العدد 111 - السنة العاشرة – ربيع الآخر 1417هـ – أيلول 1996م

المفسدون في الأرض

المفسدون في الأرض

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )[ سورة البقرة].

إنّ قلوب المؤمنين العاملين لتقطر دما وهم يشاهدون ما آل إليه حال المسلمين الذّين تتقاذفهم الأقدام يمينا وشمالا. وعلى الرّغم من أنّ الصحوة الإسلامية أضحت تعمّ الأمّة الإسلاميّة من بحر الصّين إلى المحيط الأطلسي ومن بلاد القوقاز إلى جزر القمر، إلاّ أنّ هذه الصحوة ما تزال في مهدها الشيء الذّي يمكّن ويسهّل للكفّار وأذنابهم العملاء في البلاد الإسلاميّة من تمرير مخطّطاتهم الجهنّمية لإجهاض هذه الصحوة والحيلولة دون التفافها حول الفئة المخلصة التّي تعمل لتخليص المسلمين من كابوس الكفر وإعادة الإسلام إلى واقع الحياة بإقامة دولة الخلافة الرّاشدة.

فبالأمس حملت لافتة عودة الإسلام في كل من إيران والسودان ولكن ما أن انكشف أمرها وظهرت حقيقة حالها حتّى بلي المسلمون بمسرحيّة جديدة يتحدّى فيها الله ورسوله والمؤمنون ويستهتر فيها بالأمّة جمعاء ويفتن فيها المسلمون فتنة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شرّها. هذه المسرحيّة هي ما حدث على أرض الإسلام العزيزة بلاد الأناضول التّي ارتوت بدماء الشهداء الفاتحين وكانت معقلا للإسلام والخلافة الإسلاميّة ما يقارب الخمسة قرون حتّى مسخت من قبل الكافر مصطفى كمال الذّي هدّم الخلافة التي أرسى رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام دعائمها في المدينة المنوّرة. واليوم وبعد مرور 73 سنة من هدم الدّولة العثمانيّة يأتي أتاتورك ثان متستّر وراء شعار الإسلام ليتربّع على سدّة الحكم موهما النّاس أنّ الإسلام قد عاد إلى الحكم من جديد وأنّ تركيا رجعت إلى دورها القيادي.

وأنا في هذه المقالة لا أوّد التعرّض للخلفيّات السياسيّة التّي صحبت حياة نجم الدّين أربكان (الرّجل الصنم الثاني) ولا إلى الألاعيب الدوليّة التّي تحيط بصيرورته رئيس وزراء وإنّما أريد أن ألقي الضوء على أفكاره في الحكم وقبله، وإلى قناعاته التّي يريد إيجادها في أرض الواقع وحمل أبناء أمّتنا على اعتناقها في تركيا المسلمة. والحديث عن حزبه لا يفيد لأنّه هو الحزب. وأنا أتعرّض لأفكاره الخطيرة من باب القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبسبب قناعتي بوجوب أطره على الحقّ وتوجيه النّداء إلى أبناء أمّتنا الذّين مازالوا يرون في هذا الرّجل “المسلم الصّادق الورع” والأصل أن يهبّ جميع المسلمين للوقوف في وجهه والحيلولة دون تمكينه من تمرير مؤامراته الخيانيّة لله ورسوله وللمؤمنين، كما يحرم التعصّب للرّجل حتى وإن كان على حسن نيّة لأنّ الرّجال تعرف بالحقّ ولا يعرف الحقّ بالرّجال ولأنّ كلمة الحقّ لا بدّ منها خاصّة وأنّ أربكان يعرف ما يعلم ولقد شارك في الحكم في تركيا مرتين قبل أن يصبح رئيسا لوزارتها. وهو كلّ مرّة لا يتقّي الله في المسلمين والإسلام. ولا يقال بأنّ نواياه حسنة ولا أحد يعلم ما في قلبه، أقول هذا الكلام مردود لأنّ البحث ليس في السرائر وما تخفي الصدور، فذلك لا يعلمه إلاّ الله.

 إنّ أعماله وأقواله يشاهدها الداني والقاصي ويمكن الحكم عليه من خلالها، إذ أنّ الله سبحانه وتعالى يقول (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة 105] ويقول:( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا) [الإسراء 36] ويقول نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام:

(إن رأيتم العلماء على أبواب الأمراء فاتهموهم في دينهم، الحديث)

والأصل في المسلم أن يتمسّك بحبل الله المتين ولا يتّبع الهوى أو يميل لشخص إلاّ فيما يرضي الله تعالى. ويعمل على تقويم اعوجاج كلّ من يحاول الاستهتار بعقيدة الأمّة والمبدأ المنبثق عن هذه العقيدة ولا يركن إلاّ لمن آمن وعمل صالحا ويبتعد عن دائرة الطاغوت (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران 31] (لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به).

إن خطر أربكان في الحكم كامن في تصويره الباطل حقّا وكتمانه للحقّ وهو يعلم، وذلك بعد أن كفر النّاس بالعلمانيّة وأصبح أتاتورك يلعن على المنابر وعاد الإسلام إلى أبناء أمّتنا في تركيا الكريمة. فبعدما كفر المسلمون بالديمقراطيّة والعلمانيّة والكماليّة والماسونيّة، يأتي اربكان لابساً رداء الإسلام ليخدع المسلمين بكلام رنّان على التمسّك بشخص أتاتورك والقبول بالوطنيّة والعلمانيّة (اللائيكيّة) والكماليّة الكافرة وأصبح يزيّن لهم كلّ هذه المبادئ الكافرة ويعدهم ويمنّيهم وما يعدهم هو والشيطان إلاّ غرورا.

والويل من عذاب الله لمن اتّبع وخاصم عن هذا الرّجل وأفكاره التيّ لم تعد أقوالا فحسب بل أفعالا تتراءى لكلّ ذي عقل لبيب، إذ أنّه:

  1. ثبّت العلمانيّة في تركيا وأبعد الإسلام وأقرّ بذلك.

  2. اتّخذ اليهود والنصارى أولياء من دون الله.

  3. صوّت هو وحزبه لتحديد بقاء القوّات الأمريكيّة في تركيا وفرض الحظر على المسلمين في

العراق.

  1. أقرّ بالوفاء لأذلّ خلق الله يهود.

  2. صرّح لوسائل الإعلام الغربيّة بأنّه متى وصل إلى الحكم فسوف يطبق العلمانيّة الصحيحة.

ولقد رأيت أن أعرّف القارئ الكريم بأفكار هذا الرّجل مركزا في ذلك على كتاب ألّفه بشخصه ويحمل عنوان “ميلّي غوروش “(الرأي الوطنيّ) وصدر عام 1975م والنسخة التّي بين يدي من الطبعة الأولى في أيلول سنة 1975م. وهذه الأفكار بعينها هي التّي يدعو إليها حاليا ويعمل على تطبيقها وهي في نفس الوقت أسس لحزبه الرفاه.

يقسّم الكاتب البروفيسور الدكتور نجم الدّين اربكان كتابه “ميلّي غوروش” المتكوّن من 318 صفحة إلى عدّة فصول وهي كالآتي:

  1. المقدّمة.

  2. أسس الرأي الوطنيّ.

  3. نظام الدستور والدولة.

  4. المعارف القوميّة.

  5. نهضة الأناضول.

  6. النظام الاقتصادي.

بالإضافة إلى أبواب تتعلّق بالصناعة والسياسة ووثائق تتضمّن مقابلات صحفيّة وخطب ألقاها أمام البرلمان بصفته عضوا يمثّل كونيه.

ولقد ركزت على الفصول الثلاثة الأولى لأنّها تحتوى في جملتها على القناعات الأساسيّة لأربكان وعليها حاولت أن أسلّط الأضواء حتّى يدرك القارئ الكريم مدى خطورة أفكار هذا الرّجل وألاعيبه، حتّى لا يقف أحد مذهولا أو مصفّقا بل ويقف وقفة رجل الحقّ ليتصدّى له ويغيّر عليه حتّى لا يهوي بأمّتنا إلى أعماق جب الانحطاط. فكلّ مسلم على ثغرة من ثغور الإسلام ولا يجوز أن يؤتى من قبله، لأن المسلمين في تركيا إخواننا وآباؤنا وأولادنا والمسلمات أمّهاتنا وأخواتنا والجميع جزء لا يتجزّأ من جسم هذه الأمّة الكريمة بحيث لا يجوز لنا أن نسمح لأيّ كان أن يخدع المسلمين في تركيا كما خدعهم الماسونيّ الكافر واليهوديّ الحاقد أتاتورك. والمؤمن كما يقول عليه الصّلاة والسّلام لا يلدغ من جحر مرتيّن.

فالإسلام لا يتعرّف على قومية أو وطنيّة أو إقليميّة أو عنصريّة، بل جعل المسلمين أمّة واحدة من دون النّاس وجعل دفع الضرر عن بعضهم بعضا فرضا حيث جاء في الحديث (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله) وخذل المسلم تركه والتخلّي عنه وقت الحاجة، وما أحوج المسلمين إلى بعضهم  في هذه الأيام.

وأفكار أربكان قبل استلامه الحكم وبعده والتّي يحاول حاليا إيجادها في أرض الواقع يمكن حصرها في النقاط التالية:

  1. القوميّة والوطنيّة.

  2. اللائيكيّة أو العلمانيّة.

  3. شكل الدّولة والديمقراطيّة والدستور العلمانيّة

  4. الحريّات وحقوق الإنسان.

  5. أتاتورك.

1.القوميّة والوطنيّة:

بالرّغم من قيام أربكان بتغيير اسم حزبه العديد من المرّات من حزب النّظام الوطني إلى حزب السلامة ثمّ إلى حزب الرفاه، إلاّ أن التسمية الطاغية هي نفسها الواردة كعنوان لكتابه الذّي نحن في صدد تحليله ألا وهي تسمية “ميلّي غوروش” أو الرأي الوطني “القومي”.

وفي لغة أربكان لا وجود إلاّ لشيء اسمه وطن تركيّ له مقوّمات منها المساحة الكبيرة وعدد كبير من السكّان (40 مليونا سنة 1975) وهذا العدد بإمكانه القيام بإنقاذ البشريّة لا لأنّه مسلم بل لأنّه تركيّ حيث يقول في صفحة 29 “وإذا أردنا التوفيق في إنقاذ البشريّة فعلينا إحياء الرّوح الوطنيّ والتّي يجب أن يتكون خوّاصها الأوليّة الأخلاق والمثل” ثمّ يضيف قائلا “إنّ حزب الرأي الوطني يستند إلى مبدأ أساسي يقول بأنّ وطننا وشعبنا يشكّلان وحدة لا تتجزّأ وأنّ الأربعين مليونا الذّين هم أبناء وطن واحد هم  إخوة” صفحة 35.

ويركّز أربكان على غرس القوميّة العفنة النتنة عندما يقول “لذلك من الواجب علينا الائتلاف من أجل تشييد وطن قويّ وتحقيق المصالح الاجتماعية” ويضرب على وتر الشعور الوطنيّ الذّي يراه مصدر القوّة الذّي يحمي الشّعب” وهذا الشعور الوطني في قاموسه هو “الشعور المشترك المكوّن من عناصر دينيّة وتاريخيّة واجتماعية واقتصاديّة وثقافيّة” فأربكان يجعل أساس نهضة تركيا القوميّة وليس الإسلام ويجعل الشعور الوطنيّ المتكوّن من عدّة عناصر مصدرا للقوّة ولا يجعل للإسلام أي مكان حتّى عندما يتكلّم عن عنصر الدّين فلا يعني بالضرورة الإسلام خاصّة وأنّ تركيا فيها عقائد وأديان تناقض الإسلام مثل النصيريّة والنصرانيّة واليهوديّة وعبدة الشيّطان إلخ…

2.موقف أربكان من العلمانيّة (اللائيكيّة)

إن أكبر تجرؤ يحادّ فيه أربكان الله ورسوله ودينه والمسلمين هو المغالطة الشنيعة التي يتلفّظ بها عندما يتعرّض إلى العلمانية في كتابه.

 ففي فصول تحت عنوان “حريّة الفكر العلمانيّةّ” و “معنى العلمانيّة” و “نتائج تطبيق العلمانيّة في تركيا” يقول: “توجد كلمة اللائيكيّة (العلمانيّة) في الدستور وهي كلمة أجنبيّة وشعبنا لا يعرف معناها، وكان تطبيقها (في تركيا) مخالفا لمعناها… فأوجد شروخا وآلاما… ومعنى اللائيكيّة (العلمانيّة) أنّ لكلّ شخص حريّة الفكر والمعتقد (الوجدان) وحريّة العبادة، كما تعني أن لا يتسلط شخص على آخر بناء على معتقده… وتطبيق اللائيكيّة (العلمانيّة) في بلدنا عكس ذلك كله” (صفحة 51). ثمّ يضيف قائلا: “فالعلمانيّة مع الأسف لم تعرّف عندنا تعريفا علميّا… وقتلت العلمانيّة باسم العلمانيّة…” “إنّ كلمة العلمانيّة في تركيا مأخوذة من كلمة أجنبيّة laicus وهي كلمة استعملها سقراط وأرسطو في حديثهما وهي تعني الآتي: كان أرسطو يقول لطلاّبه إنّ أساس المجتمع لدينا هو النّظام الأخلاقي في حين أنّ رأي بعض المذاهب الفكرية” يقول بأنّ أساس المجتمع هو النّظام الحقوقي نتيجة للعلمانيّة. فكلمة “المذاهب” هي العلمانيّة أي معناها اللّغوي…لأنّ (وكما هو رأي أربكان) لفظ العلمانيّة يحمل معنيين، الأوّل: يوجد غيرنا وهذا يعني أنّ الآخرين موجودون أيضا. والثاني: أنّ التعبير الذّي نستخدمه له معنى آخر في المذاهب الأخرى…وأصحابها لا يعتبرون أعداء لنا. ويخلص أربكان إلى نتيجة مفهوم العلمانيّة حيث يقول “العلمانية تعني أنّ غيرنا موجودون وهم أناس لهم نفس درجة الاعتبار”.

ثمّ ينتقل للتجرّؤ على دين الله متناسيا الوعيد فيمن يغيّر الكلم عن مواضعه (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ )[ البقرة 79].

يقول أربكان: “هناك في كياننا الوطنيّ وتاريخنا ما يقابل العلمانيّة… فمثلا في ديننا (الإسلام) يقول الفقيه الحنفي أنّ سيلان الدّم من أيّ مكان من جسم الإنسان يفسد الوضوء… وهذا الرأي يدرسه هذا الفقيه الحنفي لطلاّبه…وأمّا بالنّسبة لبعض المذاهب الأخرى فإنّ خروج الدّم لا يفسد الوضوء لذلك فإنّ كلمة المذاهب تعني العلمانيّة… بمعناها اللغويّ…” (صفحة 52).

ثم يضيف: “وبعد الثورة الفرنسيّة دخلت هذه الكلمة (أي العلمانيّة) إلى لغة القانون. وكان بعض الأشخاص في فرنسا متدينين ومنتسبين إلى الكنيسة في الوقت الذّي كان البعض الآخر غير متدينين بحيث قال هؤلاء نريد أن نكون لائيكيين (أي علمانيين) أي سوف لن نعيب  أحدا بسبب معتقده الأساسي… ولهذا (يستنتج أربكان) فأساس العلمانيّة أنّ الإنسان لا يعيب آخر بسبب فكره ومعتقده… وهذا يعني ضمان حريّة الفكر… وهذا هو معنى العلمانيّة لغة واصطلاحا” (صفحة 52).

والخلاصة أن أربكان يؤمن بالعلمانيّة الغربيّة التّي هي فصل الدّين عن الحياة ويحاول مغالطة المسلمين عندما يفسّر اختلاف الآراء الفقهيّة بأنّها العلمانيّة ويشبّه الفقيه الحنفي بسقراط أو أرسطو.

3.شكل الدّولة، الديمقراطيّة، الدستور العلمانيّ:

لم يخف نجم الدّين أربكان انبهاره بالثورة الفرنسيّة في ترسيخها لقواعد العلمانيّة كما انبهر بها المضبوعين قبله من أمثال مدحت باشا ورجال جمعيّة تركيا الفتاة والمستغربين في البلاد العربيّة، كما لا يخفي انضباعه بمفاهيم الحكم الغربيّة ويصوّر ذلك جليّا في كلامه عن الدولة وشكلها ودستورها.

ففي صفحة 44 من كتابه يتكلّم عن شكل الدّولة بأنّه يريد” إقامة دولة لتحقيق نهضة ماديّة ومعنويّة كبيرة للشعب التركي بحيث يجب أن تتجلّى في إدارة هذه الدّولة إرادة الشعب وتظهر جليّا في كافة أجهزة التشريع والدّولة”. كما يقول “ولهذه الأسباب “للملّي غوروش “مصمم على إقامة دولة ذات حكم ديمقراطيّ ونظام برلمانيّ ديمقراطيّ يلوّنها تطابق السّجايا والخصال الوطنيّة التّي تمتاز بها “(صفحة 30) وخلاصة ما يرمي إليه هي “أن يكون لتركيا رئاسة جمهوريّة تتّحد مع رئاسة الوزراء لتشكّلا نظاما رئاسيّا” ويركّز على حق الفيتو الشعبي حيث يقول “ومن خلال هذا الفيتو يصبح بإمكان شعبنا الاعتراض على الاقتراحات القانونيّة التّي لا يرغب بها (صفحة 44 و 45).

ومن هنا يتبيّن أنّ أربكان لا يتعرّف على حكم الإسلام ولا إلى تحكيم الإسلام ولا إلى إعادة الخلافة، وإنّما فكره غربيّ بحت ينادي بالجمهوريّة والديمقراطيّة ويجعل الشعب هو المشّرع. وأمّا الدستور العلماني الكمالي الحالي فأربكان لا يرفضه بل يجعل له المرجعيّة ويقدّس نصوصه ويظهر عزمه على تطبيقها التطبيق الصحيح ويشيّد بمواده حيث يقول “وحتّى يتحقّق للشعب السّلام الدّاخلي في نظام ديمقراطي ويتحد مع الدولة، فإنّنا نؤمن بوجوب جعل المادة 10 والمادة 14 من الدستور واللّتان تمكّنان من تحقيق الجانب المثالي في الإنسان بالإضافة إلى المواد 11،19،22،26،29 التّي تقول بوجوب وجود نظام للمجتمع يستند إلى الأخلاق والفضيلة” (صفحة 26).

وهذا التعبير الوارد في هذه المواد هو تعبير ماسوني وصفة أتاتورك وزبانيّته الذّين ارتموا في الرّذيلة والكفر البوّاح.

كما يضيف قائلا: ولإحداث النهضة الماديّة فإن حزب “الملي غوروش” يحقّق الرّفاهية الفرديّة والاجتماعية كما هو وارد في الدّستور. وفي صفحة 31 يقول “إنّ حزب الرأي الوطني يقبل التعبير الوارد في الدّستور والذّي يقول بالحريّات والحقوق الأساسيّة ويساندها بكلّ إخلاص ثمّ يذهب ابعد من ذلك عندما يكتب في صفحة 49: ولكي يتحقّق السّلام الداخلي في بلدنا يجب تطبيق كلّ المبادئ المكتوبة بإخلاص. فالدّستور يقول بالدّيمقراطيّة. ومعنى الديمقراطيّة أن الحاكميّة للشعب… والديمقراطيّة لا تتحقّق إلاّ بحريّة الفكر… ويجب أن يعطي للشعب حقّ إصدار القوانين وحق الفيتو على القوانين كما يجب أن تتجلّى سيادته وحاكميّته في كلّ مكان…” ويقول في صفحة 53: “إنّ مبدأ الديمقراطيّة الذّي لا يتغيّر هو الحريّة الفكريّة… بحيث يجب تركيز الأخوّة بين الآراء الثلاثة (ويقصد في ذلك الآراء السياسيّة التّي يحدّدا بأنّها الرأي الوطنيّ والرأي الليبرالي والرأي اليساري)… ولا يوجد في الدستور أي عائق يمنع تحقيق ذلك…  وهذه الأخوّة موجودة في الدستور غير أنّها لا تطبّق في أرض الواقع”.

وهل يبقى لأيّ مسلم الحقّ في تبرير نوايا هذا الرّجل بعد هذا الكلام الصريح الذّي هو مروق من الدّين مروق السّهم من الرميّة…أين كتاب الله وسنّة رسوله في هذه المفاهيم…؟ (ومن بعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها).

  1. الحريّات وحقوق الإنسان:

يرى أربكان المضبوع أنّ الحريّات وحقوق الإنسان (بالمفهوم الغربي) هي التّي تتكفّل بتحقيق “السلام الدّاخلي في ظلّ نظام ديمقراطيّ” ويعترف للآراء السياسية الكافرة الموجودة في تركيا بحقّها في الوجود والاختلاف. كما يؤكّد إمكانية وجود فروق في الرأي والفكر بين أبناء الشّبع الواحد بل يذهب هو نفسه لتحديد الآراء بثلاثة وهي:

ما يذكره في صفحة 25:

  1. الرأي الوطنيّ (أي رأيه).

  2. الرأي الليبرالي.

  3. الرأي اليساري

ويقول: “فالأساس في الديمقراطيّة حريّة الفكر وحريّة الوجدانيّة (الاعتقاد)…ويجب أن يتعوّد أصحاب الأفكار المتباينة على التحرّك بجانب بعضهم البعض بتسامح كبير”.

ويؤمن هو وحزبه بالحريّات والحقوق الأساسيّة الواردة في الدستور.. ويعتبرها مبدأ أساسيا يجب الاهتمام به”. كما يضيف أربكان قائلا: “إنّ حزب الرأي الوطنيّ يعتقد أنّ حريّة الفكر والوجدان (المعتقد) هي أساس الديمقراطيّة وحقوق الإنسان. ويرى أن هذه الحريّات تعجل بالتطوّر المدني… والعلمانيّة في نفس الوقت التّي تضمن حرية الفكر والاعتقاد”.

ويلخّص هذه النظريّة الأساسيّة: “لا يترك مجال لتحكّم أفكار ومعتقدات في أفكار ومعتقدات أخرى… وسنعمل على بسط السّاحة للأفكار” ومثله في ذلك أوروبا التيّ يقول عنها وعن شعوبها “أصحاب الأفكار المختلفة هناك يعيشون جنبا إلى جنب كأخوة” ثمّ يضيف “هناك حقوق وحريّة فكر وديمقراطيّة وضمان لحريّة الفكر لكلّ فرد… لذلك سوف نكون وطنيّين واجتماعيين وسنحقّق النهضة في تركيا في ظلّ النّظام القائم حالياً”.

ولا يعارض في الدستور سوى المادة 163 التّي يقول بوجوب إلغائها (والقائلة بقوانين عرفيّة ألغاها الرئيس الراحل أوزال قبل عدّة سنوات) حتّى يتحقّق السّلام الدّاخلي بشكل يوافق حقوق الإنسان وحريّة الفكر والمعتقد (الوجدان) والعبارة “ويريد أربكان أن يستبدلها بأفضل حيث يقول: “وسنضع بدلها قانونان لحماية حقوق الإنسان ولن يقال للذّي يذهب للمسجد لم تذهب للمسجد، وسوف يتمتّع كل فرد بحريّة الوجدان والاعتقاد ولن يعيب أحد أحدا بسبب معتقده وينفذ بذلك ما ورد في المادتين 19 و20 من الدستور.

5.أتاتورك:

لم يتعرّض أربكان أبدا لأتاتورك سلبيّا في كتابه ولا في مقالاته ولا في مقابلاته الصحفيّة أو التلفزيونيّة ويفهم من مجمل كلامه ومفاهيمه (ومن بعض تصريحاته) انّه يحترم أتاتورك ودستوره وعلمانيّته بل ويدافع عن هذا الكافر اليهودي اللّعين الذّي أصابته لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين… وقال في لقاء تلفزيوني جمعه مع بعض السياسيين: “إنّ أتاتورك بطل وإنّ الذّّي أودى بتركيا إلى وضعها المزري ليس أتاتورك وإنمّا الذّين جاءوا إلى الحكم بعد موته سنة 1938م بل وأساءوا تطبيق ما كان يريده أتاتورك.

وكأنه لم يهدم الخلافة ولم يقتل عشرات الآلاف من علماء الأمّة، ولم يدس بقدميه على المصحف الشريف، ولم يبعد الدّين من حياة المسلمين، ولم يمسخ كلّ تعاليم الإسلام تاريخا ونظاما وثقافة ولغة, وكأنّه لم ينشر كل أنواع الرّذيلة.. فهذا كلّه في رأي اربكان لم يكن.

وقد ذهب في مقابلة مجلّة “شبيغل” الألمانيّة له قبل استلامه السلطة إلى ابعد من ذلك حيث قال: “إنّ أتاتورك كان يفتتح جلسات البرلمان بقراءة القرآن…ولو كان على قيد الحياة لانضمّ إلى حزب الرفاه”.

ولا يزال حتّى هذا اليوم يراوغ ويكذب على الله وعلى جماعته والمسلمين في تركيا موهما إيّاهم بأنّه سيطبّق الإسلام وأنّه مجبور على تبنّي العلمانيّة وهو بذلك أشرب الخيانة في قلبه ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين) [سورة البقرة].

هذه هي المفاهيم والأفكار التّي تجتمع عليها نفسّية وعقليّة نجم الدّين أربكان رئيس وزراء تركيا الحالي والذّي يمكن لنا أن نخلع عليه لقب “الرّجل الصنم الثاني” فبعد أن قام أتاتورك اليهودي الكافر بهدم الخلافة العثمانيّة، وطمس حضارة ولغة وتاريخ وثقافة شعب بل أمّة بأكملها وعمل على إبعاد المسلمين في تركيا عن الإسلام ولم يفلح، جاء أربكان ليمسخ الإسلام كعقيدة ليقلع شجرته إلى الأبد.

وبعد أن أصبح المسلمون يلعنون الكماليّة والعلمانيّة وأتاتورك حتّى أنّ العديد من العلماء وصفوه “بالدّجال” لما قام به من إيذاء المؤمنين والمؤمنات وهدم الخلافة الشريفة التّي أقام دعائمها نبيّنا عليه الصلاة والسّلام وأقصى الإسلام من كلّ نواحي الحياة، يأتي أربكان ليجعل من فرعون مؤمنا ومن محاربة أتاتورك لله ورسوله والمؤمنين مشروعا، ونشر أفكار العلمانيّة والحريّات والإباحيّة والكفر والردّة بالإضافة إلى فتح باب الرّذيلة ويصوّرها تصويرا يقتنع بواسطته المسلم ويصبح بدوره معولا يهدم الإسلام وذلك بعدما كفر المسلمون بالديمقراطّية والعلمانيّة والحريّات المزيّفة.

وعقليّة أربكان غريبة عن ثقافة الأمّة وتراثها لأنّ كل ما ينادي به ويعمل على تطبيقه يخالف ما هو معلوم من الدّين بالضّرورة. فالإسلام هو روح الأمّة وضمان حياتها واستمرارها كافّة، وإدخال الأفكار المسمومة إلى عقول أبنائها وإيجادها في ارض الواقع جريمة شنعاء لتهوي بالأمّة إلى أسفل السافلين. ولذلك يحرم على المسلمين السير معه والدّعوة إلى مساندته بل يجب عليهم الوقوف في وجه برامجه وخططه الجهنّميّة. فكلامه المعسول ما هو إلاّ تضليل وليس سوى سراب القيعة.

ولقد أصّر اربكان على غيّه منذ استلام الحكم عندما جاهر بتبنيه العلمانيّة والديمقراطيّة وأبقى كلّ المعاهدات المخالفة للشرع، والمذلّة للأمّة مثل إبقاء القوّات الأمريكيّة على أرض الأناضول والتعاون مع أذلّ خلق الله يهود دولة إسرائيل، وأي ذلّ أكبر من ذهابه إلى السّفارة الأمريكيّة بتاريخ 4/7/96م لتهنئة السفير الأمريكي بمناسبة احتفالات الولايات المتحدّة بعيد استقلالها.

والذّي يزيد المصيبة هولا أن يقوم رؤساء وقيادات الجماعات الإسلاميّة في مختلف أقطار العالم الإسلامي مثل مصر والأردن وفلسطين وشمال أفريقيا يبعثون برسائل التهاني لأربكان داعين الله له بالتوفيق لحمل العبء الثقيل (عبء العمل على خيانة الله ورسوله والمؤمنين) عوض الوقوف في وجهه والضرب على يديه وإفشال مؤامراته الخيانيّة متناسين عمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير مبالين بالنّصوص الشرعيّة الصريحة الدلالة (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون). والأمّة الإسلاميّة مطالبة بالوقوف للحيلولة دون تمرير المخطّطات الماسخة للإسلام التّي ينوي هذا الرّجل تركيزها.

كما يجب عليها الالتفاف حول الفئة المخلصة التّي لا تتاجر بالإسلام في سبيل تجارة خاسرة نتنة. وإن العواقب ستكون وخيمة لو سكت المسلمون وإنّ عذاب الله سكون عسيرا.

وكم ذكّرتني فعلة أربكان هذه بذلك الحديث الشريف الذّي رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ﴿كان النّاس يسألون رسول اللهصلى الله عليه وسلم  عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني” إلى أن يقول: نعم دعاة على أبواب جهنّم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله: صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا….إلخ﴾ الحديث.

وإنّ خير ما أختتم به هذه المقالة هو الدّعاء الذّي تلفّظ به التابعي الجليل طاووس رضي الله عنه وهو في مجلس الخليفة هشام بن عبد الملك دون خوف ولا وجل من بطشه وقوّته “اللهم من أراد بالإسلام خيرا فخذ بيده، ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرّار فخذه أخذ عزيز مقتدرّ

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [ إبراهيم 42]

الأستاذ إبراهيم ياسين آل إبراهيم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *