العدد 115 - السنة العاشرة – شعبان1417هـ – كانون الثاني 1997م

الزواج المدني

اقترح رئيس الجمهورية في لبنان في ذكرى ما يسمى الاستقلال (22/11/96) سن قانون لتشريع الزواج المدني في لبنان. ورفض المسلمون هذا الاقتراح بشدة. ورفضه النصارى أيضاً ولكن بشكل هادئ. المسلمون بجميع مذاهبهم رفضوه واستنكروه وهاجموه، وبيّنوا أن نظام الزواج هو جزء لا يتجزأ من الدين والتخلي عنه هو تخلٍ عن جانب من الدين. وكذلك السماح بسن قانون مدني للزواج مع بقاء القانون الشرعي إلى جانبه ليختار الشخص ما يشاء هو فتح لباب التفلت من الدين والولوج في الحرام. وهذا موقف جيّد وقفه المسؤولون في دار الفتوى والمجلس الشيعي وغيرهم ممن تحدث في الموضوع. ولكن نحن نسأل هؤلاء المسؤولين: لماذا تنظرون إلى الدين بعين واحدة، فترون أن شؤون الزواج هي جزء لا يتجزّأ من الدين ولا ترون بقية الدين؟ أليس نظام الاقتصاد والحكم والتعليم والعقوبات والعلاقات الداخلية والدولية أليست هذه كلها جزءاً لا يتجزأ من الإسلام؟ هل يبيح الإسلام الربا والخمر والقمار (بالأمس افتتح رئيس الجمهورية كازينو لبنان بعد أن أنفقوا عليه ما يزيد عن خمسين مليون دولار للترميم والصيانة) وهل يبيح الخلاعة والزنى والارتداد عن الإسلام بحجة الحرية؟! لماذا هذا التناقض يا رجال الإفتاء؟ نحن نريدكم أن لا تخافوا ولا تيأسوا، فالمسلمون بخير، ومتجهون إلى الخير إن شاء الله . ونعود إلى موضوع الزواج المدني:

1- الزواج المدني يعني -من حيث المبدأ- اقتطاع «الجزء»، أو «الجانب» من حياة المسلمين الذي أبقي لهم بعد الاستعمار ونقل أنظمته إلى البلدان الإسلامية، أبقي لهم منظماً على أساس دينهم، وهو الأحكام المتعلقة بالزواج ونظام العشرة الزوجية وما يتفرع عن عقود النكاح من مفاعيل، وهذا هو الفرع الجوهري مما يسمى بـ «الأحوال الشخصية».

2- فيكون الاقتطاع هذا -أي فرض الزواج المدني كبديل عن الشرعي- بمثابة إكمال لفرض أحكام الكفر على المسلمين، حتى لا يبقى لهم من علاقة لدينهم بالحياة شيء، ويقتصر إسلامهم على ارتيادهم المساجد، لمن يشاء منهم.

3- ذلك أن الزواج المدني ينبثق عما يسمى «بالعلمانية» والعلمانية تعني إقصاء الدين -كلياً- عن الحياة، ورسم كل التشريعات في جميع شؤون الحياة على أساس وضعيّ، تقرر فيما يسمى بالمجالس التشريعية (البرلمانات).

وهذا يعني الانسلاخ مما تبقى من التشريعات التي يرجع في تنظيمها إلى الوحي.

4- فالفارق الجوهري بين الزواج الشرعي، وما يسمى الزواج المدني، يتمثل في «لون الانتماء». فالزواج الشرعي تقرر أحكامه من عقود وشروط فيها والدوافع إليها، أي إلى الزواج، وما يتفرع عن علاقات بين الزوجين، يقرر هذا بموجب أحكام يلتزم بها تطبيقاً لشرع الله تعالى واستجابة لأحكامه، وهذا معروف لدى كل مسلم، هذا، بينما -الزواج المدني- هو زواج مبني على الرغبات الجنسية بين العاقدين، لا صلة لها بدينهم، فهي أقرب إلى الحيوانية منها إلى الإنسانية، وأما العلاقات، فيتحكم بها -بدلاً من دين الله تعالى، ما يرسم من قوانين لها، وتمليه الغرائز بين الجنسين، وتتقاذف كلاً من الزوجين الأهواء والأمزجة.

5- ثم إن من الفوارق بين نوعي الزواج، أن الشرعي ضوابطه محددة في الأحكام الفقهية، وكذا شروطه، فالقوامة فيه للرجل، والنفقة تتوجب عليه دون المرأة ولا يبيح إلا نكاح المسلمة للمسلم لا غير، ولهذا النكاح شروط مقررة في الكتاب والسنة من مؤهلات، وموانع، كما أنه يحدد شروط التفريق من طلاق أو سواه، إلى غير ذلك مما هو معروف من أحكام النكاح.

6- ولعل من أهم ما يتميز به نظام الزواج في الإسلام، قوامة الرجل على نسائه زوجته وبناته، فليس للمرأة أن تباشر مطلق التصرف، بل ما هو مباح لها أو واجب عليها تجاه زوجها أو أولادها، كما أن البنت هي تحت إمرأة أبيها لا يسمح لها في أن تعقد علاقة غير شرعية -على الأخص جنسية، مع شاب وإن كان مسلماً- إلا على أسس يقرها الشرع ويقصد بها إنشاء علاقة زوجية.

هذا، بينما -الزواج المدني- يطلق الحرية للمرأة في ما يجيز الدين أو يحرم، كما يعطي البنت حق العقوق وإنشاء علاقات غير شرعية، لا يستثنى أن تكون العلاقات هذه مع غير المسلم.

فالزواج المدني ينقض رعاية الوالد لبناته ويحرمهم -وإياهم- الحفاظ على عفافهن وكرامتهن، ويعطي البنت مطلق الحرية في التصرف، فلها أن تلزم بيت أهلها، أو تفارقه، وأن تتحلل من أخلاقها الإسلامية، وتسترجل، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة المسترجلة.

7- والفوارق لا تقف عند ما سبق، بل تتجاوزه إلى المفاعيل التي تتفرع من الزواج، من حمل وولادة وإنجاب، ثم حضانة، وما يترتب على الموت أو التفريق من حقوق، وتوزيع تركة (إرث) ووجوب نفقة، إلى غير ذلك مما يتفرع عن الزواج من جوانبه وتفرعاته كافة، وإن كان أمثال هذه الأحكام قد يؤخر: خداعاً وتضليلاً.

8- ولكل من الزوجين -في الزواج المدني- حق في أن يضع الشروط التي يرغبون بمحض التراضي، لا يستثنى شيء من شؤون العشرة، كالنفقة، فيمكن أن يتراضيا على أن تكون مناصفة بين الزوجين، أو حتى على الزوجة دون الزوج مع أن الله تعالى فرض أن تكون على الزوج. قال تعالى: (وعلى المولود له [وهو الزوج]، رزقهن [ويشمل الأكل واللباس وكل حاجة للمرأة] وكسوتهن بالمعروف).

وملخص القول: إن ما يسمى مشروع الزواج المدني، يمثل عملية انتزاع البقية الباقية من أحكام الشرع من حياة المسلمين، فهل يكون هذا حافزاً للمسلمين ليستيقظوا ويهبوا ليعيدوا الإسلام كاملاً بدل أن تُنزع منهم البقية الباقية من إسلامهم؟ هل تأخذهم الحمية الإسلامية فيندفعوا لإقامة الدولة الإسلامية (الخلافة) التي تطبق الإسلام كاملاً ليس في لبنان وحده (لأن لبنان لا توجد فيه مقومات الدولة فضلاً عن أن تكون الدولة الإسلامية) بل في البلاد العربية الإسلامية؟ وما ذلك، إن شاء الله، ببعيد. وما ذلك على الله بعزيز .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *