العدد 115 - السنة العاشرة – شعبان1417هـ – كانون الثاني 1997م

دمج الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية

بقلم: محمود عبد الكريم حسن

 نشرت مجلة «الصراط المستقيم» الصادرة في أميركا في عددها (59) جمادى الأولى 1417هـ. مقالة بعنوان «العمل السياسي في المجتمع الأميركي» بقلم الدكتور صلاح الصاوي مدير الجامعة الإسلامية المفتوحة في ولاية فرجينيا في أميركا. وقد وصفتها المجلة بأنها «رؤية فقهية تأصيلية تنشر لأول مرة». وقالت المجلة بأن هذه المقالة الدراسة كانت جواباً عن سؤال بعث به الأستاذ نهاد عوض المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية. وهو يسأل عن حكم الشرع الإسلامي في: 1- التسجيل للانتخابات لحَمَلَة الجنسيات الأميركية. 2- التصويت في هذه الانتخابات الأميركية. 3- التبرع بالمال والدعاوة لبعض المرشحين في برامجهم وحملاتهم الانتخابية، وذلك بهدف استمالتهم لدعم قضايا الجاليات الإسلامية. )هذا السؤال والجواب كانا بمناسبة الانتخابات الأميركية(.

وقد جاء في خلاصة إجابة الدكتور الصاوي ما يلي: «ولما كان كل من المصالح المستجلبة والمفاسد المستدفعة -كما يبدو من السؤال- ظاهراً راجحاً فالذي يترجح لدينا هو القول بمشروعية هذه المشاركة في ضوء الضوابط الشرعية المعتبرة في باب المصالح والمفاسد. ولما كانت الذرائع تأخذ حكم المقاصد، والوسائل تأخذ حكم الغايات فإن القيد في الجداول الانتخابية واستخراج البطاقات اللازمة لذلك مما يندرج في إطار هذه المشروعية».

في ردنا هذا لن نهتم كثيراً بالنتيجة والإجابة التي توصل إليها فضيلة الدكتور الصاوي، فهي معروفة من كل الذين تأثروا وانساقوا مع الحضارة الغربية، ومنهم السائل والمسؤول والمشرفون على المجلة ناشرة المقالة. وإنما الذي يهمنا أكثر في هذا الرد هو النهج الذي اتبعه الدكتور الصاوي في استنباط الأحكام والمصادر التي يستنبط منها، لأن غرضنا هو تنبيه المسلمين، ومنهم كاتب المقالة وناشرها، وتحذيرهم من الزلل والانحراف الخطِر، عن الإسلام، الذي يوصل إليه هذا النهج.

القواعد الفقهية:

لقد قدم الدكتور لمقالته بقواعد فقهية عدها لازمة للمسألة بحيث تحكمها وتضبط الاجتهاد فيها. القاعدة الأولى في السياسة الشرعية من حيث تعريفها وأمثلة عليها. القاعدة الثانية في أن الشريعة إنما جاءت لتحصيل مصالح العباد في العاجل والآجل، ولتحقيق أكمل المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين. القاعدة الثالثة في الذرائع ومآلات الأفعال. وذكر عندها أن الطريق إلى الحرام حرام وأن الطريق إلى المباح مباح!. القاعدة الرابعة: الأمور بمقاصدها. وأورد هنا حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى».

الواقع الضاغط:

ثم أفادنا صاحب الفضيلة بأن المسلمين في بلاد الغرب «جزء من واقع يحيط بهم ويتأثرون بما يقع فيه من خير أو شر لا محالة»، «لهم حقوق تمس الحاجة إلى صيانتها»، «لهم ناشئة تمس الحاجة إلى رعايتهم»، «لهم خصوم يتربصون بهم»، «لهم فضول أموال تمس الحاجة إلى تثميرها… بعيداً عن الربا والريبة». ثم إنه «لا يخفى أن هذه البلاد هي مركز صناعة القرار على مستوى العالم»، «فهل على المسلمين من حرج إن هم نَظَّموا صفوفَهم ووحدوا جهودهم واجتهدوا في المشاركة في توجيه السياسات الداخلية والخارجية بما يحقق مصالح المسلمين أو يدفع عنهم بعض المضار والمظالم».

ثم يقول: «إننا إذا استصحبنا القواعد السابقة في القضية موضع البحث فإنها تقودنا إلى القول بمشروعية هذه المشاركة رغم ما تتضمنه في الظاهر من بعض التجاوزات كإعانة ظالم على ظلمه أو كافر على كفره والسعي معه في إقامة ولايته وتثبيت حكمه وذلك اعتباراً للقواعد السابقة»، «فهذه المشاركة من جنس تدبير شؤون المسلمين في هذه البلاد بما يحقق مصالحهم ويرفع أو يخفف بعض المظالم الواقعة عليهم»، «وما تتضمنه من بعض المفاسد معارَض بالمصالح الكثيرة الراجحة..»، ثم قال: «ويتوجه نفس الحكم بالنسبة لدفع المال إلى أحدهم دعماً له في معركته الانتخابية..». ثم قال: «ولعل من نافلة القول أن نؤكد على أن القول بمشروعية المشاركة لا يعني مشروعية التورط في المحرمات المحضة كشرب الخمور والترخيص في المشاركة في مجالس الخنا بدعوى تألّف القوم واستمالة قلوبهم فإن مثل هذا لا يحل بوجه من الوجوه».

إقحام السياسة الشرعية:

وسنناقش الآن القواعد التي اعتبرها لازمة للمسألة. أما القاعدة الأولى في السياسة الشرعية، فلقد أقحم الكاتب موضوع السياسة الشرعية إقحاماً واضحاً وهو لا علاقة له بموضوع السؤال ولا بموضوع الجواب. فالمسؤول عنه هنا هو حكم لفعل أو أحكام لأفعال، فلا علاقة للسياسة الشرعية البتة في الموضوع. والحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بالفعل. فيكون المطلوب أولاً فهم واقع الفعل، هل هو زواج أو زنى، هل هو بيع أو ربا، هل هو جهاد أو عدوان وظلم، هل هو حكم بما أنزل الله أو بكفر، هل هو مما يُتقرب به إلى الله أو بدعة. هذا على سبيل المثال. ولا يهم إن كان يندرج تحت أبواب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ما شاكل. فموضوع السياسة الشرعية لا شأن له هنا حتى يقحم. هذا من جهة.

معنى السياسة الشرعية:

ومن جهة أخرى فإن السياسة الشرعية إنما يمارسها ولي الأمر. وكل ولي أمر ينبغي أن يكون له سياسة في ما يتولاه، حتى يقوم به، ويرعاه وفق هدىً معين، وحتى تكون هذه السياسة شرعية يجب أن تنتسب الأحكام التي تضبطها إلى الشرع. والشرع المقصود هنا هو الإسلام. ولا يمكن أن تنتسب إلى الإسلام إذا كانت مبنية على مجرد المصلحة أو المفسدة. فكل أحد، من مسلم أو كافر، له تقديراته وترجيحاته للمصالح والمفاسد، وينظر إليها، حالاً ومآلاً أو عاجلاً وآجلاً، بعين الترجيح وغلبة الظن عند عدم القطع، وليس كل ما يزعم أنه هدى هو هدىً حقيقةً (قل إن هدى الله هو الهدى)، وليس كل سياسةٍ هي شرعيةً. فلا يمكن أن تكون السياسة شرعية ما لم تكن محكومة بشريعة الإسلام. فحين نقول إن رب الأسرة هو ولي الأمر فيها ويرعى شؤونها، فيجب أن يرعاها بموجب أحكام الإسلام، وكذلك ولي أمر المسلمين وهو الخليفة، ولا يكون ذلك إلا بأن يطبق عليهم الإسلام ويرعى شؤونهم ومصالحهم بحسب الشرع. وكذلك الوالي.

وعندما يطلق لفظ السياسة الشرعية فإنما يقصد به عمل الأئمة وولاة الأمور في شؤون الحكم . ولا يقصد به عمل غير الحكام. فهذا اللفظ دلالته: رعاية الحكام شؤون الناس بالإسلام.

وقد أورد الكاتب تعريف ابن عقيل كما نقله ابن القيّم: (السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم  ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة).

الكاتب يناقض نفسه:

ونقول: هذا صحيح، وكان الكاتب نفسه أشار إلى أنه يشترط في السياسة الشرعية أن لا تصطدم بالشريعة وأن لا تخالف أصلاً كلياً أو جزئياً. ولكنا وجدناه عندما أعطى إجابته خالف الشريعة، إذ هو نفسه كرر في بحثه أن هذا الذي يعتبره مشروعاً هو منكر أو مناكر. فقد خالف أو صادم الشريعة، وخالف قواعدها. فما شأن هذا الموضوع إذاً في البحث؟ إذ إنه أتى بها وخالفها، ولم يكن لها أي شأن آخر في الإجابة سوى أن يذكرها ويخالفها. وإن كان عنده جواب بأن القواعد التي ستأتي تجيب على مخالفتها، فكان بإمكانه الدخول مباشرة فيما عده القاعدة الثانية.

وإن كان يرى الكاتب أن له مدخلاً أو مبرراً لمصادمة النصوص أو الجزئيات بإيراده تعريف ابن عقيل (وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط)، فقد أخطأ، إذ إن هذا القول يفيد أنه لا يشترط لجواز الفعل أن يكون الشرع قد نص عليه بعينه، أما إن صادم نصّاً من نصوص الشريعة عاماً أو خاصاً أو قاعدة شرعية فإنه يكون حراماً. هذا ما نص عليه ابن عقيل، وهذا ما نص عليه الكاتب. فإذا كانت هذه الأفعال منكرات، تكون منكرات، ولا يرفع حرمتها أن تكون من أعمال رعاية الشؤون أو أن لا تكون، أي أن تكون أعمالاً سياسية أو غير سياسية، ولا يشفع لها تسميتها خطأً، سياسة شرعية.

وأما قول الكاتب: «فهذه المشاركة من جنس تدبير شؤون المسلمين في هذه البلاد بما يحقق مصالحهم…. والمنتصبون للقيام بها وكلاء عن المسلمين في تحقيق هذه المصالح أو رفع هذه المظالم، وليسوا وكلاء عن غير المسلمين في إقامة ولايتهم أو استدامة تصرفهم فيترجح القول بالمشروعية وفقاً لقاعدة الأمور بمقاصدها». فلا بد من كلمة فيه. لقد سبق وبينا أن تدبير شؤون المسلمين لا يصح أن يكون إلا بأحكام الإسلام ووفق أحكام الإسلام. والمصلحة لا تكون مصلحة إلا بأن يقرها الشرع.

ليسوا وكلاء في الحكم:

أما قوله إن القائمين بها وكلاء عن المسلمين ليس عن غيرهم، فكلام لا طائل تحته، أولاً. والوكيل سواء عن المسلمين أو عن الكفار لا يجوز له مخالفة الشرع، ثانياً. والقول بأنهم وكلاء عن المسلمين غير صحيح، ولا قيمة له، ثالثاً. ويجب أن يُعْلَمَ أنه ليس هناك حالياً أي صلاحية، لا واقعاً ولا شرعاً، وليس هناك سلطان، لا واقعاً ولا شرعاً، لأيّ كان، عالماً أو جمعية أو حزباً، أو أي فئة لأن يطلب أو يفرض أحكاماً معينة على أنها سياسة شرعية لممارستها أو تطبيقها وتنفيذها الآن، فإن حصل أن رُسِمَت هكذا سياسةٌ للتنفيذ، فعلى أساس أن تطبق عندما تتوفر ظروفها، وهي السلطان الشرعي والصلاحية الشرعية. أما من جهة الواقع فواضح أن من يرسم سياسة شرعية لتنفيذها في ظل سلطة الكفر فإنما هو غير فاهم للأمور، وجاهل بالأسباب وبالمآلات. والأهم من هذا ما يقرره الشرع من أن أمر السياسة الشرعية منوط بولي الأمر، وهو من اختارته الأمة بالطريقة الشرعية وبشروطه الشرعية لهذا المنصب، وليس من نصب نفسه في زاروب أو مدرسة أو في مجلس علاقات. وفي كل الأحوال لا مُسَوِّغَ لإقحام موضوع السياسة الشرعية في ذلك.

المصالح والمفاسد:

أما القاعدة الثانية التي جعلها الكاتب أساساً ومنطلقاً لإجابته، وهي أن الشريعة إنما جاءت لتحصيل مصالح العباد في العاجل والآجل، وأنها جاءت لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وبدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما عندما تتلاقى المصالح والمفاسد في مناطٍ واحدٍ أو يستلزم أحدهما الآخر لسبب أو لآخر. وقوله بعد ذلك: «وبإعمال هذه القاعدة نجد أن المشاركة السياسية المنضبطة وما يترتب عليها من صيانة حقوق الجاليات المقيمة في (هذه) البلاد ورفع بعض الظلم الواقع (عليهم) أو (تخفيفها) تمثل مصلحة راجحة ينغمر فيها ما قد تتضمنه هذه المشاركة من بعض المفاسد المرجوحة» فغير صحيح. وقد استدل الكاتب لكلامه بأقوال للفقيهين عز الدين بن عبد السلام والشاطبي. ولقد درج كثير من المعاصرين على استعمال أقوال هذين الفقيهين وخصوصاً الشاطبي في غير مواضعها. فلننظر:

ما طلبه الشرع فهو مصلحة وما منعه فهو مفسدة :

لقد بين الفقيهان الأصوليان عز الدين بن عبد السلام في كتابه: (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، والشاطبي في كتابه: (الموافقات) أن المصالح والمفاسد إنما هي بجعل الشرع لها كذلك. وأن ما طلبه الشرع فهو مصلحة، وما نهى عنه الشرع فهو مفسدة، أُدْرِكَ ذلك بالعقل أم لم يُدْرَكْ. فالأوامر والنواهي هي التي تكشف المصالح والمفاسد، والقواعد التي قُرِّرت عندهما بشأن المصالح والمفاسد – وقد استعمل الكاتب بعضها – لا تتدخل فيما فيه نص ولا تعود عليه بالإبطال ولا بالتأكيد. وإنما هما يستنبطان قواعد المصالح والمفاسد لتطبيقها فيما لا نص فيه. وتفصيل ذلك أن ما جاء النص بطلب فعله فهو مصلحة من حيث إنه مأمور به، وما جاء النص بطلب تركه فهو مفسدة من حيث إنه منهيٌّ عنه. وهذه الأفعال لا يُنظر في أحكامها من جهة المصلحة والمفسدة. ولذلك فأحكامها ثابتة دائمية ولو كانت ظنية. هذه مسألة.

مآلات الأفعال:

والمسألة الثانية أن هذه الأفعال لها مآلات أو نتائج أو مسبَّبات جعلها الشارع كذلك بحسب سنن الكون أو مجال العادات، كالأكل يؤدي إلى الشبع، والضرب يؤدي إلى الألم، والنار تحرق. فإذا كان الفعل مطلوباً يكون المسبَّب أو الناتج عنه – بحسب وضع الشارع – مطلوب الوقوع، ولكن ليس على وجه التكليف، فإذا كان المسبَّب مطلوب الوقوع يعد مصلحةً. وإذا كان الفعل منهياً عنه، فالفعل سبب لمسبَّب، فيكون المسبَّب غير مطلوب الوقوع فيكون مفسدة. ولكن الأمر والنهي لا ينصبّان على المسبَّب أو النتيجة أو المآل لأن المسبَّب ليس من فعل العبد وإنما من فعل الله. والأمر والنهي ينصبّان على الفعل وهو السبب. ومرةً أخرى نؤكد أن القواعد المستنبطة للمصالح والمفاسد عند الفقيهين ليس مجال عملها الأفعال التي جاء النص، عاماً أو خاصاً، بطلب فعلها أو تركها. إذ هذه منها يفهم ما هو مصلحة وما هو مفسدة، ومنها يصاغ ما يسمى القواعد الكلية والقطعية. وإنما مجال عملها هو نتائج أو مآلات أو مسبَّبات الأفعال التي لا نص فيها. هذه هي المصالح والمفاسد عند العلماء الذين ربطوا الأحكام بالمفاسد والمصالح، أو المفاسد والمصالح بالأحكام.

المآل يعتبر إذا كان قطعياً:

المسألة الثالثة: أن هذه المسبَّبات كونها مصالح أو مفاسد ليس قطعياً، فهي مأخوذة أصلاً من أحكام ظنية، فإذا كان طلب الفعل مثلاً ظنياً، يكون طلب وقوع مُسَبَّبه ظنياً. وحتى يصح الاعتبار للمسبَّب يجب أن يكون قطعياً لأنه من الكليات أي من الأصول (سيتبيَّن هذا بعد قليل إن شاء الله)، فكونه ظنياً لا يفيد في استثمار حكم لفعل لا نص فيه. وكي يتأتى ذلك، أي القطع، فإنه ينظر في كثير من الأفعال التي طلبها الشارع، وهي أفعال مختلفة، ولكنها متفقة في مآلها أو نتيجتها أو مسبَّبها، أو في جزء من ذلك، فإذا علم كون ذلك المسبَّب مطلوب الوقوع – من حيث كونه مسبَّباً وليس بالتكليف – يُعلم حينئذٍ أن هذا المسبَّب مطلوب الوقوع على وجه القطع، فإذا كان كل واحد من أحكام طلب الفعل معناه أن المسبب مطلوب الوقوع على سبيل الظن وبالتالي هو مصلحة على سبيل الظن، فإن كثرة هذه الأحكام التي تعطي هذا المعنى لمسبَّب واحد تفيد أن هذا المآل أو المسبب مصلحة على سبيل القطع، وذلك كالتواتر في الحديث الذي يؤخذ من كثرة وتضافر الآحاد. وأؤكد مرة أخرى أن هذا هو ما عند الشاطبي، فإذا ما كانت هذه المصلحة قطعية، اعتبرت. فصارت أصلاً يستفاد منه في استثمار الأحكام. فإذا ما نظر المجتهد في فعل لا نص فيه، فإنه ينظر في مآله ومسببه أو نتيجته أو ما يؤدي إليه ذلك الفعل، فإذا كان مؤدياً إلى مصلحة قطعية، علمت كونها كذلك بالطريق الذي بيناه قبل قليل، فإن الفعل المطلوب له الحكم، يأخذ حكم تلك المصلحة، على تفصيل لسنا بصدده. وكذلك يقال بالنسبة للمفسدة في حالة النهي عن الفعل. فإذا ما تقررت المصالح هكذا وكانت قطعية، صلحت لأن تكون مأخذاً لأحكام الأفعال التي لا نص فيها. فهو (الشاطبي) يشترط القطع بالمصلحة لأنها مأخذ للأحكام أي أصل، وما لم تكن كذلك فلن يُبنى عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، فيكون وضعها في أصول الفقه عارية. وكتَّاب الأصول المعاصرون الذين يستعملون أصول الشاطبي، بعكس مراده منها، عليهم أن يعيدوا دراسة (الموافقات) بتدبر، على الأقل الجزء الأول منه.

نُقول من الشاطبي وابن عبد السلام:

لا نستطيع هنا إيراد جميع النصوص التي تؤكد ما ذكرناه. وإنما نذكر شيئاً يسيراً منها لعله يُغْني: (كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به)(1). وقال: (لا يقال: يلزم من هذا اعتبار كل مصلحة، موافقةً لمقصد الشارع أو مخالفة. وهو باطل. لأنا نقول: لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضَعَها الشارع كذلك..)(2) وعليه، فقواعد المصالح والمفاسد عند ابن عبد السلام والشاطبي لم يجرِ بحثها على أساس ما يُعَدُّ مصلحة بالتقدير العقلي، أو بحسب مجاري العادات والتجارب والظنون، فإنهما كانا أبعد ما يكون عن ذلك، وما يُعَدُّ مصالح أو مفاسد على هذا الأساس ذُكِرَ عندهما باسم: الغرض أو حظ العبد، أو الشهوات أو الأهواء. ومن ينظرْ إلى المصلحة والمفسدة بهذا الاعتبار ليستنبط الأحكام يجدْ لنفسه في كتابيهما من الذمِّ الشيءَ الكثيرَ. وبهذا يدرك من يقرأ مقال الكاتب وفتاويه – موضوع بحثنا – ، أنه كان يفتي اعتباطياً ويقرر القواعد اعتباطياً، ويستشهد بنصوص الفقيهين اعتباطياً. وفيما يلي بعض النصوص عند الفقيهين:

قال العز: (فكل مأمورٍ به ففيه مصلحة الدارَيْن أو إحداهما، وكل منهيّ عنه ففيه مفسدة فيهما أو إحداهما)(3). وقال: (فلا نسبة بمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها، لأن مصالح الآخرة خلود الجنان ورضى الرحمن…. ومفاسدها خلود النيران وسخط الديان)(3). وقال: (والمصالح ثلاثة أنواع: أحدها مصالح المباحات، الثاني مصالح المندوبات: الثالث: مصالح الواجبات. والمفاسد نوعان: أحدها: مفاسد المكروهات، الثاني: مفاسد المحرمات)(3) وقال أيضاً: (أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح)(4). وقال: (وكذلك لا حكم إلا له (أي لله) فأحكامه مستفادة من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحداً لم يؤمر بتقليده…)(5). وقد ابتدأ خطبة كتابه بقوله: (الحمد لله الذي خلق الإنس والجن ليكلفهم أن يوحدوه ويعبدوه….. وحثهم على الاقتداء والاتباع، كما زجرهم عن الاختلاق والابتداع، كذلك أمرهم بتحصيل مصالح إجابته وطاعته، ودرء مفاسد معصيته ومخالفته….. فعرَّفهم ما فيه رشدهم ومصالحهم ليفعلوه، وما فيه غيهم ومفاسدهم ليجتنبوه، وأخبرهم أن الشيطان عدو لهم ليعادوه ويخالفوه، فرتب مصالح الدارين على طاعته واجتناب معصيته، فأنزل الكتب بالأمر والزجر والوعد والوعيد…). فمن هذه النصوص، وغيرها كثير، نفهم مراده بالمصلحة والمفسدة. وقال: (والخير كله في الطاعات والشر كله في المخالفات)(6). وأما الذين يزعمون الباطل ويسعَوْن في التأصيل لإباحة فعل الحرام بحجة بدعة الموازنات أو السياسة الشرعية فيقول فيهم: (والذي يسمِّيه الجهلةُ البطلةُ سياسة وفعل المفاسد الراجحة أو ترك المصالح الراجحة على المفاسد، ففي تضمين المكوس والخمور والأبضاع مصالح مرجوحة مغمورة بمفاسد الدنيا والآخرة: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل)….. أسكرتهم اللذات والشهوات فنسوا الممات وما بعده من الآفات، فويل لمن ترك سياسة الرحمن، واتبع سياسة الشيطان، وارتكب الفسوق والعصيان، أولئك أهل البغي والضلال)(7).

أما الشاطبي فقد تبين مقصده من المصلحة والمفسدة فيما سبق، وهناك مقال حول مقصده منهما في العدد (88) من «الوعي» بعنوان: (رد افتراءات على الشاطبي)، يفيد في غرضنا هذا، وسنكتفي هنا بقليل من أقواله لتحقيق الغرض. يقول: (فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل…)(8) ويقول: (إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له، فقد يكون ساعياً في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلاً لا آجلاً، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربو في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرِّها، وكم من مدبِّرٍ أمراً لا يتم له على كماله أصلاً، ولا يجني منه ثمرةً أصلاً، وهو معلوم مشاهد بين العقلاء، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال، بخلاف الرجوع إلى ما خالفه)(9).

فما يقوله بعض كتاب الأصول المعاصرين -ومنهم كاتب المقالة موضوعنا – بخصوص المصالح والمفاسد وينسبونه إلى بعض العلماء المعتبرين، غير صحيح، ولو كانت نسبته إلى هؤلاء العلماء صحيحة، لما كانوا معتبرين، إذ مثل هذه الأقوال وهذه الأفهام لا تصدر عن عالم معتبر. فهي تتضمن إلغاء الشريعة، ويلزم منها عدم الحاجة إلى الشريعة، ومؤداها أن تكون شريعتنا قواعد وقوانين وضعية، من وضع البشر. وهذا باطل .

)يتبع في العدد القادم إن شاء الله(

الهوامش:

(1) – الموافقات. ج1، ص16: (دار الرشاد الحديثة).

(2) – المصدر نفسه. ج1، ص17.

(3) – قواعد الأحكام في مصالح الأنام. ج1، ص9 (مؤسسة الريان).

(4) – المصدر نفسه. ج1، ص10.

(5) – المصدر نفسه. ج2، ص304.

(6) – المصدر نفسه. ج1، ص18.

(7) – المصدر نفسه. ج1، ص49.

(8) – الموافقات. ج2، ص31.

(9) – المصدر نفسه. ج1، ص243.


 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *