العدد 113 - السنة العاشرة – جمادى الثانية 1417هـ – تشرين الثاني 1996م

تشبيه اتفاق أوسلو بفتح مكة وقاحة

تشبيه اتفاق أوسلو

 بفتح مكة وقاحة

 

يتردد على ألسنة بعض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة سلماً، يريدون بذلك أنه دخلها صلحاً، قاصدين تزيين خيانة المنظمة وزعيمها، وإلباس هذه الخيانة ثوب الشرعية، وهم بهذا يسيئون إلى شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويسيئون إنزال الحكم على الواقع.

صحيح أن الصلح من معاني السَّلم، وصحيح أن الشافعي وعطاء رحمهما الله قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة صلحاً مخالفين بذلك جمهور الفقهاء، وحجتهما في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أعطى أهل مكة الأمان، والأمان بمثابة الصلح، وهذا اجتهاد نحترمه ونعتبره رأياً إسلامياً يؤجر من استنبطه، ويؤجر من عمل به.

أما أن يقال إن اتفاق أسلو مثل الفتح العظيم فتزوير وتضليل وافتراء وقح! ذلك أن فتح مكة قرره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في عاصمة الدولة الإسلامية ولم يشاركه في هذا القرار أحد، بينما قررت اتفاقية أسلو في عواصم دول الكفر من قِبل الكفار، وسار في تنفيذها بعض من يزعمون أنهم من أمة الإسلام طوعاً أو كرهاً.

ثم إنه عليه وآله الصلاة والسلام فاجأ قريشاً بجيش الفتح فاستسلمت بعد مقاومة هزيلة من أوباشها، ودخل صلى الله عليه وسلم بجيشه فاتحاً منصوراً عزيزاً كريماً، وأزال كل مظاهر الشرك، ومنّ على قريش قائلاً «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ومكث أياماً ثم ولى عَتّاباً على مكة وخرج إلى حُنَيْن . أما القائمون على اتفاقية أسلو ومن لحق بهم ودخل معهم فإنهم ليسوا جيشاً، ولم يأتوا فاتحين ولا أعزة ولا كرماء، بل أذنت لهم إسرائيل بالدخول منزوعي السلاح تحت حراب جيش إسرائيل وفي قبضته.

وأيضاً فإن القائلين بأنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة صلحاً لا عَنوة احتجوا بأنه أعطى الأمان لأهلها فكان هو الجانب المانح للأمان لأنه الجانب القوي، على العكس تماماً مما حصل في اتفاقية أسلو، فالذي منح الأمان هم اليهود، والجانب الفلسطيني المستضعف يلجأ إلى حلفاء إسرائيل للحصول على بعض ما يحفظ ماء الوجه بعد أن ضيعوا كل شيء.

يضاف إلى ذلك أن فتح مكة جعل للمسلمين سلطاناً فيها وجعل السيادة للشرع، أما اتفاقية أسلو فقد جعلت السلطان للكفار على المسلمين والسيادة للطاغوت، وليس للقائمين على ما سموه (سلطة وطنية) من الأمر شيء، بل إنهم يصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أحمد في مسنده «…وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء»، فقد حولوا شعبهم الذي يجب أن يكون مقاتلاً مجاهداً إلى شعب ذليل مهان يلهث وراء لقمة العيش ولو كانت بخدمة اليهود في مزارعهم ومصانعهم ومتاجرهم وبيوتهم. وفي كثير من الأحيان لا يحصلون على أجرتهم، فهم أذل من العبيد، ولست أبرئ هؤلاء الناس، فقد شاركوا كبراءهم وسادتهم في الضلال وأعانوهم على إيصالهم إلى ما هم فيه من الصَّغار وفَقْدِ الكرامة والعزة، ولم يتقوا فتنة لا تصيب الظالمين خاصة والفاسدين الرويبضات الأشرار. أخرج أبو نعيم في الحلية عن منصور بن أبي الأسود قال سألت الأعمش عن قوله تعالى: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون) ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال سمعتهم يقولون: «إذا فسد الناس ولي عليهم شرارهم».

إن ما يسمونه (بالحكم الذاتي) ليس حكماً بل هو مجرد إدارة محدودة، وليست إدارة ذاتية بل موجهة. والقائمون عليها ليست لهم صفة شرعية في تمثيل أهل فلسطين، فكل اتفاقية يعقدونها باسم أهل فلسطين هي باطلة، فكيف إذا كانت تنطوي على التنازل عن فلسطين لليهود! ثم بعد ذلك يشبهونها بفتح مكة! يا للوقاحة!

عبد الرحمن الأسمر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *