العدد 148 -

السنة الثالثة عشرة – جمادى الأولى 1420هـ – أيلول 1999م

كلمة الوعي: عناصـر قـوة الحـركة السـياسـية

المفروض في الحركة السياسية، التي تستهدف إنهاض الأمة، وتغيير المجتمع أن تعتمد على قواها الذاتية لأخذ الحكم، وهي التي تتشكل من قواها هي، ومن القوى التي تـناصرها من أبناء أمتها، فيكون تسلمها للحكم عن طريق أمتها، صاحبة السلطان، التي تملك إعطاءه ومنحه أو سحبه وحجبه؛ وإن لم تكن على هذه الصورة، فإنها لا تكون تستهدف تغيير الأوضاع، وإنما تغيير الأشخاص، وليس في ذلك نهضة أمة، ولا تحرير بلاد، ولا توحيد شعوب. ومن باب أولى، فإن من يستهدف تحقيق المشروع الحضاري للأمة بمفهومه الشامل، يجب أن يكون واثقاً بالقوى التي يملكها أو تسنده، وأن لا يتسرب إليها أي خلل، من حيث ولاؤها لدينها وأمتها وقيادتها السياسية. ومن نافلة القول، أن نذكر، أن أي اتصال بالأنظمة القائمة، أو بالدول الخارجية المهيمنة على المنطقة، يعتبر ضرباً من الانتحار، فضلاً عن كونه خيانة للأمة ولدينها، ولمشروعها الحضاري. ولهذا كان من الأهمية بمكان، أن نستعرض مصادر قوة الحركة، وأن نعرف القوى المساندة للأوضاع القائمة، من أجل كسبها، أو تحويل إسنادها، أو إضعافه، لأن أخذ الحكم عمليتان: تقوية الذات، وإضعاف العدو أو الخصم.

أول وأهم وأقوى عنصر من عناصر قوة الحركة، قوة فكرتها الأساسية، وفكرها بشكل عام، فالفكرة هي أساس الحركة، وهي سر حياتها، وسرّ قوتها، وهي قوة الجذب التي تستقطب المحازبين والأنصار، وهي التي تربّي الشخصيات ورجال الدولة، ولذلك كان الحفاظ على الفكرة، والمحافظة على استمرار بناء الحركة على فكرتها، أمراً في غاية الأهمية، من أجل قوة البناء الفكري للحركة، واستمرار ارتقائه وترسيخه: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم). ويشمل ذلك أيضاً الثروة الفكرية للحركة، وقيمها الذاتية التي تميّـزها عن غيرها من الحركات. ولهذا، فإن أي تشكيك في فكر الحركة، لا ينظر إليه إلا من زاوية أنه هدم لأساس الحركة، ولا يمكن التساهل فيه، ولا النظر إليه على أنه عن حسن نيّـة، أو صدق طوية، أو نبل مقصد. كما أن التعفية على الحدود القاطعة الصارمة، التي تفصل الحركة وتميّـزها عن غيرها، أمر في غاية الخطورة، لأنه في النهاية يصب في خانة تذويب الكيان وتفكيكه.

 أما العنصر الثاني من عناصر القوة، فهم شباب الحركة، بقوتهم الفكرية، وقوة شخصياتهم الإسلامية، واستعدادهم للتضحية بكل ما يملكون لتحقيق غايتهم، وجهوزيتهم لتلبية النداء كلما انتُدبوا. ونذكر على سبيل الخصوص، الشباب النابهين، أو من يسمون عند بعض الأحزاب «الكوادر»، وهم من يملكون قدرات خاصة من ناحية فكرية، أو سياسية، أو تنظيمية، أو وجوداً مؤثراً في أوساطهم، فهؤلاء تجب المحافظة عليهم، كما يحافظ المرء على بؤبؤ عينه. وأي تشكيك أو طعن في هؤلاء، لا يصح التسامح معه، إذ لا يمكن أن ينظر إليه بحسن نيّـة. فمن المعروف، أن قوة الأمة، وقوة الدولة، وقوة الحركة، أن يكون هناك حشد من الرجال المقتدرين الجاهزين دوماً للاستجابة لما يطلب منهم، فتشويه صورة هؤلاء الرجال، والحط من مكانتهم وقدراتهم، يغلّ يد الحاكم والأمير في تنفيذ تصوراته ومشاريعه.

 

 ونخصص أكثر فنقول، إن المسؤولين على كافة مستويات المسؤولية، تجب مساندتهم والوقوف إلى جانبهم، بالنصـيحة والرأي، وبالطـاعة والجهوزية، لأن في قوتهم قوة للحركة، وفي ضـعفهـم ضـعفـاً للحركة، ولهذا يجب عدم ملاحقة أخطائهم لنشرها، ولا تقصي عوراتهم لفضحها، ولا متابعة الثغرات في سلوكهم لتسليط الأضواء عليها، وإنما إن علم أحدنا من مسؤول شيئاً يكرهه، أو لا يصح أن يكون عنده، فعليه بالنصيحة له على انفراد، وتنبيهه إلى خطئه أو إلى تقصيره أو إلى الثغرة لديه بأسلوب يظهر فيه الحرص والأخوة، ولنعلم دوماً أن البشر لن يكونوا ملائكة، وأن لا عصمة لأحد بعد خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن كل ابن آدم خطّاء، وأن الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل. وغني عن القول، أن نذكر أن حركتنا السياسية ليست خاضعة لأسلوب العمل الديموقراطي، في المعارضة والموالاة، فالاختلاف في الرأي، لا يعني عدم تنفيذ الأوامر، ولا يصح أن يكون هناك تحركات من وراء ظهر المسؤولين، لأن ذلك يوجد الشللية ويضعف الصفة الكيانية للحركة.

 ونركز بشكل خاص على الجهوزية، فيجب أن يكون هناك الكثير من القياديين على أعلى قدر من الجهوزية، مستعدين للاستجابة لما يندبون إليه من أعمال، وهذه حالة يجب أن لا يعتريها الفتور أو الضعف بشكل عام، وبخاصة في أوقات الأزمات والشدائد، إذ قد يعتري البعض الخَوَر لوقت قصير، ولكن دوافعهم الإيمانية تنتصر سريعاً، ويعودون أكثر استعداداً للتحرك الفوري: (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )*، وقد حصل ذلك مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي غزوة الخندق مثلاً، ندب الرسول الكريم أحداً من الصحابة ليسـتطلع خبر الأحزاب، ويضمن له الجنة، والعودة الآمنة، ولم يندفع أحد من المسلمين، فكان أن انتدب رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان باسمه ليقوم بالمهمة؛ ولهذا يجب التأكد من وجود هذا الاستعداد للتحرك الفوري، دون اللجوء إلى التكليف الخاص، الذي يشير إلى عجز في الاستعداد والإقدام.

  والعنصر الثالث هو قوة وجود وتأثير الحركة في مجتمعها وبين أبناء أمتها، فلا بد من حضور دائم لأفراد الحركة بين أبناء أمتهم، وأن يكون حضوراً محترماً، وأن يكون مقصوداً، وأن يغلب عليه رعاية الناس، واستطلاع أحوالهم لمساعدتهم، وتقصي مشاكلهم لمعالجتها بفكر الحركة، وأحكام المعالجات الشرعية التي تتبناها وتدعو لها، من جملة ما تدعو إليه من الإسلام. ولا بد من إشاعة وتعميم التأييد لمشروع الحركة الحضاري في بعث الأمة، واستئناف مسيرتها الإسلامية داخلياً وخارجياً، أي لا بد من إشباع الرأي العام بفكر الحركة وغايتها، لكي يتجاوب الناس مع الحركة، ويسيروا معها وبقيادتها لإنجاز هذه الغاية. وهذا يقتضي أن يلمس الناس، وبشكل دائم، مدى تناقض الواقع مع عقيدة الأمة، ومدى نجاعة الحلول المنبثقة عن عقيدة الأمة، وذلك بدوام تبيان المعالجات الصحيحة التي تفرضها العقيدة، إلى جوار المعالجات الخاطئة والمضطربة التي يـباشرها الحكام، وفي الأمكنة التي تجري فيها المعالجات، ما أمكن، وفي الأسواق حيث تتم المعاملات.  ليكون التأثير أقوى وأدوم.

 ومن مقومات التأييد العام والواسع للمشروع الحضاري، قوة هذا المشروع في نفسه، وقوة عرضه على الأمة، وصدق تعبيره عن تطلعات الأمة نحو الوحدة، وتحرير البلاد، وتحقيق الرعاية الصحيحة والشاملة لكل الناس في كل مناحي حياتهم، وإنجاز استعادة الأمة سلطانها وقرارها وكرامتها؛ وتجسيده لأشواق الأمة نحو اقتصاد مزدهر، وتنمية شاملة، وعدالة في التوزيع، ثم تصديق الأمة بإمكانية إنجاز هذا المشروع، وتحقيق أهدافه، من خلال رؤيتهـا لآليات تنفيذ هذه العناوين العامـة، والخـطـوط العريضـة، التي يتضـمنها المشـروع،

 

وأنها آليات سهلة وميسورة ومنتجة. وهذا يقتضي أن يكون المشروع كاملاً ومتكاملاً، وأن يكون جاهزاً للتطبيق الفوري، حين يمن الله على الأمة بالنصر، وبذلك تـنتهي دعوات التشكيك والتمييع، التي تتولاها الأجهزة والأنظمة ووسائل الإعلام، والتي سُداها قصور الإسلام عن بناء دولة عصرية تستطيع أن تثبت وجودها في عالم اليوم، ولُحمتها عجز الحركات الإسلامية عن طرح حلول ومعالجات لمشاكل الناس، ذات صلاحية للتنفيذ، وذات مردود مضمون في تغيير الأوضاع إلى الأحسن المرتجى.

ولكي لا يضعف تأييد الأمة للمشروع وحملته، ولكي لا يميع موقف الأمة الحاسم والعقيدي، لا بد من دوام شحن الأمة بالجرعات الإيمانية المكثفة، وأن هذا المشروع هو ما تفرضه عليها عقيدتها، وأن لا خيار للأمة غير تبنيه، والعمل له، وأن لا حياة كريمة عزيزة لها إلا بتحقيقه، (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، ودوام تذكير الأمة أن النصر بيد الله، ينصر من يشاء، وهو القوي العزيز، وأن تستمد العون منه، وأن تطلب الهداية والرشاد منه، وأن تلتزم الطريق الذي سار عليه رسول هذه الأمة، فتحقق له النصر، وأن تتحلى بالصفات التي تجعلهم أهلاً لاستحقاق النصر من الله (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )*، (إنّـا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )*، ويجب أن يبقى هذا الفكر العقيدي حياً في نفوس الأمة، وأي اهتزاز في هذا المفهوم، يقعد الأمة عن العمل، ويجعلها تقبل بأقل من التطبيق الشامل والفوري لأحكام دينها، وتصبح الأجواء غير صافية، وغير مواتية للنشاط الحركي، وبذلك يضعف الحركيون ويفقدون فاعليتهم وزخمهم.

   هذه أبرز عناصر قوة الحركة السـياسـية، وما عداها تبع لها، فإن تمكنت الحركة من امتلاك هذه العناصر الأساسـية، سهل عليها امتلاك وسائل ومتطلبات القيام بأعمال الحركة، وتوسيع مجال هذه الأعمـال، واستحداث أعمال جديدة، فامتلاك المال، ووسائل النشـر الواسـع، وتركيـز النشـاط وتكـثـيـفـه، كل ذلك ميسـور ما دامـت الحركـة قوية بشـبـابـهـا وبأبنـاء أمتهـا، حتى وإن فقدت بعض هذه الوسائل، فإنها سرعان ما تمتلك سواها وأكثر منها، ما دام شبابها ألزموا أنفسهم ببذل كل ما يلزم لتحقيق الغاية التي تكتلوا من أجلها، وما دامت أمتهم تحتضـنهم، وتحتضـن فكرتهم، ومسـتعـدة للمسـاعدة في سـرعة إنجاز هذه المهمة المبرورة.

وكلمة أخيرة، ربما ينتظرها المسـتعجلون، وكلنا يحـس بقوةٍ بعامـل الوقـت، وهي تتعلق بالذين يـباشرون تـنفيذ نقل الحركة إلى مرحلتها الختامية، مرحلة امتلاك القوة لتنفيذ هذا المشروع، وجعله واقعاً حياً في المجتمع وفي الدولة. وفي العلاقات الدولية. هؤلاء الرجال الأنصار، هم من أبناء أمتـنا، التي تحتضن فكرتنا وتتشوق للعيش في ظلال أحكام الشرع الحنيف، فما ينطبق على الأمة، يسري على هؤلاء الرجال الأنصار، فكلما أحسّوا بقوة المشروع المعروض عليهم، وبقوة وإخلاص من يطرحه عليهم، وبإمكانية وسهولة تنفيذه وتحقيقه، تسهل استجابتهم، ويزداد استعدادهم للتضحية والغداء، ويعمق إحساسهم بأهمية ومركزية دورهم، في إنقاذ أمتهم، وتحرير أرضهم، ورفع راية دينهم، ولكن هؤلاء يجب التحري عنهم، لمعرفتهم ومعرفة قدراتهم، ولتنظيم تحركهم ضمن استراتيجية واضحة، ولتعميق ولائهم لخالقهم ولرسولهم ولدينهم وللمؤمنين؛ والمهم أن يتيقن هؤلاء الرجال، أن هذا المشروع، قابل للتنفيذ، وقابل للحياة، وفيه خلاص العباد والبلاد، وعندها تكون العملية، عملية النقلة النوعية الحاسمة، عملية تقنية فنية صرفة، يمكن إنجازها في الظرف المحلي والإقليمي المناسب، وعندئذٍ ينجز الله وعده بنصر المؤمنين (ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *