العدد 116 - السنة العاشرة – رمضان 1417هـ – شباط 1997م

دحض الزعم القائل: إن الإسلام لم يأت ليقيم دولة، وإنما جاء كدين

من كتاب: «أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ»

تأليف: الدكتور جمال عبد الهادي مسعود (أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الشريعة جامعة أم القرى-السعودية)، والدكتورة وفاء محمد جمعة (أستاذة كلية الشريعة (طالبات) بجامعة أم القرى-السعودية) – دار الوفاء/المنصورة 1409هـ/1989م.

الادعاءات التي ادعاها ويدعيها بعض المعاصرين من المشتغلين بالتاريخ والسياسة، بتأثيرات أجنبية غير إسلامية، من أن الحكم ليس من الإسلام هو خروج عن جماعة المسلمين بل عن الإسلام، وهي لا تخلو من أحد احتمالين: إغراق في الجهل والعناء أو ضلوع في المؤامرة التي يقوم بها أعداء الإسلام، لتحطيمه والحيلولة دون يقظة شعوبه وقيام حكم اللـه في الأرض. وكل سير في تأييد هذا الاتجاه والاعتماد على أصحابه هو موالاة أعداء الإسلام من المستعمرين والطامعين بالنفوذ في بلاد الإسلام من مختلف الدول والعاملين ظاهراً في هذا الركاب باسم العلم والبحث العلمي (أنظر محمد المبارك، نظام الإسلام الحكم والدولة، دار الفكر، ص37).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد للناس من إمارة برة أو فاجرة. فقالوا له هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة، أجابهم بقوله: يؤمَّن بها السبان، وتقام بها الحدود ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء».

هذا زعم معناه أن الإسلام لا يصلح أن يكون نظام حياة شاملاً: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وعسكرياً.. إلى غير ذلك من شئون الحياة، وبمعنى أخص، في زعم القائل، إن الإسلامَ لم يتطرق إلى شكل الحكم في الدولة الإسلامية، أي إن الحكم ليس من الإسلام.

وهذا الزعم غريب على الإسلام، لأن  الحكم جزء من الإسلام، والإسلام في ذاته وفي أصل تعاليمه ومتطلباته يقتضي من المؤمنين به إقامة دولة على أساسه، لأن إقامة الدولة الإسلامية واجب بحكم الكتاب وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين – رضوان اللـه عليهم أجمعين – وبحكم الإجماع لتحقيق الأهداف التي شرعها اللـه سبحانه وتعالى وهي:

  • نشر الإسلام وحماية العقيدة الإسلامية التي بها يتم تحرير الإنسانية ومجاهدة من يعاديها، ويقف عقبة في سبيل نشرها وتعليمها والدعوة إليها، لتصبح في النهاية كلمة اللـه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ليس في دولة الإسلام فحسب، ولكن في الأرض كلها، ويستلزم ذلك إرسال السفراء والرسل وإعداد الجيوش وعقد الألوية، وتحصين الثغور.

  • تنفيذ شريعة اللـه عز وجل وأحكامه وإقامة الحدود. وإقامة العدل ومنع الظلم وحماية الضعفاء والعاجزين ومعاقبة المجرمين والمعتدين على حقوق اللـه أو حقوق الناس، وكفاية المحتاجين والعاجزين وجباية ما يوجبه أو يسمح به الشرع من الأموال وحفظها وإنفاقها لتحقيق هذه المقاصد وبلوغ الأهداف. وكذلك تحرير الإنسان من العبودية والخضوع لغير اللـه مطلقاً.

  • تربية الأمة على مفهوم الإسلام الشامل.

  • تقليد النصحاء واستكناه الأمناء أعمال الدولة، لتكون أعمال الدولة مضبوطة على أن توكل الأعمال لمستحقيها المستأهلين لها.

ولقد حدد الإسلام قواعد وأركاناً يقوم عليها بناء الدولة في الإسلام وتعتبر هي الضمان القوي لبقائها وثباتها وتنفيذ أحكام اللـه بمعزل عن تلاعب الأهواء بها:

أولاً: وحدة الأصل البشري:  فالبشر كلهم عبيد للـه، أصلهم واحد، فلا تفاوت بينهم في الكرامة الإنسانية، وفيما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات، وينبثق عن هذا المفهوم، أن الحكام والمحكومين، والراعي والرعية متساوون في نظر الشريعة الإسلامية، من جهة الحقوق والواجبات، فلا امتياز لبعضهم على بعض، من حيث الأصل؛ وإنما التفاوت بحسب المقدرة والعمل والجهد، وما يستوجبه توزيع الأعمال واختلاف الاختصاصات. وينبني على هذا، إنه لا يعفى من المسؤولية أحد، فكل واحد مسئول عن عمله، فليس لأحد حصانة أمام الحق الذي عليه، تعفيه من المسئولية أو تحميه من نتائجها.

ثانياً: لا خضوع مطلق إلا للـه:  ليس لأحد من البشر، فرداً كان أو جماعة، يستحق أن يخضع له الآخرون خضوعاً مطلقاً، غير مقيد، لأن هذه الصفة، يستحقها اللـه خالق الإنسان، فاطر السموات والأرض وحده دون شريك، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الفرد والسلطة، بين المواطنين والدولة، علاقة تنظيم، فهي طاعة في حدود الشريعة، أحكامها ومبادئها. أي أنها ليست خضوعاً وإذعاناً، بل هي طاعة مقيدة بحدود نظام معين محدد لا قدرة للحاكم على تغييره، لأنه نظام إلهي صالح للبشر، وهو الحكم بين الفريقين إذا حصل الاختلاف والتنازع؛ ولكن الحاكم يخضع في أعماله وممارسته سلطته للرقابة والممارسة والمناقشة، كما يكون للأمة الحق في تقويم الحاكم أو عزله إذا عارض الشريعة وتنكر لها، وفي أحوال ذكرها الفقهاء ومنها العجز عن القيام بأمر الحكم.

ثالثاً: اللـه هو صاحب الحق في التشريع:  فالحاكم ليس مشرعاً، وإنما هو منفذ لشريعة إلهية تحددت في كتاب ثابت النص هو القرآن، والسنة. إلا أن الإسلام يفسح المجال، أمام الاجتهاد فيما لا نص فيه، وفيما جاء النص فيه عاماً، في صورة مبادئ عامة، وقواعد كلية. فهذا الاجتهاد الذي يمكن أن يعتبر نوعاً من التشريع في حدود مبادئ الشريعة لا يستبد به الحاكم وإنما يكون من حق الاختصاصيين، وإذا تعددت الآراء الاجتهادية فالفصل بينهم لا بد فيه من الشورى(1).

رابعاً: المسلمون مستخلَفون:  لتحقيق رسالة الإسلام في الأرض، والبشر، كلهم في الأصل مستخلفون من اللـه في هذه الأرض، ابتلاءً وامتحاناً، في مقابل تمييز الإنسان، بما ميزه اللـه عن مخلوقاته من حرية اختيار، وإرادة وعلم وقدرة. والمؤمنون بدين اللـه المبلَّغ بواسطة أنبيائه مستخلفون من اللـه لتنفيذ شريعة الإسلام المنزلة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

خامساً: صلة المسلمين:  الذين يجب أن ينتموا إلى دولة الإسلام، ويرتبطوا بها، هي صلة أخوة بالعقيدة، وصلتهم بالدولة ورابطتهم التي تشدهم إليها هي رابطة انتماء اختياري، إلى عقيدة إيمانية، وإلى شريعة منزلة، وليست رابطة نسب قبلي أو عنصرية قومية. كذلك كانت دولة الإسلام دولة عقيدة وشريعة ودولة نظام الإسلام. وهي مفتوحة لمن يختارون الانتماء إليها، وليست دولة وطن وتراب، ولا دولة جيش أو قوم، وإنما هي دولة الاختيار الإنساني للنظام الإلهي في الحياة.

سادساً: الإنسان مخلوق محكوم بحكم اللـه  الذي خلقه وسواه ونفخ فيه من روحه، ومنحه صفات القدرة والعلم والحياة والإرادة: (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) )الإسراء 70(، وهو بهذه الصفة، صفة التكريم الإلهي، له حقوق ليس لأحد أن ينتهكها، حتى هو نفسه لا حق له أن يهدرها، أو يتنازل عنها، ولا حق لأحد أن يهدر حريته فيسرقه أو يبيعه، ولا حق له هو نفسه أن يبيع نفسه أو غيره من باب أولى، ولا حق لأحد أن يغير خلقة اللـه أو يشوهها فيمثل به، ولا حق له هو نفسه أن يتلف عضواً من أعضائه، أما العقوبات على اختلاف درجاتها فهي جزاء له في مقابل أعمال تتناسب معها لتحقيق مبدأ الحياة الإنسانية سليمة. وعن هذا المبدأ تنبثق حقوق الإنسان في الإسلام من حماية النفس والعقول والكرامة ومنع القتل والسكر والتعذيب والتمثيل وحجز الحريات والشتم بالنسبة لجميع البشر.

كما أنه هناك مبادئ أساسية أوجب الإسلام ضرورة مراعاتها في تأسيس الدولة الإسلامية:

1- التشريع مصدره، كتاب اللـه عز وجل وهو القرآن الكريم، وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

2- الحاكم نائب عن الأمة فيما يقوم به، ويقوم بخدمة الأمة، وهو مقيد بذلك بأحكام الشريعة ليس له أن يتجاوزها.

3- ما في الدولة من أموال وحقوق معنوية ليست ملكاً للحاكم إنما هي حقوق للعباد وهو وكيل عليها.

4- وعقوبة المجرم ليست حقاً شخصياً للحاكم يسامح به بل هو ملزم بتطبيق ما تقرره الشريعة من عقوبة. فذلك حق اللـه وحق الناس في آن واحد.

5- الشورى (مع ملاحظة أنه لا شورى في قضايا العدل، أو الحق أو ما فيه نص).

6- ما يأخذه الحاكم لقاء عمله من مال يخصص له، هو حق له.

7- المسئولية: ليس للحاكم حصانة خاصة، وعلى هذا يمكن أن يكون مدعياً ومدعى عليه، وهو مسئول أمام اللـه ثم أمام الأمة.

8 – حق الأمة في المحاسبة والمراقبة والنقد.

9- للأمة بمجموعها ملكية مستقلة لا حق للحاكم أن يتصرف بها إلا وفقاً لقواعد الشريعة.

10- المساواة بين الناس أصل من أصول الإسلام، فقواعد الملكية وأحكام المعاملات في البيع والإجارة والرهن والشركة لا تختلف بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم، وجميع الناس أمام حكم القضاء سواء.

11- العدل مبدأ أساسي وهو واجب حتى في حق الأعداء، وفي مقابل ذلك ندد القرآن بالظلم والظالمين وجعل الظلم سبب هلاك الأمم. وللعدل في دولة الإسلام صورتان: إحداهما تتمثل في منع الظلم وإزالته عن المظلوم، والأخرى تتعلق بالدولة وقيامها بحق أفراد الشعب في كفالة حرياتهم وحياتهم المعيشية.

12- الحقوق الإنسانية: حماية الأنفس والأعراض والعقول والأموال والأخلاق والدين، فمن واجب الحاكم حمايتها ومنع الاعتداء عليها.

13- التكافل الاجتماعي؛ فكفالة الناس بعضهم لبعض في المعيشة فرض ضمني في الإسلام.

14- طاعة الناس للحكام ضرورية لتمكين الدولة من تحقيق أهدافها وذلك في حدود الشريعة.

كما أن الدولة في الإسلام لها خصائص وصفات منها:

إن الدولة في الإسلام دولة عقدية عقيدتها ونظامها الإسلام. ولذلك فإن الدولة مطالبة بالدعوة إليه في داخل الدولة وخارجها وتنشئة الأجيال الجديدة عليه، وحمايتها من التيارات الفكرية المعارضة للإسلام. ويترتب على ذلك أن تكون جميع أنظمة الدولة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والتعليمية والثقافية والعسكرية منبثقة عن هذا الأساس وهو الإسلام الذي تقوم عليه، وكذلك سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية.

وقد كان من الواجب أن نثبت هنا في نفس الموضوع، حقوق الأمة، وسلطاتها، وعلاقتها بالحاكم، ونظام العقوبات داخل الدولة المسلمة، ومفهوم الأمة في الدولة الإسلامية والحقوق الإنسانية العامة في الدولة الإسلامية والحدود التي تحد حرية الإنسان داخل الدولة المسلمة وهي:

أن أركان العقيدة الإسلامية من النظام العام الذي لا يجوز الاعتداء عليه في الدولة الإسلامية لأنها دولة عقدية ملتزمة. كما أنه لا مجال في الدولة الإسلامية لحرية الإلحاد أو الطعن في النبوات باسم حرية الفكر. كما أن القيم الأخلاقية الثابتة في الإسلام هي القيد الثاني لحرية الإنسان وذلك غير المصلحة العامة ودفع الضرر عن الغير ولكن المكان والوقت لا يسمح لنا بذلك.

وعناصر تكوين الدولة في الإسلام:

أولاً:  هي أرض الدولة الإسلامية أو «دار الإسلام» وهي تحصل بأحد سببين، إما أن يسلم أهلها، وهم عليها فتصبح دار الإسلام، وإما أن يفتحها المسلمون فيقوم فيها حكم الدولة الإسلامية.

أما ما سوى دار الإسلام فهي دار الكفر وقد يكون أصحابها في حالة هدنة وسلم مع المسلمين أو في حالة حرب وتسمى حينئذٍ دار حرب.

ثانياً:  الأمة التي تدير السلطة أمورها وتسوسها وترعى شئونها.

ثالثاً:  الحكومة أو الولاية أو السلطة وهي صفة من يتولى سياسة الدولة الإسلامية وتنظيم شئونها والفصل في مشكلاتها وقضاياها.. إلى غير ذلك.

ويقوم بأمر السلطة ورئاسة الدولة الإمام أو الخليفة أو أمير المؤمنين (كما أطلق عليه في النصوص الإسلامية) يعاونه في ذلك جهاز من الولاة والأمراء والقضاة والعمال المنتظمين في مؤسسات كالقضاء وديوان المظالم والوزارة وغيرها.

ومهمة السلطة أو الخليفة تحقيق أهداف الخلافة:

وقد حدد الإسلام الأصول والقواعد التي على أساسها يختار رئيس الدولة أو رئيس الحكومة (الخليفة).

يتحكم في اختيار رئيس الدولة قاعدتان رئيسيتان:

الأولى: تحدد شروطاً موضوعية أو صفات يجب تحقيقها فيمن يختار رئيساً للدولة أو أميراً للأمة ومنها:

أ) الإسلام.   ب) الذكورة.   ج) العلم.

د) الخبرة السياسية والإدارية.

هـ) الأخلاق الفاضلة.    و) الشجاعة والأمانة.

ز) سلامة الحواس والأعضاء.

ح) الرشد والعدالة    ط) القرشية وقد اختلف فيها الفقهاء(2).

فالإسلام شرط لأنه لا  يمكن أن يتولى إنسان أمراً لا يعتقد بصلاحية نظامه، إذ كيف يتولى أمر المسلمين رجل من غيرهم لا يؤمن بصلاحية النظام الإسلامي، وهو مفروض عليه أن يطبقه، ويعاقب من يخالفه، وكذا الأمر ضروري بالنسبة للذكورة، إذ أن المرأة كثيرة العاطفة ضعيفة البنية غالباً، لا تستطيع القيام ببعض المهمات المترتبة على صاحب هذا المنصب، كإمامة الصلاة، وقيادة الجيوش، وإقامة الحدود.

والخلافة واجبة شرعاً وعقلاً فالمسلمون لا بد لهم من حاكم يرعى أمورهم ويتولى إدارة شئون دول·تهم، والخلافة هي الدولة الإسلامية، فكما لا  يُتصور مجتمع بدون دولة كذلك لا يُتصور مجتمع إسلامي بدون خلافة .

  • (1) «الوعي»: إذا تعددت الآراء الاجتهادية وبقيت متعددة بعد التشاور فإن الخليفة هو صاحب الصلاحية في الفصل وتبنّي الرأي الذي يراه الأرجح.

(2) السياسة الشرعية لابن تيمية، الأحكام السلطانية للقاضي الماوردي ص4، 5، الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *