العدد 79 - العدد 79 – السنة السابعة، جمادى الأولى 1414هـ، الموافق تشرين الثاني 1993م

كلمة الوعي: تركيز مفهوم العقيدة هو الحافز الحادّ للتقيد بأحكام الإسلام

 الإسلام منهج كامل للحياة، ومفاهيم موجِّهة لسلوك المسلمين في حياتهم عندما يندفعون لإشباع غرائزهم وحاجاتهم وتحقيق مصالحهم. ومن أجل أن يدرك المسلمون قيمة التقيد بالأحكام الشرعية فيقبلوا على الإسلام وفهمه وتطبيقه، وحمله رسالة إلى العام فإنه لا بد من إثارة الدافع فيهم لهذا التقيّد، وتحريك شوقهم إلى تحكيم الإسلام، وإخافتهم من عقوبة عدم تطبيقه والتقيّد بأحكامه.

وهذا الدافع في تحريك المسلمين وإثارتهم ودفعهم إلى اعتبار أن قضية الإسلام هي مصيرهم، وإفهامهم بأن وجودهم إنما هو من أجل الإسلام وتطبيقه، ومن اجل حمله رسالةً إلى العالم، إنما هو إيقاظ العقيدة الإسلامية، وتركيزها في نفوس المسلمين بعد أن ضعف نورها في قلوبهم، وذهب أثرها في أعمالهم، وفقدت حرارتها في تصرفاتهم، ولهذا فقدَ المسلمون الحافز الحاد الذي يدفعهم للتقيّد بالأحكام الشرعية.

إن هذه العقيدة فقدت في قلوب المسلمين تصور يوم القيامة، وأهواله وحسابه، فلم يًعُد يهزهم عذاب الله، ولم تَعُد تثيرهم جهنم، ولا يخوفهم لظى الجحيم. كذلك فقدوا الشوق إلى الجنة، والحنين إلى نعيم الآخرة، فلم يَعُد يجذبهم إلى ما فيها من نعيم مقيم، ومما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وبالتالي لم يَعُد المسلمون يستهدفون رضوان الله، المثل الأعلى، وغاية الغايات. وصرفوا همهم إلى الدنيا ومتاعها من مال وجاه وسلطان وأزواج وأبناء وتجارة ومساكن، وصار مثلهم الأعلى تحيق المادية، وإرضاء من بيدهم تحقيق هذه الرغبات. فانصرف تطلعهم إلى الأرض، لا إلى السماء.

إن ضعف العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين هو الذي أدى إلى ما أدى إليه من كل ما يشاهد في المسلمين من عدم تقيّد بأحكام الإسلام في العلاقات ومن سكوت عن أحكام الطاغوت، وعن الطواغيت، وعن هيمنة الكفار على المسلمين، وتسخيرهم لهم، ونهب ثرواتهم، ومن ذل وهوان وجبن واستسلام، وركض للحصول على متع الدنيا، والتهاء عن ذكر الله.

ولهذا كان لا بد من إيقاظ هذه العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين، ومن التركيز عليها، وإحيائها في نفوسهم، فإنها عقد العقد، ومتى بُعثت الحياة في العقيدة العقلية فقد بعثت الحياة في الأمة، ورجع المسلمون إلى الله، وإلى التقيّد بشرعه، والالتزام بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، والتخلي عن شرع الطاغوت، والعمل للتخلص من الطواغيت، دون أن يخافوا على رزق أو حياة، لإيمانهم أن الرزق والحياة بيد الله وحده، وليس بيد أحد سواه من الخلق. وسيصير شوقهم إلى الجنة ونعيمها أكثر من شوقهم إلى متع الدنيا، وخوفهم من عذاب جهنم أكثر من خوفهم من تسلط الطواغيت وبطشهم.

ومن هنا يبرز أن ضَعْفَ التقيّد بالأحكام الشرعية في حياة الأفراد، وفي علاقات المجتمع كان نتيجة ضعف حرارة العقيدة العقلية في القلوب، فإن التقيّد بالأحكام الشرعية هو ثمرة الإيمان، فإن اشتدت حرارة الإيمان اشتدت حرارة التقيّد، وإذا ضعفت حرارة الإيمان في القلوب ضعفت حرارة التقيّد بالأحكام الشرعية.

وإنه وإن كان من أهم ما هو مَلقيّ على عاتق حملة الدعوة ـ  وهم يعملون لإعادة الحكم بما أنزل الله ـ أن يعلموا لتوضيح قيمة التقيّد بالأحكام الشرعية في الأسس التي تقوم عليها حياة الأفراد، وأن يحاولوا إيجاد وعي عام عند جماهير المسلمين لقيمة التقيّد بالأحكام الشرعية في الأسس التي تقوم عليها العلاقات بين الأفراد في المجتمع، وبينهم وبين الدولة، وبينهم وبين غيرهم من الدول والشعوب الأخرى فإن من المهم أكثر إدراك الوصول إلى توضيح قيمة التقيد بالأحكام الشرعية، وإدراك كيفية محاولة إيجاد الوعي العام عند جماهير الأمة لقيمة التقيد بالأحكام الشرعية.

وهذا لا يتأتى إلا بإثارة العقيدة العقلية وتصوراتها، وما جاء في القرآن الكريم من أفكارها، في النفوس. فإن الدافع على تطبيق الشرع والتقيّد بأحكامه ناتج عن تصورات العقيدة، وتركزها في النفوس،فحين يخشى المسلمون عذاب جهنم عند مخالفة الشرع، ويرجون جنات النعيم عند اتباعه، والتقيّد بأحكامه فإنه عندها تبرز قيمة التقيّد بالأحكام الشرعية في سلوك الفرد، وفي علاقات المجتمع.

ولهذا فإنه ليس عبثاً أن يظل القرآن الكريم ثلاث عشرة سنة في مكة وهو يركز على العقيدة وعلى أفكارها، ويطرق أسماع الناس ليل نهار بالعقيدة وأفكارها. وفي المدينة عندما صار تركيز القرآن على تشريع الأحكام كانت آياته تأتي مذكرة بالعقيدة، ورابطة هذه الأحكام بالإيمان. ذلك لما للعقيدة من أهمية كبرى في إيجاد الحافز الحادّ لدى المؤمنين للامتثال لأمر الله، وتنفيذ أحكامه.

ولهذا حتى يؤتى العمل ثماره في إثارة الأمة وتحريكها، وبث الحيوية فيها بشكل يثير فيها الشوق لأحكام الإسلام، وسلطان الإسلام، وإقامة الخلافة، وإعادة الحكم بما أنزل الله ينبغي اتخاذ أسلوب القرآن الكريم في إثارة الدافع للتطبيق عند الأمر بالتطبيق، وفي ربط الأفكار والأحكام بالعقيدة، وإثارة مشاعر الإيمان عند المخاطبة بالأفكار والأحكام، وعند التعرض لنقض الأفكار غير الإسلامية، وبيان خطئها، وبيان خطأ أحكامها. وذلك حتى يوجد الحافز للأخذ والتطبيق، والدافع للعمل.

وهذه بعض الأمثلة من أسلوب القرآن الكريم في ذلك:

قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).

وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا).

وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).

وقال: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

فهذه الآيات ومئات غيرها، ومئات الأحاديث الشريفة فإنها عند إتيانها بفكر أو حكم أو معالجة، أو أمر أو نهي فإنها تربطه بالعقيدة، وبمشاعر الإيمان، وتثير الحافز، وتذكر ما تريد.

وهذا هو الطريق المؤثر لجعل الناس يتقبلوا ويلتزمون ويتقيدون. فإثارة الخوف من الله، وإثارة الفزع من نزول القبر، ومن أهوال يوم القيامة، ومن عذاب جهنم، والتشويق إلى الجنة وما فيها من نعيم مقيم،ومما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ومن قصور وحور عين،وكواعب أتراب، كل ذلك يجعل الناس يتطلعون إلى السماء بدل التصاقهم بالأرض، ويجعلهم ينصرفون إلى ما يقربهم إلى الله، وإلى الجنة، وإلى ما يبعدهم عن النار. فينطلقون للتقيّد بأحكام الله، وللصراع مع أفكار الكفر والطاغوت، والكفاح السياسي ضد الطواغيت، والعمل الدؤوب للتخلص من حكم الطاغوت، ومن تسلّط الطواغيت، ولإعادة الحكم بما أنزل الله.

ولهذا فإنه لا يد من بعث الحياة في العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين، حتى يندفعوا للالتزام والتقيّد بأحكام الشرع، ويسارعوا لتغيير واقعهم، ورفع هيمنة الكفار، وأنظمة الكفر والطاغوت، والطواغيت عنهم.

وبَعْثُ الحياة في العقيدة يقتضي توضيح المفهوم الجوهري والأساسي في العقيدة الإسلامية، وإثارة هذا المفهوم في النفوس. وهذا المفهوم الأساسي هو من أهم المفاهيم الإسلامية، وأعظمها شأناً. ومن أجله كانت النبوات والرسالات، وكانت الجنة والنار، وكان الخلق والحساب والعذاب، وكان حمل الدعوة. وهذا المفهوم هو مفهوم «العبودية لله» الناتج عن مفهوم «الألوهية» قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ). فما تعنيه «لا إله إلا الله» هو: لا معبود إلا الله. لأن لفظ «إله» في اللغة لا تعني إلا المعبود، وليس له معنى شرعي غير ذلك. «فلا إله» في اللغة والشرع «لا معبود» وحين يشهد المسلم أن لا معبود إلا الله فإنه يفرد الله في العبادة والتقديس، وينفي نفياً قاطعاً العبادة عن أي شيء غير الله. لذلك كان شهادة المسلم ملزمة له بالعبادة لله وحده، وملزمة له بإفراد العبادة بالله وحده.

وإدراكُ المسلم لهذا المعنى يجعله حساساً في كل ما يتعلق في تنظيم شؤون حياته، وفي معالجة مشاكله، فيرفض أن يطيع غير الله، لأنه لا يعبد إلا الله، ولأن ما سوى الله ممن يدعو إلى طاعته من دون الله، أو يدعو إلى غير هدى الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله هو طاغوت يجب الكفر به، ومحاربته حتى تخلو الأرض فلا يبقى فيها إلا شرع الله.

ولهذا كان الدالَّ على امتثال هذه العبودية هو التقيّدُ بأحكام الله، وإفرادُ الخالق بالتشريع وبالطاعة والتذلل والخضوع لكل ما أمر به، أو نهى عنه. فالتقيّد بأحكام الشرع هو النتيجة الحتمية للإيمان بمفهوم الألوهية. وهو الثمرة الطبيعية لامتثال العبودية نحو الخالق سبحانه. قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

وإهمال التقيّد بأحكام الشرع هو النتيجة الطبيعية لإهمال معنى العبودية، أو نسيانه، أو غيابه عن الذهن، أو تغيّر مفهومه في الذهن.

ولهذا فإن كل أخذ من غير شريعة الله، وكل تنفيذ لغير أوامر الله فإنه عبودية وخضوع وتحاكم للطاغوت الذي أُمر المسلمون أن يكفروا به. وإنّ كل من يُشرّع للناس من الخلق تشريعاً من عنده حاكماً كان أو نائباً أو غير ذلك فإنه طاغوت يجعل من نفسه رَبّاً من دون الله. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا). وقال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد وضّح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنى هذه الآية حيث قال: «إنهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم».

إن إثارة مفهوم الألوهية عند المسلمين يعيد لهذه العقيدة الإسلامية اعتبارها ودافعها بأنها عقيدة روحية سياسية، وليست مجرد عقيدة روحية، وهي عقيدة تنبثق عنها أفكار الإسلام وأحكامه التي تنظم جميع شؤون الناس المتعلقة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ويَدْفع المسلمين إلى التقيّد بأحكام الله، وتنفيذ أوامره اجتناب نواهيه، والتخلص من أحكام الكفر والطاغوت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *