العدد 78 - العدد 78- السنة السابعة، ربيع الثاني 1414هـ، الموافق تشرين الأول 1993م

كلمة الوعي: ارتكاب الجريمة وقع، فما العمل الآن؟

 بعد أن تم التوقيع على اتفاق التنازل عن فلسطين لليهود تجتمع المنظمات في دمشق وتبحث عن عمل علّها تستطيع عرقلة تنفيذ الاتفاق.

تنفيذ الاتفاق فيه شِقان، أحدهما صار نافذاً وناجزاً. أمّا الآخر فتنفيذه عسير سواء عملت هذه المنظمات على عرقلته أم لم تعمل.

اليهود كانوا قد احتلوا فلسطين، وأخذوا القدس، وصادروا الأرض، وبنوا المستوطنات، وجلبوا اليهود من العالم، واستولوا على كل شيء. ولم يكن ينقصهم إلا الحصول على صك التنازل القانوني من أهل البلد. وقد حصلوا الآن على هذا الصك الذي شهدت دول العالم على توقيعه. فتحوّلوا من غاصبين إلى مالكين شرعيين. وهذا هو الشق الأول من الاتفاق، وهو تام التنفيذ.

وإذا كان هناك من يظن أن تنفيذ الاتفاق يكون بعودة اللاجئين، أو باستعادة القدس، أو بوقف تدفق المهاجرين اليهود، أو بوقف مصادرة الأرض وإقامة المستوطنات، أو بإقامة دولة مستقلة، أو باتحاد مع الأردن… إذا كان هناك من يظن ذلك فهو واهم. اليهود لا يريدون إيقاع المصادمات والعداوات بين الفلسطينيين، يريدون شرطة فلسطينية قوية تسحق كل من يشتم اليهود، وتنفذ كل ما يرضي اليهود.

أما الشقّ الثاني فإن اليهود يريدون الحصول على السلام (وليس فقط على الأرض وصك التنازل الشرعي)، السلام المنبثق من القلوب. أنهم يريدون أن تزول العداوة، وأن يحبهم العرب، وينظر إليهم نظرة الصديق، وأن ينسوا أفاعيل اليهود الحديثة والتي ما زالت مستمرة، وأن ينسوا العداوات التاريخية، وأن يمحوا من ثقافتهم ومناهج التعليم في بلادهم كل ما يشير إلى اليهود بأنهم أعداء، أو إلى الصهيونية بأنها نزعة عنصرية. إنهم يريدون أن يمحو المسلمون من كتب السيرة النبوية حروب اليهود للنبي وتآمرهم عليه، يريدون إعادة كتابة غزوات بين قَيْنُقاع وقُريْظة والنضير وخيبر، يريدون أن يسقطوا من القرآن الكريم الآيات التي تكشف حقيقة اليهود، وانغلاقهم على أنفسهم وحقدهم وتآمرهم على غيرهم من البشر، يريدون إسقاط هذه الآيات وهذه السيرة كما أسقطوا الثوابت من ميثاق منظمة (التحرير). ولكن هيهات.

هذا الجانب لم يتم تنفيذه، ولن يتم تنفيذه بإذن الله. وسيبقى اليهود جسماً غريباً في المنطقة، وسيظلون عدواً مغتصباً مرفوضاً. ولن تقوى قصاصة الورق التي حملت توقيع الخائن أن تغيّر عقائد المسلمين ومشاعرهم. ولن يستطيع خداع اليهود أن ينطلي على الناس الذين خبروا اليهود. سموا الاتفاق (غزة وأريحا أولاً) لدغدغة المشاعر والإيحاء بأن الباقي سيتبع.

وهناك من قال: إن غزة وأريحا هي أولاً وأخيراً، ولن يتخلى عن شيء بعد ذلك. والمدقق يجد أن غزة وأريحا ليست أولاً وأخيراً. فإسرائيل لم تتخلَّ عن غزة وأريحا. وهذه نصوص الاتفاق واضحة (العلني منها والسري). وهناك بند يقول بأنه يحق لإسرائيل أن تسقط أي بند من الاتفاق في أي وقت تشاء حتى لو أسقطت الاتفاق كله. فالاتفاق ملزم لطرف واحد. ولم نسمع أنه حصل في الدنيا اتفاق بين طرفين وكان ملزماً لطرف واحد منهما إلا في اتفاقيات الاستسلام غير المشروط التي تُملى إملاءَ من الغالب على المغلوب.

إن المدقق في نصوص الاتفاق وفي تطلعات اليهود يلمس بوضوح أن إسرائيل لا تنوي السماح بقيام كيان فلسطيني مستقل، ولا السماح بحصول اتحاد كونفدرالي مع الأردن. أنها تخط وبشكل حازم لدمج الحكم الذاتي في اتحاد مع إسرائيل. وبذلك لا يبقى من داعٍ للتفاوض على القدس، ويستطيع عرفات أن يزعم عند ئذٍ (إذ بقي حيًاً) أن يزعم أنه جعل من القدس عاصمة لفلسطين. ولا يبقى من داع للمفاوضات على المستوطنات أو غير ذلك من الأمور المعلقة.

وبعد ذلك تفتح إسرائيل الباب أمام الأردن للدخول في الكونفدرالية مع دولة إسرائيل (التي ابتلعت كل فلسطين).

بعض الناس الآن يدافعون عن الاتفاق، ليس أنهم يرونه جيداً بل لأنهم يئسوا من كل شيء. إنهم يسكتون عن اغتصاب اليهود ليس عن قناعة ورضى باليهود، ولكن على كُرْه ومضض. وهم يرون أنه سكوت موقف ريثما يأتي الله بالفرج. ومن اجل تمرير هذا الاتفاق لجأ عرفات وزمرته إلى التضليل والوعود الكاذبة، ولجأت أميركا إلى الضغوط والتهديد، ولجأ اليهود إلى الخداع والملحقات السرية، ولجأ حكام العرب إلى المباركة، ولجأت دول العالم إلى الوعود بالدعم المالي والاقتصادي. وأمام كل ذلك استطاعوا تمرير التوقيع وتمرير الشق الأول من الاتفاق. وهم الآن يلوّحون بالمساعدات والمشاريع الاقتصادية والأموال بعد أن ضيقوا على الناس وحرموهم من أبسط الحقوق.

ولكن ليعلم هؤلاء المتآمرون أن الإنسان ليس مجرد حيوان تستطيع توجيهه والتحكم به من خلال معدته. الإنسان فيه حاجات معنوية وحاجات روحية كما فيه حاجات مادية.

يوجد شيء اسمه الكرامة والعزة والحرية مقابل الإهانة والذل والعبودية. فهل نقبل أن نُسلب كرامتنا وعزتنا وحريتنا ليمنّوا علينا بالعلف والمأوى وكالأنعام، لنكون مجرد عمال وأجراء في مصانع اليهود ومزارعهم؟

يوجد شي اسمه الدين والمقدسات والحلال والحرام، ويوجد شيء اسمه الجنّة وجهنّم، ويوجد شيء اسمه رضوان الله وغضب الله. فهل يستطيع المسلم المؤمن أن ينسى كل ذلك ويسقطه من حسابه من أجل وعود معسولة (كاذبة) بأنهم سيغدقون عليه المساعدات والخيرات. إذا هو وافق ورضي بالاغتصاب اليهودي؟

العمل الآن واضح. يجب أن نحصن عقولنا ونفوسنا ضد الهزيمة. سبق أن هزمتنا إسرائيل عسكرياً (بمساعدة دول الغرب) واغتصبت أرضنا. والآن هزمتنا سياسياً (بخيانة قادتنا) وأخذت منا صك التنازل والاعتراف. وبقي عليها أن تهزمنا نفسياً وثقافياً وتربوياً وعقائدياً.

العمل المطلوب منا واضح. يجب أن نمنع وقوع الهزيمة النفسية ـ العقائدية عن الأمة الإسلامية (إن الهزائم التي تحل تصيب العرب والمسلمين جميعاً وليس أهل فلسطين وحدهم)، ويجب أن نمحو الهزيمة العسكرية بنصر عسكري، ويجب أن نمحو الهزيمة السياسية بتمزيق صك التنازل الخياني.

هناك من يقول: يجب عزل أو قتل الزمرة الخائية التي غدرت ووقّعتْ. ولكن عزلهم أو قتلهم لا يلغي التوقيع الذي أعطوه. فهذا أنور السادات تمّ قتله ولكن خيانته ظلت مستمرة. الأمر أكبر من قتل حفنة من الخونة.

العمل المطلوب منا هو إزاحة الحكام العملاء المتآمرين عن كرسي الحكم، وأن نلغي التجزئة بإقامة وحدة. هذه الوحدة تكون على أساس العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية. أي أن نقيم الخلافة الإسلامية. وهذه كفيلة بمحو كل الهزائم وإعادة العزة والكرامة ورضوان الله.

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *