كيف يشتري النّاس، وهن بمثابة الزعيم الأكبر للقبيلة (أو العصابة) الذّي باستطاعته أن يبقى على السلطة فقط لأنّه يوزع الوظائف والمعاشات، ولأنّه راش ومرتش.

شبيغل: هل تستطيع أن تثبت ذلك؟

سعيد: أنا عائد الآن من غزّة والضفّة الغربيّة، الوضع هناك يدعو إلى اليأس، حتّى تنظيف القمامة لاتسير بشكل سليم، الإضاءة تنطفيء بشكل مستمر، مستوى المعيشة انخفض، المقولة المستمرّة من جعل غزّة سنغافورة الجديدة كلام مستحيل وغير معقول. أنا لم ألتق مع فلسطيني واحد يمكن أن يكون مرتاحا وسعيدا من وضع القيادة، من تركيبة عرفات المكوّنة من النزعة الدكتاتوريّة وجنون العظمة.

شبيغل: هذا لا يعتبر إثبات (دليلا) على الرشوة والفساد .

سعيد: عرفات يحتكر ويستأثر بالبترول والإسمنت والدخان والعديد من مواد البناء في مناطق الحكم الذّاتي، أنا أعرف هذا من وزير إعلامه ياسر عبد ربّه. في الوقت الذّي تسوء فيه الأوضاع فإن الرئيس لا يفعل شيئا، موسوليني عمل على الأقلّ بأن تسافر القطارات في مواعيدها، الوزير عبد ربّه حدّثني كذلك بأنّ لعرفات يوميا موعدين ثابتين: أحدها مع رجال أمنه الشخصيّ والثاني مع خمسة محررين لأهم الصحف الفلسطينيّة حيث يملي عليهم عناوين الصحف في صباح اليوم التالي، وإذا لم يطع أحد الصحفيين ذلك فإنّه يتم طرده من عمله. ومن يشر إلى انتهاكات عرفات لحقوق الإنسان، مثل الطبيب النفسي إيّاد السراج، يتمّ احتجازه.

شبيغل: أنت تحتجّ على تصرّفات عرفات غير الديمقراطية، هل سبق وكان عرفات ديمقراطيّا؟ هل سبق وأن تغيّر من منصبه؟

سعيد: لقد كنت واهما.

شبيغل: لقد كنت تحمل كذلك مرّة بإمكانية أن تكون نائبا له وأن تحلّ محلّه.

سعيد: لا، لا لم يكن عندي مثل هذه المطامع. لقد أصبحت مشبوها ومريبا بالنسبة إلى عرفات، لأنّني لم أرد أيّ منصب ولم أقبل الأموال.

شبيغل: قبل وقت قصير سمح عرفات من خلال إذاعته بأن تسمّى خائنا، وقال خلال مقابلة في تعليق له بأنّ كتابك الجديد غير صحيح وغير واقعيّ، لماذا تكرهون أنتم بعضكم؟

سعيد: أنا لا أكرهه، إنّه مخلوق مأساويّ، لكن طبعا هناك بعد شخصيّ في خلافنا.

شبيغل: حدثنا عن ذلك.

سعيد: لقد كنّا قريبين من بعضنا في أواخر السبعينات، لقد كان عرفات يبدوا بالنسبة إلى تجسيما لكفاح الشعب الفلسطينيّ، لقد قمت في الولايات المتحدّة الأمريكية عام 1979 بصفتي عضوا في المجلس الوطني الفلسطينيّ في المنفى، بإجراء اتصالات بين وزير الخارجيّة آنذاك سايروس فانس ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة. في عام 1982 عندما خرج عرفات ورجاله من بيروت وذهبوا على تونس، بدأت نقاط ضعفه تظهر وتتبلور أكثر فأكثر. لم يستطع أن يخفي تسلّطه، ضرب الأصدقاء ببعضهم، لم يكن يملك القدرة على تغيير رأيه، وقد سار عرفات في رحلة أنانيّة طويلة، وبذلك أصبح في وقت ما مفيدا حتّى للإسرائيليين، أراد أن يكون دائما في مركز الصدارة وأن يوقع صفقة غير نظيفة مهما كان الثمن.

شبيغل: لكن المخابرات الإسرائيلية لاحقت عرفات تريد حياته.

سعيد: هذا ممكن في السّابق، ولكن في تونس قام الإسرائيليون بحمايته، وقتلوا من حوله من الذين يمكن أن يشكّلوا خطرا عليهم كقائد الجناح العسكريّ في المنظّمة أبو جهاد. ثمّ ارتكب عرفات الخطأ الفادح بالوقوف إلى جانب صدّام حسين في احتلال الكويت، وللخروج من هذه العزلة قام بتوقيع اتفاقية أوسلو.

شبيغل: عندما وقع تمّ اتهام عرفات بإبعادك عن المفاوضات، أجاب عرفات أنّك تعيش في أمريكا ولا يوجد لك أيّ صلة أو علاقة بالكفاح في الأراضي المحتلّة وبما يعانيه النّاس هناك.

سعيد: لا أدري ما المقصود من هذا الإتهاّم لي، ولا أريد أن أضع نفسي في هذا المستوى. لكن عرفات بسيّاراته الفخمة وطائراته الخاصّة وقصوره في تونس كان أبعد منّي عن الإنتفاضة. شباب الإنتفاضة في غزّة لم يعودوا يسمعون لكلام عرفات، هكذا كان وهذه مشكلته.

شبيغل: هناك بعض الشباب المقاتلين من ذلك الوقت انضمّوا إلى حركة حماس، هل يعتبر الأصوليون الإسلاميّون بالنسبة إليهم رجال المقاومة الشرعيين؟.

سعيد: أنا كنت دائما ضد الإرهاب ضد المدنيين، شيء كهذا يجب أن لايكون. وأنا لا أستطيع أن أتصوّر دولة إسلامية فلسطينية وإنما فقط ديمقراطية. ولكن بغضّ النظر، يجب أن نعترف أن هناك مقاومة متبلورة عند حماس، إنّهم يعملون شيئا. يوجد لهم مؤسسات اجتماعيّة، يساعدون المدارس والمستشفيات والعجزة. النّاس في غزّة والضفّة الغربيّة يقارنون بين حماس وسلطة عرفات للحكم الذّاتي التيّ لم تفعل شيئا. عندما يسافر المرء بالطريق البريّة إلى غزّة، يشعر عندئذ كأنّه قادم مباشرة من كاليفورنيا إلى ينغلاديش.

شبيغل: أليس السبب في ذلك هو ضعف المساعدة الخارجيّة لفلسطين؟

سعيد: لا يوجد شيء الآن نستطيع أن نضعه في وجه القوّة الإسرائيلية الكبيرة، الأمريكان يتطابقون معهم وتتجاوب رغباتهم معهم، لأنّ الإسرائيليين يفهمون بذكاء كيف يتعاملون معهم ويقنعونهم: نحن تماما مثلكم، عندنا قيم مشتركة، نحن نحب سلاح الجوّ القويّ والهامبورجر والكوكاكولا.

وبيل كلينتون يعتبر أكثر الرؤساء الأمريكان صهيونيّة حتّى الآن.

شبيغل: كيف تستطيع تفسير أن العرب لم يستطيعوا أن يكسبوا تأييدا في الغرب مقارنة مع الإسرائيليين؟

سعيد: إنّ من الصعب إيجاد حركة بدون وجود سياسة عربيّة موحّدة، وهي حتّى الآن غير موجودة. من الممكن أن يستطيع أناس متشددون مثل نتنياهوا وشارون توحيد العرب، أمّا أنا فلست متفائلا.

بعد الحرب العالميّة الثانية كان هناك طبعا تعاطف كبير مع اليهود الملاحقين. لقد اعتبارات الصحافة أنّ الإسرائيليين مرادفون لليهود الناجين من الهولوكوست ( محارق عند النازيين) وتمّ كذلك تصويرهم بأنّهم شعب متطور متعلّم، بينما نحن العرب تمّ تصويرنا بأنّنا متأخّرون غير متحضّرين.

شبيغل: عدم الثقة الموجودة عند الغرب ضد العالم العربيّ لها صلة كبيرة اليوم بالخوف من إسلام عدائيّ ولاتستطيع أن تنكر أن الإسلاميين الإرهابيين يشكّلون خطرا حقيقيّا؟

سعيد: أنا أدين هذا الإرهاب، لكن منذ نهاية الحرب الباردة هناك اتجاه في الغرب بجعل الإسلام عدوّا رسميّا يحل محلّ الشيوعيّة، هناك سياسيون وأكاديميّون كبار يصوّرون بخبث وسخريّة لاذعة الإسلام بأنّه ضدّ السّلام وضد المصالح الغربيّ دائما. ويسكتون في هذا التصوير الشرّير عن أنّه يوجد كذلك أصولية يهوديّة ومسيحيّة أو بوذيّة خطيرة ومهدّدة. إنّهم يستعملون القياس الشمولي وهذا خطأ فادح، وتجنّ وعدم إنصاف.

شبيغل: حسب رأيك، لماذا يتمّ تضخيم موضوع الأصوليّة الإسلاميّة.

سعيد: هذا شكل من أشكال التحضير لطرد الأرواح الشرّيرة، الغرب يرمي الإسلام بكل ما هو سيّء وشرّ، وذلك حتّى يبعد الأنظار عن التطرّف داخل المجتمع الغربيّ نفسه، وبذلك تنخفض نسبة تفهم مشاكل العالم العربيّ، حيث أن الأصوليّة فيه غالبا ما تكون تيّارا معاكسا أو ردّة فعل على الفقر وفقدان الأمل ، ويتمّ توزيع التّهم بدون السؤال عن أسباب الإرهاب، وبهذا يبقى الإسرائيليون محافظين على احتلالهم للأراضي العربيّة.

شبيغل: حسب تصوّركم، كيف ستتطوّر الأمور في مناطق الحكم الذّاتي الفلسطينيّة في السنوات المقبلة.

سعيد: الفلسطينيّون تنازلوا تقريبا عن جميع وسائل الضغط، الإسرائيليون في المفاوضات القادمة سوف لا يجدون هناك داعيا للتنازل عن شيء. حتّى رئيس الوزراء نتنياهو سوف لا يكون عنده مانع أن يسمّى عرفات نفسه رئيسا في منطقته الصغيرة منطقة الحكم الذّاتي، و يتعاون مع إسرائيل.

 في غزّة والضفّة الغربيّة سوف لا يكون هناك ديمقراطيّة، وإنّما دكتاتور بدو حريّة صحافة وتضييق كبير على حقوق المواطنين.

شبيغل: هل تستطيع وهل تريد أن تفعل شيئا ضدّ ذلك؟

سعيد: نعم، سأسافر إلى مؤتمر المغتربين الفلسطينيين والذّي سوف نقوم بالإعداد له قريبا، حيث يبدو أن عرفات قد نسي ثلاثة ملايين ونصف المليون من أبناء بلدي والذّين يعيشون خارج مناطق الحكم الذّاتي ولم يدخلهم أبدا في المفاوضات.

شبيغل: هل ستؤيّد قيام انتفاضة جديدة؟

سعيد: نحن بحاجة إلى ديمقراطيّة فلسطينيّة داخليّة أكثر إلى تقرير مصير حقيقي، وبحاجة إلى بديل لإتفاقيّات أوسلو، والضغط الداخليّ على عرفات مهم. كذلك يجب أن نوضح للإسرائيليين أنّنا لا نقدر دائما أن نرى كل شيء إيجابيّا، ونحن نأمل بمساعدة أوروبا في ذلك.

شبيغل: أوروبا سوف تحترز، ما الذّي يجعلك متشائما؟

سعيد: لقد تدخّلت فرنسا في الأزمة اللبنانيّة قبل بضعة أشهر، ولعبت دور الوساطة. أوروبا تستطيع على المدى الطويل أن تشكّل في الشرق الوسط الوزن المقابل للأمريكيين المنحازين لإسرائيل.

شبيغل: هل توجد اتّصالات خارج الحدود بين الفلسطينيين واليهود الذّين عندهم استعداد للحلّ الوسط؟ وهل تأملون بحركة السّلام الإسرائيليّة؟

سعيد: هي الآن هادئة، لكنّه يوجد فيها أناس جيّدون سوف يعاودون رفع أصواتهم، ويرون أنّه يجب على دولة إسرائيل أن تتفاوض مع جيرانها العرب، ويقلون بضرورة معاملتنا بالمثل لأجل الوصول إلى سلام حقيقيّ. بعد ذلك نستطيع أن نعيش مع بعضنا في الشرق الأوسط.

شبيغل: السيد بروفيسور سعيد، نشكرك على هذه المقابلة.

مؤتمر بلاد الشّام في العهد العثمانيّ

البروفيسور توماس فيليب هو رئيس قسم العلوم السياسيّة في معهد دراسات الشرق الأوسط الحديث بجامع أرلانجن – نورنبرغ بألمانيا، هو الوحيد الآن في الجامعات الألمانيّة الذّي يهتّم بالدّراسات الإقتصاديّة والسياسيّة الحديثة في الشرق الأوسط.

هذه السنة نظم المعهد المؤتمر الثاني لبلاد الشام في العهد العثماني وذلك في مدينة أرلانجن الجامعيّة.

يقول الأستاذ فيليب إنّ المرحلة الأخيرة من العهد العثمانيّ كانت بلا شكّ قاسية، وبقي هذا الإنطباع في الذاكرة العربيّة. لكن هذا لا يمنعنا من أن نرى أنه على الرّغم من تعاون بعض العرب مع الفرنسيين والإنكليز إلاّ أنّ هذا الشعور العربيّ العام كان مع العثمانيين. فالسلطان العثماني كان رمزا للمسلمين، بغض النّظر عن قوميّاتهم.

صحيح أنّه عندما بدأت النزعة الطورانية قابلتها القوميّة العربيّة، ولكنّ الكثيرين نسوا أنّ سوريا ولبنان وفلسطين كانت بلدانا من صميم الدولة الإسلامية.

 إنّ المقارنة بين الوجود الفرنسي في الجزائر وبين الوجود العثماني في بلاد الشّام هي مقارنة خاطئة في رأي الأستاذ فيليب. فوجود فرنسا في الجزائر هو احتلال واضح. حضارة غربيّة مفروضة بالقوّة برغم أنّها غريبة على أهل البلاد. أمّا في بلاد الشّام فالوجود العثمانيّ كان في إطار دولة إسلاميّة.

ليس أهل سوريا هم الذّين قاتلوا العثمانيين بل المماليك هم الذّين فعلوا ذلك. في هذه الدّولة العثمانيّة كانت هناك وحدة متمثّلة بالإسلام الذّي كان السلطان يدافع عنه ويحميه. من هنا كانت القاهرة ودمشق والحجاز أقطارا في غاية الأهميّة بالنسبة للدّولة. وتأمين طريق الحجّ كان في رأس اهتماماتها. ربّما كان النّاس ينظرون إلى هذا السلطان على أنّه جيّد وإلى ذلك على أنّه سيّء إلاّ أنّهم لم يكونوا ضدّ مركز السلطان وما يمثل. وكان هناك فكرة شائعة: لغات مختلفة ودين واحد. [من تحقيق الدكتور هاشم الأيّوبي نقلا عن جريدة السّفير البيروتية الصادرة بتاريخ 27/11/1995].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *