العدد 111 - السنة العاشرة – ربيع الآخر 1417هـ – أيلول 1996م

مع التاريخ درس في السياسة الخارجيّة من تاريخ المسلمين

مع التاريخ

درس في السياسة الخارجيّة من تاريخ المسلمين

بقلم: الدكتور مصطفى توفيق

السياسة هي رعاية شؤون الأمّة داخليّا وخارجيّا، وتكون من قبل الدولة والأمّة، فالدّولة هي التّي تباشر هذه الرعاية عمليّا والأمّة هي التّي تحاسب بها الدولة. والسياسة الخارجية هي علاقة الدولة بغيرها من الدول والشعوب والأمم، وهذه العلاقة هي رعاية شؤون الأمّة خارجيّا. وتقوم سياسة الدّولة الإسلاميّة الخارجيّة على فكرة ثابتة لا تتغيّر، وهذه الفكرة الثابتة هي نشر الإسلام في العالم في كلّ أمّة وكلّ شعب، وهذا هو الأساس الذّي تقوم عليه السياسة الخارجيّة للدولة الإسلامية.

وفهم السياسة الخارجيّة أمر جوهري لحفظ كيان الدّولة والأمّة، وأمر أساسي للتمكّن من حمل الدّعوة الإسلاميّة إلى العالم، وعمل لا بدّ منه لتنظيم علاقة الأمّة بغيرها على وجه صحيح.

ولما كانت الأمّة الإسلامية مكلّفة بحمل الدّعوة الإسلاميّة إلى النّاس كافّة، كان لزاما على المسلمين أن يتّصلوا بالعالم اتصالا واعيا لأحواله، ومدركا لمشاكله، عالما بدوافع دوله وشعوبه، ومتّتبعا الأعمال السياسيّة التيّ تجري في العالم، ملاحظا الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها وفي كيفيّة علاقتها بعضها ببعض وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدّول. ولذلك كان لزاما على المسلمين أن يدركوا حقيقة الموقف الدّولي العالمي ليتسنّى لهم أن يتبيّنوا أسلوب العمل لإقامة دولتهم، والمحافظة على هذه الدّولة وكيان الأمّة وحمل دعوتهم إلى العالم.

 فلا بدّ أن تكون الأمّة الإسلاميّة كلّها لا سيما السياسيين مشغولة باتقاء الخطر الخارجيّ أي أن تظلّ مشغولة في السياسة الخارجيّة والسياسة الدوليّة بالمعرفة والتتبّع وإبصار مواطن الخطر.

والدّولة الإسلاميّة لا تعني أنّها الحكّام بل هي الأمّة التي تحت سلطان الخلافة فعلا، فالدولة حتى تكون دولة لا بدّ أن تقوم على فكرة تؤمن بها الأمّة وتوصلها إلى الحكم، إمّا بإنابة أحدها ليطبّق عليها هذه الأفكار كما هي الحال عند المسلمين، فإنّ الدولة الإسلاميّة تقوم على الإسلام الذّي هو مبدأ الأمّة والأمّة تنيب عنها أحد أنبائها وتبايعه على السمع والطّاعة على أن يحكم بكتاب الله وسنّة رسوله، وبذلك تكون الدّولة والأمّة شيئا واحدا.

والدول الرأسمالية قائمة على فكرة تؤمن بها الأمّة وهي فكرة فصل الدّين عن الدولة، ثمّ تختار الأمّة أفاردا لتطبيق الفكرة عليها فتستأجرهم لمدّة معيّنة من الزمن ثم تجدّد عقد الإجارة أو تفسخه.

أما الدويلات القائمة في العالم الإسلامي والعالم الثالث بشكل أوسع فإنّ أيّة دويلة منها لا ترقى لأن تسمى دولة وإنّما هي دول اسما لأنّها لا تقوم على فكرة آمنت بها الأمّة، بل إنّ هذه الدويلات أوجدها الكافر عدو الأمّة وسلّطها على رقاب النّاس،و لذلك فإنّ العلاقة بين هذه الدويلات والأمّة ليست علاقة سياسيّة قائمة على رعاية شؤون وإنّما هي علاقة عدو بعدوّه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “وشرار أئمّتكم الذّين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم إن أطعتموهم أذلّوكم وإن عصيتموهم قتلوكم”.

مع أنّ العلاقة لا بدّ أن تكون قائمة على أساس رعاية الشؤون أي علاقة سياسيّة ولذلك فإنّ الأمّة عند ذلك تحب الحاكم والحاكم يحبّ الأمّة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “وخيار أئمّتكم الذّين تحبّونهم ويحبّونكم.

وممّا يصوّر ذلك قول خالد بن الوليد رضي الله عنه حين جاءه أمر العزل وتعيين أبي عبيدة رضي الله عنه بدلا منه قال: الحمد لله الذّي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحبّ إلي من عمر، والحمد لله الذّي ولي عمر وكان أبغض إليّ من أبي بكر وألزمني حبّه. والدولة التي تطمع أن يكون لها تأثير وإن تتمتع بالنفوذ والمجد تجعل السياسة الخارجيّة أساسا من أسسها وتتخذ السياسة الخارجيّة وسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج.

وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم كيف نسير في فهم السياسة الخارجيّة لحفظ كيان الأمة والدولة ونقوم بنشر الإسلام في العالم.

فالرّسول صلى الله عليه وسلم كان يرى أنّ قريشا هي القوّة الرئيسية في جزيرة العرب وأنّها العائق أمام وصول الإسلام إلى النّاس، لأنّ قبائل العرب كانت تنظر إلى قريش ما هي فاعلة ثمّ يأتي كيان اليهود في الدرجة الثانية.

وبناء على ذلك فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد اليهود ليتفرّغ لقتال قريش، فلمّا انتصر على قريش في بدر ونقضت بنو قينقاع العهد حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من المدينة بعد أن أعزّ الله الإسلام وأهله ببدر وتسامعت قبائل العرب بما حصل في بدر فأوجد بذلك مهابة للمسلمين في نفوسهم.

وحينما هزم المسلمون في أحد ذهب اليهود يتربّصون بالمسلمين  الدوائر وقالوا: لو كان محمد نبيّا لما هزم وإنّمّا هو ملك مثل غيره من الملوك تكون له الدولة يوما وتكون عليه. وكذلك فإنّ قبائل العرب كانت تتربّص بالمسلمين الدوائر. فلو قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغمض عينيّه عما يدور حوله لقضي على الإسلام ودولته، إذ أنّ قريشا قرّرت الرجوع إلى المدينة واستئصال شأفة المسلمين  وقالوا: أصبنا أحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرنّ على بقيّتهم فلنفرغنّ منهم. ولكن الرّسول صلى الله عليه وسلم وهو يدرك ذلك كان لا بد من القيام بأعمال تبين قوّة الدولة الإسلامية وتحميها من الأخطار، لذلك قرّر ملاحقة قريش وسار بالمسلمين إلى حمراء الأسد. ولمّا بلغت أخبار مسيرة صلى الله عليه وسلم قريشا خافت وقالت لو لم يكن عند محمّد من القوّة أكثر ممّا كان عنده في أحد لما جرؤ على اللّحاق بنا، لذلك ولّت قريش الأدبار وبقي رسول اللهصلى الله عليه وسلم  مقيما ثلاثة أيّام في حمراء الأسد ينتظر قريشا، ممّا جعل الرّعب يدّب في قلوب القريشيين ومن ثمّ في قلوب اليهود وقبائل العرب الأخرى. فهذا عمل سياسي ثبّت الدولة وحفظ الأمّة وأوجد لها الهيبة بين القبائل المحيطة بها.

ثمّ بعد ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعمال نشر الدّعوة وإظهار قوّة المسلمين رغم هزيمة أحد فكانت سريّة الرجيع ثم بئر معونة لنشر الإسلام وبعد ذلك إخراج بني النّضير الذّين ظنّوا بأنفسهم القوّة وظنّ المسلمون كذلك بهم، ولذلك تمرّدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآمروا عليه وقد وعدهم المنافقون مساعدتهم. لذلك رفضوا الخروج، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أن حاصرهم وأجبرهم على الخروج بعد أسبوعين فقط. فهذه الأعمال أوجدت الهيبة في قبائل العرب ومنعتهم من مهاجمة المدينة المنوّرة وبذلك حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلاميّة من الزّوال.

ثمّ بعد الانتهاء من غزوة الأحزاب بعد أن ردّ الله الكافرين بغيظهم لم ينالوا ما أرادوا تحرّك الرّسول صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة وقطع رقابهم نتيجة غدرهم وهذا ديدن اليهود أينما كانوا وأينما وجدوا وصدق الله عزّ وجل حين يقول (لتجدّن أشدّ النّاس عدواة للذّين آمنوا اليهود والذّين أشركوا).

وعندما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتآمر بين يهود خيبر وقريش أراد استئصال شأفة اليهود من الجزيرة العربيّة فقرّر تحييد قريش،لذلك ذهب إنّي مكّة لأداء العمرة إحراجا لقريش، لأنّ الرأي العام في جزيرة العرب كان آنذاك أنّه لابدّ لقريش أن تسمح لكل من جاء حاجا ومعظّما للبيت من دخول مكّة، فأسط في يد قريش فيه إمّا أن تسمح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول، وهذا تعتبره ذلاّ، أو تقاتله، وبذلك تسعتدي العرب عليها، لذلك اضطرت إلى الصلح وهذا ما أراده رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وقد اعتبره الله فتحا فقال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح 1].

وبذلك تفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم لمحاربة خيبر فذهب إليها وأزال كيان اليهود من الجزيرة العربيّة. ثمّ بدأ يتجّه إلى الجزيرة المجاورة فأرسل الرسل إلى الملوك والأمراء من الدول المجاورة والبعيدة يدعوهم إلى الله ورسوله. وأخذ يرسل السرايا إلى الرّوم فكانت غزوة مؤتة ثمّ كانت غزوة تبوك التّي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم جهّز جيشا لغزوة الروم بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

ثمّ لما بويع أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة الرّسول صلى الله عليه وسلم ارتدّت القبائل ولم يبق على الإسلام إلاّ مكّة والمدينة والطائف وأفراد في قبائل العرب، وقد أحاطت بعض القبائل بالمدينة يطلبون من أبي بكر أن يعفيهم من الزّكاة.

ورد في الطبري: لما بويع أبو بكر رضي الله عنه وجمع الأنصار في الأمر الذّي افترقوا فيه قال: ليتم بعث أسامة وقد ارتدّت العرب إمّا عامة وإمّا خاصة في كلّ قبيلة ونجم النفاق واشرأبّت اليهود والنّصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيّهم صلى الله عليه وسلم وقلّتهم وكثرة عدّوهم فقال له النّاس: إنّ هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انقضت بل فليس ينبغي لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين فقال أبو بكر رضي الله عنه: “والذّي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السّباع تخطّفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته.

لله درّك يا أبا بكر فقد كنت ضعيفا في بدنك قويّا في دينك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما وصفه علي رضي الله عنه حيث يقول: كنت والله للإسلام حصنا وللكافرين ناكبا.

فوجّه جيش أسامة فساروا لا يمرّون بحي من أحياء العرب إلاّ أرعبوا منهم وقالوا: ما خرج هؤلاء من قومهم إلاّ وبهم منعة شديدة، فأقاموا أربعين يوم ويقال سبعين يوما ثمّ أتوا سالمين غانمين.

هذا الحديث يدلّ على فهم راق من أبي بكر رضي الله عنه للواقع الذّي يحيط به وإدراك لمعنى السياسة الخارجيّة إذ بذلك حفظ الأمّة والدّولة وعمل على نشر الإسلام في ذلك الوقت. فلو قعد أبو بكر رضي الله عنه واستمع إلى أقوال بعض المشيرين عليه بعدم إنفاذ بعث أسامة بحجّة الضعف لتجرّأت قبائل العرب المحيطة بالمدينة على مهاجمة المسلمين وإنهاء وجودهم، ولتجرّأت قبائل العرب في شمال الجزيرة على الارتداد، ولكن هذا العمل الذّي قام به أبو بكر رضي الله عنه ثبّت الوضع في المدينة وثبّت القبائل الشماليّة على الإسلام خوفا وأوجد الخوف في نفوس القبائل المحيطة بالمدينة فلم تجرؤ على مهاجمتها. فهذا

عمل من أعمال السياسة الخارجيّة حفظ الدولة والأمّة والمبدأ الذّي تحمله.

ثمّ إنّ بعض القبائل أرسلوا وفودا إلى أبي بكر يقرّون بالصّلاة على أن لا يؤتوا الزّكاة فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال: لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه، والله لأقاتلّن الذّين فرّقوا بين الصلاة والزّكاة. والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتّى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده ويقتل من قتل منّا شهيدا من أهل الجنّة ويبقى من بقي منّا خليفة في أرضه قضاء الله الحق وقوله الذّي لا خُلْفَ له (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) [النّور 55].

وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة 54]. قال المراد بذلك أوب بكر وأصحابه في قتال المرتدّين وما يخصّ الزّكاة.

وبعد أن ردّهم أبو بكر رجعوا إلى عشائرهم فأخبروهم بقلّة أهل المدينة وطمعوهم فيها، فجعل أبو بكر  الحرس على إنقاذ المدينة وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال: إنّ الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلّة وإنّكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا أدناهم منكم على بريد. وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم  ونوادعهم وقد أبينا عليهم فاستعدّوا وأعدّوا فما لبثوا ثلاثا حتّى طرقوا المدينة غارة وخلفوا نصفهم بذي حسي ليكونوا ردءا لهم أرسلوا الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارة فبعث إليهم أن ألزموا أماكنكم وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم حتّى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع الجمع فكان الفتح وركب الصدّيق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب إلى من حول المدينة من الأعراب الذّين أغاروا عليها فما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس وبني مرّة وذيبان ومن ناصب معهم من بني كنانة وأمدّهم طليحة بابنه حبال فلمّا تواجد القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنّهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثمّ أرسلوها من رؤوس الجبال فلمّا رأتها إبل الصدّيق نفرت وذهبت كلّ مذهب فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل وحتّى رجعت إلى المدينة فلمّا وقع ظنّ القوم بالمسلمين الوهن وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر فاجتمعوا وبات أبو بكر رضي الله عنه قائما ليله يعبئ النّاس ثمّ خرج على تعبئة من آخر الليل وعلى ميمنته النعمان بن المقرن وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن المقرن وعلى الساق أخوهما سويد بن المقرن فما طلع الفجر إلاّ وهم والعدّو في صعيد واحد فما سمعوا للمسلمين حسّا ولا همسا حتّى وضعوا فيهم السّيوف فما طلعت الشمس حتّى ولّوهم الأدبار وغلبوهم على عامّة ظهرهم واتبعهم أبو بكر حتّى نزل بذي القصّة وكان أول الفتح وذلّ بها المشركون وعزّ بها المسلمون.

هكذا يكون الفهم السياسي وبناء على ذلك تكون الأعمال لحماية البلاد والعباد وقبل كلّ ذلك حماية المبدأ الذّي تحمله الأمّة ونشر هذا المبدأ.

ومقارنة بسيطة ترينا الفارق بين من يفهم السياسة ويعمل لمصلحة الأمّة ومن لا يدرك السياسة من حكّام المسلمين العملاء ويعمل لمصلحة الدول الكافرة المتربصة بالأمّة الدوائر، والأمثلة كثيرة جدّا ولكنّي أورد مثالا منها:

ففي حر سنة 1967 التي سميّت بحرب الأيّام الستّة وضع جمال عبد النّاصر ما يزيد على مائة ألف جندي بأسلحتهم في صحراء سيناء لإعادة شعبيّته بناء على طلب أمريكا دون أن يفكّر في مصلحة الأمّة والبلاد، وضع هذه القوّات ونام عمّا يجري حوله اعتمادا منه على أمريكا لتمنع إسرائيل من القيام بأي عمل عسكريّ ولذلك لم يكن هنالك خطّة للهجوم وكذلك للدّفاع وصدق فيه قول الشاعر:

ومن رعى غنما في ارض مسبعة  

  ونام عنها تولّى رعيها الأسد

فما كان من إسرائيل إلاّ أن قامت بهجوم مباغت لم يستغرق أكثر من ساعة ونصف وكانت نهاية لحرب لصالحها، فالحرب وإن أطلقوا عليها حرب الأيّام الستّة إلاّ أنّها لم تستغرق أكثر من ساعة ونصف وكانت من طرف واحد وهو إسرائيل ولا طرف ثاني لأنّ الطرف الثاني كان نائما ولم يخطّط.

وقد وقف جمال عبد النّاصر يوم 9/6/68 يقول للنّاس في خطابه الذّي ألقاه في مسرحيّة الاستقالة معتذرا عن الهزيمة بأنّه لا ذنب له فقد جاءه السفير الأمريكي قبل الحرب وقال له لا تبدأ القتال. ثمّ جاءه  السفير الرّوسي الساعة الثالثة والنصف صباحا وقال له لا تبدأ القتال. ثمّ يستطرد فيقول في خطابه معتذرا عن الهزيمة بأنّنا كنّا ننتظر العدّو م الشمال والشرق فجاء من الغرب.

لذلك لابدّ أن يدرك النّاس الفارق بين رجل الدّولة الذّي يفهم السيّاسة ويقوم بالأعمال حسب هذا الفهم لحفظ البلاد والعباد والعميل الذّي يقوم بالأعمال لفائدة الأعداء بغض النّظر عن مصلحة الأمّة، لأنّ العملاء إنّما وجدوا لإذلال الأمّة وخدمة مصالح أعدائها وإخضاع الأمّة لإرادة الأعداء.

لذلك لابدّ من وجود التفكير السياسيّ في الأمّة الإسلاميّة ونحن نعمل لإنهاضها وإعادتها كما كانت وكما يجب أن تكون، فهي خير أمّة أخرجت للنّاس. إذ أنّ التفكير السياسيّ ليس خاصا بالأفراد بل هو كما يكون في الأفراد يكون في الجماعات أي يكون في الشّعوب والأمم فهو تفكير فردي وجماعي فلا يكفي أن يكون موجودا في الأفراد بل يجب أن يكون في الشعوب والأمم، وبدون وجوده في الشّعوب والأمم لا يوجد الحكم الصالح ولا يتأتّى وجود النهضة ولا تصلح الشعوب والأمم لحمل الرّسالات، ومن هنا كان لابدّ أن يوجد التفكير السياسيّ في الشعب والأمّة. فلا بدّ أن تثقف الأمّة ثقافة سياسيّة وأن يكون لديها التفكير السياسي حتّى يمكن أن يوجد لديها الوعي السياسي الذّي يعني النّظرة إلى العالم من زاوية خاصّة، وهي بالنّسبة لنا من زاوية العقيدة الإسلاميّة زاوية:لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله،كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فإذا قالوها عصموا منّي دمائهم وأموالهم إلاّ بحقّها. “وهذا هو الوعي السياسي الصحيح، فبناء على هذا الوعي السياسيّ تدرك الأمّة مهمّتها الرئيسيّة وهي إنقاذ البشريّة من الضّلال إلى الهدى ونقلها من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، فإذا أدركت ذلك لابدّ لها أن تحرّر نفسها ثمّ تنطلق في حمل الدّعوة الإسلاميّة إلى العالم.

قبس من ضياء السنة المطهّرة

حدّثنا مسدّد حدّثنا يحيى بن سعيد عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال حدّثني أبو صالح قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لولا أن أشقّ على أمّتي ما تخلّفت عن سريّة ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ويشقّ عليّ أن يتخلّفوا عنّي ولوددت أنّي قاتلت في سبل الله فقتلت ثمّ أحييت ثمّ قتلت ثمّ أحييت”.

حدّثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عفّان حدّثنا همّام حدّثنا محمّد بن جحادة قال: أخبرني أبو حصين أنّ ذكوان حدّثه أنّ أبا هريرة رضي الله عنه حدّثه قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “دلّني على عمل يعدل الجهاد” قال: “لا أجده” قال: “هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر” قال: “ومن يستطيع ذلك؟” قال أبو هريرة “إنّ فرس المجاهد ليستنّ في طوله فيكتب له حسنات”.

صحيح البخاري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *