العدد 114 - السنة العاشرة – رجب 1417هـ – كانون الأول 1996م

الاقتتال الداخلي في كردستان العراق….. لمصلحة من؟

الاقتتال الداخلي في كردستان العراق….. لمصلحة من؟

بقلم: سرباز عبد الله كانيسكاني-السليمانية-كردستان العراق

إن تجدد القتال مرة أخرى في الآونة الأخيرة في كردستان العراق بين الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرازاني حدث جدير بالنظر والتأمل؛ ويستحق الوقوف عنده والحديث عنه، حيث نقلت وكالات الأنباء نبأ تجدد القتال بين الحزبين ونبأ مشاركة القوات العراقية في المعركة ودخولها مدينة أربيل بجانب قوات البرازاني.

كان بداية هذا الاقتتال بين الحزبين في الشهر الخامس من عام 1994م وما زال مستمراً بغض النظر عن الفترات التي أعلن فيها الهدنة ووقف إطلاق النار؛ حيث لم تسفر المفاوضات والاجتماعات التي عقدها الحزبان في داخل كردستان وخارجها عن إنهاء كامل للقتال أو وصول إلى صلح حقيقي وصادق بين الطرفين؛ بل كانت هذه الفترات التي يعلن فيها وقف إطلاق النار أشبه ما تكون بفترات الراحة التي تعطى للملاكمين كي يستعدوا فيها للجولة القادمة بعد راحة قليلة وأخذ توجيهات جديدة من المدربين ولكن مع الفارق الكبير بين جولات الملاكمة وجولات القتال بالحديد والنار الذي يأكل الأخضر واليابس ويهلك الحرث والنسل.

بعد هذا أتساءل: هل هذا الاقتتال بين الحزبين هو الطريق إلى تحقيق ما وعد به كلاهما الشعب الكردي في كردستان العراق من رفاهية وتطور؟ أو هو طريق للانتحار وإلقاء بالقضية الكردية إلى الهاوية!

وأقول ما هي المصلحة التي يحققها الحزبان للشعب الكردي بهذا الاقتتال، سوى مزيد من الدماء والأشلاء والدمار والخراب في البيت الكردي؟!

تبت يدا من اعتبر إشعال النار في بيت الشعب الكردي المسلم مصلحة.

وبالإضافة إلى ما سبق إذا التفتنا نحو زوايا أخرى نرى الآثار المرعبة التي يولدها الاقتتال الداخلي، ومن تلك الآثار على سبيل المثال لا الحصر:

1) إزهاق للأرواح دونما أي ثمن وإحراق الشباب الكردي وقوداً لمعركة لا طائل تحتها؛ بل هي معركة خاسرة أياً كانت النتائج.

2) ازدياد في أعداد المعوقين والأرامل والأيتام، والشعب الكردي في غنى عن هذه الأعداد الجديدة؛ حيث لديه ما يكفيه جراء المآسي السابقة مثل فاجعة حلبجة والعمليات التي سماها نظام بغداد بـ (الأنفال) وكذلك من ضحايا الألغام المتبقية من الحرب العراقية الإيرانية في مناطق كثيرة من كردستان.

3) إضاعة المبالغ الطائلة من أموال الشعب الكردي المسلم التي هو بأمس الحاجة إليها لتخفيف وطأة الحصارين المفروضين عليه (من قبل النظام العالمي الجديد ونظام بغداد) ولإعمار الخراب الذي لحق بمدنه وقراه على يد النظام البعثي إذ دمَّر (4500 – 5000) قرية.

4) زعزعة الأمن والاستقرار وتعطيل الأعمال إن كانت هناك أعمال، وإعطاء الفرصة للعناصر الانتهازية أو من يسمون بـ (تجار الحرب) لاستغلال الوضع لصالحهم.

5) إعطاء الاستمرارية للأسباب التي تساعد على بقاء المنظمات التبشيرية والمخابراتية المغطاة تحت اسم الإغاثة والعون الإنساني في المنطقة فترة أطول.

6) تعطيل الدراسة كما حصلت خلال فترة الاقتتال هذه لعدة مرات وعلى وجه الخصوص في جامعة صلاح الدين في أربيل، حيث اتخذ مقاتلو الحزبين الأقسام الداخلية مواقع للقتال بعد إخلائها من الطلاب.

7) التشجيع على الهجرة إلى خارج كردستان وخصوصاً من الطبقة المثقفة، وما تتبع هذه الهجرة من نتائج سلبية على أبناء الشعب الكردي المسلم حاضراً ومستقبلاً.

8) إيجاد الأحقاد والثارات بين صفوف الشعب الكردي المسلم، خصوصاً إذا عرفنا أن هناك عناصر تغذي إعطاء المعركة طابع الاقتتال بين عشائر منطقة (بادينان) التي تقع تحت نفوذ البرازاني وعشائر منطقة (سوران) التي تقع تحت نفوذ الطالباني.

وغير هذه من الويلات والخسائر التي تصاحب كل اقتتال داخلي… فأين المصالح والمنجزات لأكراد العراق في هذا الاقتتال؟ وما هي إجابة الحزبين على هذا السؤال؟!

كما أتساءل: أين الحزبان من شعاراتهما التي ما زالا يرفعانها؟

كل منهما يريد إزاحة الآخر بالحديد والنار… وبعض أفراد من الحزبين مرابطون في جبهات القتال يديرون رحى المعارك ويشرفون عليها بأنفسهم!

أين حقوق الإنسان التي لا تفارق ألسنتهم؟ وقد أزهقوا أرواح الأبرياء وتسببوا في تكثير أعداد الأيتام والأرامل والمعوقين!

أين السلام المكتوب في شاراتهم؟ وهم لا يعرفون إلا لغة البندقية!

أقول: بدل المسارعة في الترفيه عن الشعب الذي لم تلتئم جراحاته السابقة في حلبجة والعمليات المسماة بالأنفال والهجرة الجماعية وغيرها من المآسي والفواجع، وبدل السهر على إصلاح أحواله وإنقاذه من السؤال أمام أبواب المنظمات الأجنبية، والتخفيف عنه… بدل ذلك كله زدتم من جراحاته وأكثرتم من إيذائه حتى نادى فيكم: أين المفر منكم؟ بعد أن كان أبوابه وقلوبه مفتوحة لكم!

 وأصبح يشمئز من كلمة «بشمه ركه: الفدائي» بعد أن كانت كلمة محبوبة إلى النفوس؛ وذلك لارتباطها بالاقتتال الداخلي وبمَلْءِ الجيوب على حساب الشعب قبل الاقتتال وأثناءه، بعد أن كانت مرتبطة بالنضال من أجل الحصول على حقوق الشعب الكردي ورفع الظلم عنه.

ثم لا أنسى أن أنادي كل مقاتل شريف يحسب نفسه مخلصاً للشعب الكردي المسلم: بأن يرفع يده عن السلاح ويتوب إلى ربه، ويعود إلى أهله وأولاده، فهذا خير له من أن يكون وقوداً لمعركة خاسرة. وأذكّر أبناء الشعب الكردي المسلم: بأن هناك أيدي خفية تتآمر عليهم وتحيك حبال الكيد والغدر بهم في الظلام، كما فعلوا بإخوانهم في أفغانستان وما زالوا مستمرين.

وأقول لهم: إن الذين يديرون رحى هذه الحرب في كردستان العراق لا يخرجون عن كونهم (أنهم قد اختاروا هذا بإرادتهم) أو (أنهم مسيّرون من قوى خارجية) وكلا الأمرين شرّ!

فإذا كان اختياراً داخلياً…. فبئس الاختيار… وكيف تسيرون وراء من يشعل النار في داره بيده؟!

وإذا كان تسييراً خارجياً…. فبئس الخيانة للشعب الكردي المسلم… وبئس الاستجابة للمؤامرات الإقليمية والدولية… فهلاّ انتهيتم من السير وراء الخونة؟!

وفي ختام مقالي أوجه كلمة إلى بعض القوميين الأكراد الذين اختاروا القومية ديناً بدل الإسلام، رداً على تطاولهم وتشدقهم على «صلاح الدين الأيوبي» رحمه الله، إذ يزعمون:

بأنه لم يفعل شيئاً للأكراد ولم يقم بإنشاء دولة لهم، وإلى غير ذلك من الأقاويل الباطلة.

أقول لهم: إن صلاح الدين رحمه الله لم يقف عند توحيد الأكراد وتحرير أرضهم فحسب بل وحّد الأمة الإسلامية، ودان له بإسلامه وإخلاصه لربه الكرد والعرب والترك وغيرهم، وحرر أراضي المسلمين من دنس الصليبيين وغيرهم، ولم يشعل نار الاقتتال الداخلي بين الأكراد كما أنتم تفعلون اليوم.

إن صلاح الدين رحمه الله استطاع تكريس سلطته للنهوض بالأمة الإسلامية ومن ضمنها الشعب الكردي المسلم وقاوم الغزاة الأجانب ولم يتعاون مع أعداء شعبه الكردي المسلم وأعداء أمته الإسلامية، كما أنتم تفعلون اليوم؛ حيث تتعاونون مع أعداء الشعب الكردي المسلم وتستعينون بهم ضد بعضكم البعض.

إن صلاح الدين رحمه الله صاحب صفحات مشرقة في تأريخ الشعب الكردي المسلم والأمة الإسلامية، أما أنتم فقد بدأتم تسجيل تأريخكم بالإعراض عن ربّكم والارتداد عن دينه، وبتمزيق صفوف الشعب الكردي المسلم وتشتيته إلى أحزاب متناحرة، فولّى حزب وجهه قبل المشرق وآخر قبل المغرب وهلمّ جرّاً، كما دونتم في صفحات أخرى وقائع العمالة للأعداء الذين كنتم تحاربونهم في فترات سابقة، تحت اسم الدبلوماسية والحنكة السياسية ومقتضيات المرحلة، وغيرها من الصفحات السوداء التي لا مجال لذكرها في هذاالمقال.

وأخيراً: هلاّ عدتم إلى وعيكم وتركتم سبيل الغي والإجرام، وسلكتم سبيل الرشد والإيمان كما فعل صلاح الدين رحمه الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *