العدد 114 - السنة العاشرة – رجب 1417هـ – كانون الأول 1996م

سيد قطب ومفهوم المنكر

سيد قطب ومفهوم المنكر

صفحات من: في ظلال القرآن / المجلد الثاني: ص947

(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون! ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا. لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيراً منهم فاسقون).

وهكذا يبدو أن تاريخ بني إسرائيل في الكفر والمعصية واللعنة عريق. وأن أنبياءهم الذين أرسلوا لهدايتهم وإنقاذهم، هم في النهاية الذين تولوا لعنتهم وطردهم من هداية الله؛ فسمع الله دعاءهم وكتب السخط واللعنة على بني إسرائيل.

والذين كفروا من بني إسرائيل هم الذين حرفوا كتبهم المنزلة؛ وهم الذين لم يتحاكموا إلى شريعة الله -كما مر في المواضع القرآنية المتعددة في هذه السورة وفي السور غيرها- وهم الذين نقضوا عهد الله معهم لينصرنّ كل رسول ويعزرونه ويتبعونه:

(ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).

فهي المعصية والاعتداء؛ يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء. وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء.. كما فصل الله في كتابه الكريم.

ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالاً فردية في مجتمع بني إسرائيل. ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع. ولا يقابلها بالتناهي والنكير:

(كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون!)..

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين. فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفاً مصطلحاً عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترئ عليه كل من يهم به.. وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشر رادعاً وجماعياً تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه.. عندئذ ينزوي الشر، وتنحسر دوافعه. وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه. وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذ  لا تشيع الفاحشة. ولا تصبح هي الطابع العام!

والمنهج الإسلامي -بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي- في صورة الكراهية والتنديد، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب؛ يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية، قبل أن تصبح ظاهرة عامة؛ ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلباً في الحق، وحساساً تجاه الاعتداء عليه؛ ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء.. ولا يخافوا لوم لائم. سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم؛ أو الأغنياء المتسلطين بالمال؛ أو الأشرار المتسلطين بالأذى؛ أو الجماهير المتسلطة بالهوى. فمنهج الله هو منهج الله، والخارجون عليه علوا أم سفلوا سواء.

والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة؛ فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه؛ ويجعل الأمانة في عنق كل فرد، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة.

روى الإمام أحمد -بإسناده- عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم…(ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- متكئاً فجلس، فقال: «ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً».

وروى أبو داود -بإسناده- عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض»، ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) -إلى قوله: «فاسقون» ثم قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً -أو تقصرنه على الحق قصراً-».

فليس هو مجرد الأمر والنهي، ثم تنتهي المسألة، إنما هو الإصرار، والمقاطعة، والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء.

وروى مسلم -بإسناده- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.. وذلك أضعف الإيمان».

وروى الإمام أحمد -بإسناده- عن عدي بن عميرة قال -سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم -وهم قادرون على أن ينكروه- فلا ينكرونه. فإذا فعلوا عذب الله العامة والخاصة».

وروى أبو داود والترمذي -بإسناده- عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر»..

وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى في هذا المعنى؛ لأن هذا التماسك في كيان الجماعة بحيث لا يقول أحد فيها -وهو يرى المنكر يقع من غيره-: وأنا مالي؟! وهذه الحمية ضد الفساد في المجتمع، بحيث لا يقول أحد -وهو يرى الفساد يسري ويشيع- وما ذا أصنع والتعرض للفساد يلحق بي الأذى؟! وهذه الغيرة على حرمات الله، والشعور بالتكليف المباشر بصيانتها والدفع عنها للنجاة من الله.. هذا كله هو قوام الجماعة المسلمة الذي لا قيام لها إلا به..

وهذا كله في حاجة إلى الإيمان الصحيح بالله؛ ومعرفة تكاليف هذا الإيمان. وإلى الإدراك الصحيح لمنهج الله؛ ومعرفة أنه يشمل كل جوانب الحياة. وإلى الجد في أخذ العقيدة بقوة، والجهد لإقامة المنهج الذي ينبثق منها في حياة المجتمع كله.. فالمجتمع المسلم الذي يستمد قانونه من شريعة الله؛ ويقيم حياته كلها على منهجه؛ هو المجتمع الذي يسمح للمسلم أن يزاول حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بحيث لا يصبح هذا عملاً فردياً ضائعاً في الخضم؛ أو يجعله غير ممكن أصلاً في كثير من الأحيان! كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية القائمة اليوم في أرجاء الأرض؛ والتي تقيم حياتها على تقاليد ومصطلحات اجتماعية تسترذل تدخل أحد في شأن أحد؛ وتعتبر الفسق والفجور والمعصية «مسائل شخصية»! ليس لأحد أن يتدخل في شأنها.. كما تجعل من الظلم والبطش والاعتداء والجور سيفاً مصلتاً من الإرهاب يلجم الأفواه، ويعقد الألسنة، وينكل بمن يقول كلمة حق أو معروف في وجه الطغيان..

إن الجهد الأصيل، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولاً إلى إقامة المجتمع الخير.. والمجتمع الخير هو الذي يقوم على منهج الله.. قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية، شخصية وفردية؛ عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إنه لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله؛ وحين تطغى الجاهلية، وحين يقوم المجتمع على غير منهج الله؛ وحين يتخذ له شريعة غير شريعة الله. فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس، وأن تنبت من الجذور؛ وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان الله في الأرض.. وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئاً يرتكن إلى أساس.

وهذا يحتاج إلى إيمان. وإلى إدراك لحقيقة هذا الإيمان ومجاله في نظام الحياة. فالإيمان على هذا المستوى هو الذي يجعل الاعتماد كله على الله؛ والثقة كلها بنصرته للخير -مهما طال الطريق- واحتساب الأجر عنده، فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض، ولا تقديراً من المجتمع الضال، ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *