العدد 117 - السنة العاشرة – شوال 1417هـ – شباط 1997م

العقيد القذافي… والعقيد فاطمة؟؟؟

العقيد القذافي… والعقيد فاطمة؟؟؟

 

بقلم: معالي عبد الحميد حمودة

لا يختلف اثنان، عاقلان فاهمان، على أن الفوضى التي تعيشها الجماهيرية الليبية، إنما هي فوضى مقصودة لضرب كل شيء يتعلق بالإسلام، فالحاكم الليبي المتربع على السلطة هناك، يخرج علينا كل فترة زمنية بـ «تقليعة» أو بتصرف بعيد تماماً عن المسؤولية والالتزام.

والمتأمل في تصرفات العقيد القذافي يجد أنه يتصرف دون أن يناقشه أحد، ودعك بالطبع من هذه الأشياء المسماة بالمؤتمرات الشعبية العامة، واللجان الشعبية، واللجان الثورية، واللجان المسلحة وغير ذلك، فالمعروف أن الحاكم الليبي لا يناقشه أحد ولا يعارضه أحد، وهو يفعل كل ما يريده، ومن هنا فإننا في البداية نطرح على الشباب المسلم أن يعيد حساباته ويدرس ويحلل مواقف العقيد القذافي، فالرجل خلاف ما يقول يعمل ضد الإسلام منذ أن قام بانقلاب سبتمبر 1969 وحتى ساعة كتابة هذه السطور.

ونعترف اليوم – والاعتراف بالحق فضيلة – أننا خُدعنا خدعة كبيرة في توجهات هذا الرجل، الذي اتضح أنه يعادي الإسلام معاداة شديدة، وأنه يرفع شعارات القصد منها في النهاية تفريغ المجتمع الليبي من الإسلام.

وحتى لا نخرج عن الموضوع، فلا يظن القارئ الكريم أن عنوان هذه المقالة من باب السخرية، بل العنوان حقيقي وسنتعرف عليه تماماً من خلال هذه المقالة، فالمعروف أن العقيد الليبي هو الحاكم الوحيد في العالم الذي تتولى عذارى حراسته، وهو يلعب لعبة مكشوفة بأن تتولى الفتيات الليبيات حراسته، إذ أنه يحاول تحسين صورته خارج ليبيا، ويدعي أنه يتمسك بحقوق المرأة الليبية وأنه يحرص على حقوق الإنسان في العالم.

والحقيقة أننا لا يشغلنا شيء بالنسبة لأن تتولى الفتيات حراسة العقيد القذافي، فقد كان من قبل هناك فتيات ونساء جئن من بعض الدول الإفريقية لحراسته، ولكن الذي يشغلنا هذه الفضيحة المسماة بالرهبنة الثورية، هذه الرهبنة التي يتم الترويج لها في ليبيا بالعنف والإجبار والإرغام.

وقد كان كاتب هذه السطور لا يصدق تماماً مسألة الرهبنة الثورية، إلا أنه في بعض اللقاءات مع بعض الفتيات الليبيات وبعض الليبيين على هامش المسابقة العلمية التي نظمتها جامعة ناصر العالمية بطرابلس (من 23/7 إلى 31/7/1996) سمعنا العجب العجاب، وتعرفنا على مأساة مروعة تعيشها الجماهيرية العربية الليبية.

الرهبنة الثورية:

رغم أنه ليس هناك رهبنة في الإسلام، إلا أن الحاكم الليبي خرج على الناس في عام 1981 بحركة الراهبات الثوريات (التي تمثل الجناح النسائي لحركة اللجان الثورية) حيث أنشأ العقيد القذافي هذه الحركة في ذلك العام، وبدأ صدام من نوع جديد مع المجتمع الليبي، حيث خشيت العائلات الليبية على بناتها من هذه الحركة التي تعتمد على الفوضى الخلقية ولا تعرف الإسلام أو القيم.

وكالعادة فإن الحاكم الليبي دائماً يبرر ويفلسف تصرفاته الغريبة، فقد قدم ما يسمى بحركة الراهبات الثوريات على أنها صورة من صور النضال لتحرير فلسطين والقدس وكل الأراضي العربية المحتلة، وهكذا يرى الأخ العقيد أن الراهبات الثوريات الحاصلات على رتب عسكرية رفيعة، وامتيازات مالية خرافية، والمرتديات أزياء عسكرية مموهة، والمسلحات بمدافع رشاشة، وخزائن لطلقات الرصاص، ومسدسات صغيرة تتدلى من وراء ظهورهن، هذا كله يراه العقيد القذافي صورة من صور تحرير فلسطين والجولان واستعادة المسجد الأقصى؟!

والراهبة الثورية – كما يريد العقيد – تمتنع عن الزواج احتجاجاً على أن الرجل العربي قد انهزم، وأنها تهب نفسها للثورة وحراسة العقيد القذافي، وتمتنع الراهبة الثورية عن الزواج والإنجاب ومسؤوليات تكوين الأسرة.

هذا اللغو الساقط دفع بعض العائلات الليبية لرفض فكرة الراهبات الثوريات، إلا أن الحاكم الليبي أصر على دعوة الفتيات للالتحاق بالكليات العسكرية والمعاهد المتخصصة وهاجم أولياء الأمور الذين هم في نظر العقيد القذافي خونة يعملون ضد الثورة وحركات التحرر في العالم التي يقودها العقيد القذافي، كما يزعم ويدعي.

وهناك قَسَم الرهبنة الثورية الذي تردده الراهبة الثورية والذي يوضح أن الراهبة تهب نفسها للثورة وغاياتها التاريخية وتمتنع عن الزواج، حتى تعود الرجولة العربية لاستعادة فلسطين والجولان والقدس والمسجد الأقصى.

وقد تحرك بعض العلماء في طرابلس وبنغازي وأعلنوا أنه لا رهبنة في الإسلام، وجن جنون العقيد، فماذا فعل الأخ العقيد الذي خدعنا سنواتٍ طوالاً بأنه يعمل من أجل الإسلام، بل إنه يترأس اليوم – في طرابلس – ما يسمى بالقيادة الإسلامية الشعبية العالمية؟؟

وصف العقيد القذافي القول: لا رهبنة في الإسلام بأن هذا القول بدعة!! وليت القذافي توقف عند هذا الحد باعتباره لا يفهم أمور دينه، كما أنه يرفض السنّة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، لكنه تطرق إلى القرآن الكريم وتناول قوله تعالى: ] ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللـه فما رَعَوْها حقَّ رعايتها[ وحاول أن يفسر القول القرآني الكريم حسب هواه وخيالاته وأوهامه المريضة، وزعم أن التطوع للرهبنة شيء عظيم شرط أن ترعى حق رعايتها؟؟

وإذا كنا أمام عقيد لا يعرف من الدين الإسلامي أي شيء، إلا أن المأساة تكتمل حينما يقوم هذا العقيد بالزعم أنه أصبح فقيهاً من فقهاء هذا العصر الأغبر.

والغريب أن ما سمعناه في الجماهيرية عن الرهبنة الثورية، يجعلنا نشعر بحجم المأساة التي تعيشها بعض الفتيات الليبيات البائسات بحق، فهن يعتقدن أنهن على قدم المساواة مع الراهبة الرومانية التي أوقفت حياتها على النار المقدسة، والراهبة المسيحية التي أوقفت حياتها على السيد المسيح، والراهبة الليبية التي خدعوها أنها أوقفت حياتها على الأخ العقيد معمر القذافي… لاحِظْ أيها القارئ النسبة والمقارنة في هذا الحديث.

السماح بالإجهاض:

نشرت مجلة روز اليوسف القاهرية في العدد رقم 3547 بتاريخ 3/6/1996 تحقيقاً عن الفتيات العذارى اللائي يقمن بحراسة العقيد القذافي، وقد تضمن التحقيق واقعة خطيرة تتمثل في أنه قبل أن ينتهي عام 1982 أصدر وزير الصحة الليبي قراراً بالسماح للأطباء بإجراء عمليات الإجهاض في المستشفيات الليبية العامة، وقد ربط الشعب الليبي بين هذا القرار الخطير وبين برنامج الراهبات الثوريات والتدريب العسكري الذي فُرِض على الفتيات الليبيات مما يعرضهن لاحتمالات حوادث الاغتصاب والاعتداء الجنسي.

ونقول، بعد أن ذكرت المجلة هذه الواقعة الخطيرة، إن قرار وزير الصحة الليبي لا يمكن أن يصدر، بالطبع، إلا بعد موافقة العقيد القذافي الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الجماهير الليبية، حتى لو أدى الأمر ببرنامجه الهزلي الفاضح المسمى بالرهبنة الثورية، إلى حدوث انحرافات جنسية ومفاسد لاأخلاقية كثيرة بين الفتيات الليبيات الطاهرات.

ونحن نسأل: لماذا السماح بالإجهاض في الجماهيرية الليبية؟؟ ولماذا السماح بالإجهاض داخل المستشفيات الليبية المملوكة للدولة؟؟ أليس صدور هذا القرار دليلاً خطيراً على الفساد والاعتداءات الجنسية والاغتصاب وغير ذلك؟؟؟

إن كاتب هذه السطور سمع حكايات مرعبة عما حدث لبعض الفتيات الليبيات من الانخراط في الرهبنة الثورية، وإن المأساة تكتمل فصولها عندما نسمع من فتيات في عمر الزهور، أن التضحية بالروح (والجسد) من أجل الزعيم والثورة أمر تفرضه الرهبنة الثورية؟؟؟

(ليذهب الكتاب الأخضر إلى الجحيم) هذه العبارة ليست من عندنا، بل قائلها هو العقيد القذافي نفسه، وكم نتمنى جميعاً فعلاً أن يذهب هذا الكتاب الأخضر اللعين إلى الجحيم هو والثورة نفسها، وأن يترك القذافي موقعه، وتعود ليبيا إلى سابق عهدها، ويبتعد هذا الظلم وهذا التلاعب بالإسلام من حياة الشعب الليبي.

عندما بدأت قضية الراهبات الثوريات تتفاعل، لم تتحمل الفتيات الليبيات هذه المهزلة فتركن الكلية العسكرية، إلا أن العقيد القذافي أمر بإعادة الفتيات، وثار وصرخ وهدد وتوعد بأنه إذا أرادت الفتيات إغلاق الكلية فسوف يتم إغلاقها، ولتذهب الثورة الليبية والكتاب الأخضر إلى الجحيم.

وبأسلوب «مظاهرات جمال عبد الناصر» خرجت مظاهرات نسائية ضخمة تهتف لبقاء الرهبنة واستمرار التدريب العسكري للفتاة الليبية، ووصل الأمر في عام 1984 أن اقتحمت الراهبات الثوريات الرائدات مقر بعض المدارس في طرابلس لتجنيد الفتيات بالقوة، ووقع الصدام بين بعض الفتيات الليبيات والراهبات الثوريات من جهة، ومن جهة أخرى اشتعل الصدام بين أولياء الأمور والراهبات الثوريات من جهة أخرى، وعرف الجميع في الجماهيرية العربية الليبية أن اللجان الثورية الليبية (وهي أصل من أصول الفساد المتعدد في بنية المجتمع الليبي) تسعى إلى فرض الرهبنة على الفتيات بالقوة والإرغام والإجبار.

وعندما وقع العدوان الأمريكي الهمجي على الجماهيرية العربية الليبية في عام 1986، قمنا جميعاً بإدانة هذا العدوان الهمجي الغادر، إلا أن العقيد القذافي استغل هذا الهجوم وظل يرغي ويعيد ويكرر أن الرهبنة الثورية كانت ضرورية ولازمة للأمن القومي الليبي.

ثم ماذا؟؟؟:

في لقاء لكاتب هذه السطور مع إحدى الفتيات الليبيات الجامعيات، أفادت بأنها دخلت حركة الراهبات الثوريات، وقد أشارت إلى أشياء لا نستطيع الكتابة عنها، وأنها تحججت بظروف صحية مما دفعها، مع بعض الأسباب الأخرى، إلى الاستقالة من هذه الحركة وإنها «نجت بشرفها وكيانها وأخلاقها من هذه الحركة».

هذه هي الرهبنة الثورية، وهذا هو الحاكم الليبي العقيد القذافي، الذي يدير ليبيا في ديكتاتورية غير مسبوقة، لا يناقشه أحد ولا يستطيع أن يناقشه، ولا يعارضه أحد ولا يعطي الفرصة لأي مخلوق أن يناقشه أو يعارضه.

تذكر أيها القارئ الكريم «الكوكبة المميزة» من الراهبات الثوريات في طرابلس وبنغازي والجبل الأخضر: تذكر العقيد ف. (كبيرة الراهبات الثوريات التي لا تفارق الأخ العقيد لحظة واحدة) وع. بنت جلود، وهـ. بنت عامر، وس. الفلاح، وف. المقوز، وع. القذافية، وف. بنت سالم، وس. البريكي، وغيرهن.

تذكر أيها القارئ الكريم هذا العقيد الليبي الذي لا يفعل أي شيء للإسلام، وتذكر أنه – وكما شرحنا في مقالة سابقة – يرفض الاعتراف بالسنة النبوية الشريفة، ويهاجم علماء الإسلام الأجلاّء، ويتهم الإخوان المسلمين بالإرهاب، ويرفض التأريخ بالتاريخ الهجري، ويعتمد الكتاب الأخضر «فوق كل كتاب»، ويتبنى نهج اللقيط مصطفى كمال الشهير بأتاتورك الذي أسقط الخلافة الإسلامية في تركيا، ويحاول أن يخرج علينا العقيد القذافي بما يسمى (الإسلام الثوري)، وإحلال الفكر الإلحادي داخل ليبيا وغير ذلك.

بقي أن نقول للأخ العقيد:

إنك شخصياً لم تفعل أي شيء للقضية الفلسطينية ولا للأراضي العربية المحتلة، وإن ما يسمى بالرهبنة الثورية ينطبق عليكم شخصياً، فهل يا ترى تقبل به على نفسك، أم أننا في القريب سوف نسمع عن نظام الرهبنة الثورية للرجال في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى؟؟

إننا نعود ونكرر: إننا مع الشعب الليبي في نضاله ضد مؤامرات الولايات المتحدة والحلف الصليبي الغربي، وإننا مع الشعب الليبي ضد الحظر المفروض عليه، وإننا مع الشعب الليبي ضد كل المؤامرات التي تحاك ضده، ولكننا لا نستطيع أن نقف مع الشعب الليبي وهو يترك حاكمه العقيد القذافي يعبث هذا العبث، ثم يزعم بعد ذلك أنه يعمل من أجل الإسلام.

والحمد للـه على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *