العدد 275 -

العدد 275 – السنة الرابعة والعشرون، ذو الحجة 1430هـ، الموافق كانون الأول 2009م

صرخة إسلامية من الجزائر: «هل زهد أهلُ فلسطين بفلسطين؟»

صرخة إسلامية من الجزائر:

«هل زهد أهلُ فلسطين بفلسطين؟»

 

طاهر ف. عبد العليم –  الجزائر

الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك اللهُ حوله، والصلاة والسلامُ على من صلى فيه بالرسل والأنبياء  قبلَه، محمد رسول الله،  وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول ربنا عز وجلَّ في كتابه العزيز من سورةِ يوسفَ: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف 20] جاء في تفسير هذه الآية والتي قبلها ما يلي: وجاءت جماعة من المسافرين, فأرسلوا مَن يطلب لهم الماء, فلما أرسل دلوه في البئر تعلَّق بها يوسف, فقال واردهم: يا بشراي هذا غلام نفيس, وأخفى الواردُ وأصحابه يوسفَ من بقية المسافرين فلم يظهروه لهم, وقالوا: إن هذه بضاعةٌ استبضعناها, والله عليم بما يعملونَهُ بيوسف.

ثم باعوه بثمن قليلٍ من الدراهم, وكانوا زاهدين فيه راغبينَ في التخلص منه; وذلك أنهم لا يعلمون منـزلتَه عند الله.

هكذا فعل أصحاب حماس- فلسطين، أو قادتُهم، بفلسطين الغالية وبمسألة استرجاعها كاملةً من اليهود حيث إنهم أخفوا نواياهم في خطابهم للأمةِ يوم نشأتهم، وفهمت الأمةُ الإسلاميةُ منهم عند ظهورهم أن في جعبتهم مشروع تحريرِ كل فلسطين ومنها الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين من رجس اليهود، ولَنِعم الغاية كانت هذه. ثم ما لبثوا أن باعوها بثمن بخسٍ دراهم ومكاسب معدودة، ومواقع ومصالح محدودة.

أنزل الله تعالى في شأن يوسفَ عليه السلام وما كان من أمره سورةً من القرآن العظيم، ليتدبر الناس ما فيها من الحِكمِ البالغةِ والمواقف العظيمةِ والأمور الحكيمة.

عندما نشأت حركة التحرير (الوطني) الفلسطيني (حتف أو فتح ياسر عرفات أبو عمار وزمرته) في أواخر الخمسينات (1957م) استبشر عامةُ المسلمين في أرجاء الدنيا، وأهلُ الجزائر منهم خاصة، استبشروا بما سمعوا خيراً[1]

ثم بعد ذلك عندما نشأت منظمةُ التحرير الفلسطينية مع أحمد الشقيري ورفاقه في سنة 1964م  لتضم فتح وغير جماعة فتح، وذلك لتكثيف جهود “النضال الوطني الفلسطيني” كما قالوا من أجل تحرير “الوطن” وأعلنوها ثورةً فلسطينيةً حتى النصر!.. استبشر عامةُ المسلمين في أرجاء الدنيا، وأهلُ الجزائر منهم خاصة، استبشروا خيراً بما سمعوا على أمواج الأثير من “صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية… حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين!”. الكل يذكر هذا .

منذ إنشاء جامعة الدول العربية بتدبير من المستعمر البريطاني في سنة 1945م، قررت الدول العربية المؤسِّسة لها أن يكون لفلسطين مندوبٌ يمثلها في الجامعة على الرغم من كون فلسطين تحت الانتداب البريطاني آنذاك. وظلت فلسطين ممثَّلةً في الجامعة العربية حتى بعد نكبة 1948م، وقد تعاقب على تمثيلها في الجامعة موسى العلمي وأحمد حلمي عبد الباقي وأحمد الشقيري. وفي مؤتمر القمة العربي الأول للجامعة دخلت أميركا  الطرف الدوليُّ  الأقوى  على الخط لتُمسك بكل الخيوط فيما بعد، حيث انعقد ذلك المؤتمر في القاهرة بتاريخ 13/1/1964م استجابةً لدعوة  الرئيس جمال عبد الناصر العميل الأميركي المتخفي بالعروبة والاشتراكية وعدم الانحياز  لمواجهة، حسب زعم  الدول العربية، عزم (إسرائيل) تحويل نهر الأردن، فتم إصدار قرار يقضي بإنشاء كيانٍ فلسطيني يعبر عن إرادة شعب فلسطين، ويقيم هيئةً تطالب بحقوقه لتمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره، وكلف المؤتمر أحمد الشقيري ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية آنذاك بالاتصال بأبناء فلسطين لهذه الغاية حيثما كانوا وإبلاغ مؤتمر القمة بالنتيجة. قام على أثر ذلك أحمد الشقيري بجولة زار خلالها الدول العربية واتصل بأبناء فلسطين فيها، وأثناء جولته تم وضع مشروع الميثاق والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتقرر عقد مؤتمر فلسطيني عام، واختار الشقيري اللجان التحضيريةَ للمؤتمر في جميع البلاد العربية “المضيفة” للفلسطينيين. انعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في مدينة القدس من 28/5 إلى 2/6/1964م وافتتحه  الملك حسين المخلص للإنجليز منشئي مملكته وألقى فيه خطاباً. تفرعت عن المؤتمر تسعُ لجانٍ وخرج بالعديد من القرارات أهمها إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية حيث نص القرار على التالي: «إيماناً بحق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه المقدس فلسطين، وتأكيداً لحتمية معركة تحرير الجزء المغتصب منه وعزمه وإصراره على إبراز كيانه الثوري الفعال وتعبئة طاقاته وإمكانياته وقواه المادية والعسكرية والروحية، وتحقيقاً لأمنية أصيلة من أماني الأمة العربية ممثلة في قرارات جامعة الدول العربية ومؤتمر القمة العربي الأول، نعلن بعد الاتكال على الله باسم المؤتمر العربي الفلسطيني الأول المنعقد بمدينة القدس في 28/5/1964م قيام منظمة التحرير الفلسطينية قيادةً معبئةً لقوى الشعب العربي الفلسطيني لخوض معركة التحرير، ودرعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقاً للنصر». لا يخفى على المتتبعين أن معركة التحرير المعبَّر عنها في البيان وأن المنظمة الفلسطينية هذه قد نشأتا تيمُّناً بالثورة الجزائرية واقتداءً بجبهة التحرير الوطني الجزائرية التي  كانت خرجت للتو  منتصرةً انتصاراً مدوياً في عيون  شعوب وحكام المنطقة في 1962م، وتماشياً مع فكرة “حق تقرير مصير الشعوب” الاستعمارية هي الأخرى، وقد كانت المحطة الجزائريةُ من قبلُ الحضن الدافئ لفتح حيث  افتُتح  أولُ مكتب للحركة في العاصمة  الجزائرية قاده أبو جهاد، وكان ذلك في 23/09/1963م، فجاءت المنظمة كهيئةٍ تحمل تماماً بصماتِ الجبهة الجزائرية في تشكيلها وتنظيمها محاوِلةً جمعَ مختلفِ قوى الشعب ومعبرةً عن إرادته تحت سقف الفكرة الوطنية الهابطة والعلمانية اللعينة، وفي ذات الوقت متنكرةً حقيقةً لا في الظاهر للإسلام المحركِ الحقيقيِّ للجهاد تنكراً عجيباً، مبعدةً لأي تيار إسلامي في تركيبتها، ومفضِّلةً كلمة النضال على كلمة الجهاد، لتستوعبَ حسب زعمهم عمليةُ التعبئةِ والتحريرِ غيرَ المسلمين من أهل فلسطين!! فيا لها من خدعة استُهلكت فيها مشاعر المسلمين! ويا لها من خسارة! ويا له من كفاح رخيص!  يجب أن نذكِّر هنا أن هؤلاء وأولئك في الجزائر وفي فلسطين وفي غيرهما، ظلوا دائماً من أجل الحفاظ على مواقعهم ومكاسبهم لدى شعوبهم حريصين قبل “التحرير” وبعده على الظهور في الشاشات واقفين  في الصفوف الأولى للصلاة في الأعياد والمناسبات في مساجد معينةٍ من عواصمهم تحت حراسة مشددةٍ للغاية،  ليخرجوا منها بعد ذلك ويستأنفوا مهمتهم الأصلية الموكلة إليهم دون كللٍ ولا مللٍ وبعزيمةٍ لا تفتر، وهي حربهم على الإسلام والمسلمين تحت مسمياتٍ مختلفة منها الإرهاب ومنها الإسلام السياسي ومنها الأصولية الإسلامية ومنها التطرف الديني!

انتهت الآن قصةُ فتح المحزنة كبرى فصائل منظمة التحرير، ومعها قصةُ المنظمة نفسها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني (الشرعي والوحيد عند أصحابها وعند من أنشأها)، انتهت إلى المطالبة بشيءٍ من بعضِ فتاتِ ما بقي من فلسطين الغالية عبر الاستجداء والركوع لأوروبا والسجود لأميركا من أجل أن تمارس الأخيرةُ ضغطاً على ما يسمى (إسرائيل) المعترف بها دولياً؛ لعلها تقبل لأصحاب السلطة الوهمية بشيء من الأرض ليقيموا عليه بعضَ ما أوهم قادةُ المنظمة شعبَهم على مدى أكثر من أربعين عاماً بتحقيقه من خلال مسيرة طويلةٍ كان أولها الكفاح المسلح المزعوم ووسطها سلام الشجعان المهين وآخرها التنسيق الأمني مع العدو والتآمرُ على أهل فلسطين!! هذا وقد وصل العبث بأصحاب المنظمة أن سبق وأعلنوا في الجزائر بتاريخ 15/11/1988م عن قيام دولة فلسطينيةٍ وهميةٍ لا ينقصها سوى الأرض والجيش والسيادة والمياه والقدس ومعظم الشعب!

أدرك جميع الناس الآن أن منظمة التحرير الفلسطينية من عرفات إلى عباس إلى من يأتي بعده صناعةٌ غربيةٌ لا شأن لها بتحرير فلسطين، وإنما هي أداة رخيصة وماكرة بيد الأوروبيين والأميركيين وما يسمى (إسرائيل) ذاتها، رغم إخلاص المخلصين من فتح، ومن غير فتح، لله أو لفلسطين الأرض والوطن، أو لهما معاً (مازجين الإسلام  بالفكرة الوطنية الدنيئة)، تجري من خلالها في الظاهر تمثيليةُ استرجاع حقوقِ أهل فلسطين بعدَ ما حل بهم من نكبة 1948م ونشوء ما يسمى (إسرائيل) وما  تلاها من نكبات: من ضياع بعض فلسطين إلى ضياع معظم فلسطين، إلى خسارة كل شيء! فلا قدس ولا أرض ولا دولة ولا عودة، ومسيرة السلام – الخيار الاستراتيجي!- متواصلة تشق عباب البحر وتقهر الزمن، ولا بديل عند أصحابها عن التفاوض، وغصن الزيتون لم يسقط، بل وأبى أن يسقط!…  وتجري من خلالها في الحقيقة عمليةُ تثبيت هذا الكيان الخبيث في جسد الأمة مع مرور السنوات، بتواطؤ جميع حكام العرب وغير العرب دون استثناء في البلاد الإسلامية عبر جميع أنواع الخذلان والخديعة والتآمر والمعارك الوهمية، لأنهم ببساطةٍ هم أنفسهم كذلك صناعة غربية.

وعندما ظهرت حماس- فلسطين في 1987م إلى الوجود، استبشر عامةُ المسلمين في أرجاء الدنيا، وظن  أهلُ الجزائر المسلمون خاصة بجماعة حماس خيراً. فقد جاءت بصفتها الإسلامية ملبِّيةً في نظرهم لنداء التحرير عبر ما يسمى المقاومة. وقد لاحظ المسلمون موقف حماس الرافض لاتفاقية أوسلو غداة توقيعها وإعلانها في 1993م[2].

وبطبيعة الحال صارت حماس في أعينهم، أي في أعين المسلمين، تستحق كلَّ أصناف التأييد والدعم. ومع أن مناديَهم في أواخر الثمانينات من القرن الماضي رفع شعار الجهاد في سبيل الله من أجل تحرير فلسطين من قبضة  العدو، وعودة كل فلسطين إلى أهلها، إلا أن مسيرتهم عبر الزمن سرعان ما تم تكييفها، كما أريد لها،  مع معطيات التآمر الدولي على الإسلام وعلى فلسطين والهادف إلى ثلاثة أمور:

ـ  تثبيت كيان ما يسمى (إسرائيل) في قلب الأمة الإسلامية من أجل صرفها عن قضيتها الأساسية التي هي الدولة الإسلاميةُ عنوانُ عزة المسلمين.

ـ تمييع القضية الفلسطينية عبر مفاوضات العملية السلمية ومؤامرات الحروب الإقليمية، وعبر المماطلة وربح الوقت في التفاوض، تارة بحجة عدم وجود شريك حقيقي يريد السلام، وتارة بحجة موضوع القدس، وتارة بحجة عدم الاتفاق على الوضع النهائي، والسنوات بل العقود تمر، وتارة بحجة الانقسام الفلسطيني[3]. وتارة بحجة عدم استجابة السلطة (الوهمية) للمجتمع الدولي بما يكفي في محاربة ما سمي “الإرهاب الإسلامي الفلسطيني”، وتارة بحجة وصول صقور متشددين إلى سدة الحكم في ما يسمى (إسرائيل) ولزوم انتظار مجيء الحمائم، وتارة بحجة ضرورة  وقف أو على الأقل تجميد الاستيطان في أراضي الضفة والقدس الشرقية. والجميع في الانتظار!!…  هذا مع الوطنيين العلمانيين، أما مع الوطنيين الإسلاميين فيُضاف إلى ذلك:

إشراك حماس أو بالأحرى إقحامُها في سلطة وهمية تحت حراب الاحتلال الغاشم المسيطر على الجو والبر والبحر ، ثم جعلها بالتالي عاجزة في مواجهة شرائح واسعةٍ من المجتمع فيما لا قبل لها به، إذ هي في موقع رعاية الشأن العام ومصالح الناس وبسط السيادة، المفقودة أصلاً، والدفاع عن الأرض وعن الناس وعن شواطئ غزة وصد كل عدوان[4]!

دخل أصحاب حماس- فلسطين في متاهات ودهاليز اللعبة السياسية بكل ما تحمل من معنى كما خطط لها منشئو حماس، ومنشئو فتح من قبل، حتى وصلوا إلى معادلةٍ مفادها أن لا جدوى بل ولا أمل من المطالبة بما احتل قبل 1967م! وأنه لا مناص إذاً من المطالبة فقط بما احتل عقب حربِ سنة 1967م وبالتالي لا مفر من الاعتراف بما يسمى (إسرائيل). ولكن لم يقولوها بهذه الألفاظ!

وأنه لا مناص من القبول بالقرارات الدولية ولا مناص من مد اليد إلى أميركا اللاعب الأساسي في المنطقة، خصوصاً أميركا أوباما أي الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، ذات السياسة الجديدة والوجه الجميل في نظر كبيرهم!

يرجى الرجوع إلى خطاب زعيم حركة حماس مشعل الأخير الذي ألقاه تزلفاً لأميركا قبيحة المظهر والمخبر في قاعة خاصة جنوب العاصمة السورية دمشق في يوم 25/06/2009م ليدرَك ما في جعبتهم من قدرة عجيبة على التلاعب بالألفاظ والتلاعب في المواقف حسب ما تمليه المواقع والمصالح وأمورٌ لا نعلمها. قال حرفياً:  إننا نلمس تغييراً في النبرة والخطاب الأميركي تجاه المنطقة والعالم الإسلامي كما بدا في خطاب أوباما في القاهرة… لكننا لا نسحر بالخطابات، فمفعول اللغة مؤقت وعابر بل نبحث عن التغيير في السياسات على الأرض، وقال: نحن وإن رحبنا بالتغيير في لغة أوباما، لكننا بكل وضوح لم نتجاوز هذا الحد طالما بقي التغيير في حدود اللغة. إلا أن الجديد في خطاب مشعل هذا هو إفصاحه بوضوح وصراحة عن التوجه السياسي القديم الجديد لحركة حماس، وهو الذي كان مطلوباً منها من العديد من الجهات الفلسطينية والعربية والدولية، وهو اعترافه بأن كل ما تطمح إليه حماس هو دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967م أي في القطاع والضفة والقدس الشرقية ، إذ قال بالحرف:  إن البرنامج الذي يمثل الحد الأدنى لشعبنا، وقبلناه في وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي مشترك لمجمل القوى الفلسطينية، هو قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران عام 1967م بعد انسحاب قوات الاحتلال وإزالة جميع المستوطنات منها، وإنجاز حق العودة. ورغم أن هذا التصريح يعني الاعتراف العلني والرسمي بما يسمى (إسرائيل) إلا أن ازدواجية الخطاب والمواقف لديهم يغطي هذه الحقيقة، فماذا عسانا أن نفهم من هذا الكلام وأين ذهب معظم فلسطين؟؟

كنا نتحفظ على ذكر حماس بما تستحق من أوصاف بسبب أسلوب المراوغة الذي انتهجته منذ نشأتها، ما منع تصريح كبرائها عما يضمرون لعامة أهل فلسطين، الذين هم منا ونحن منهم بوصفنا مسلمين، وما يضمرون لعامة المسلمين من خداعٍ أبداً لا يمليه عليهم إسلامُهم وشرعُ ربهم وإنما تمليه عليهم مواقعُهم ومصالحهم وعواصمُ الدولِ الحاضنةِ لهم التابعةِ لعدو أمتهم. كنا نتحفظ أشد التحفظ عسى أن يتداركوا ولا ينـزلقوا إلى هذا المنـزلق، كما وددنا من قبلُ ألا يدخلوا في الانتخابات أولَّ مرة، ولكنهم لم يتعظوا بما رأوا من تجارب عديدةٍ سبقت في شتى البلاد الإسلامية، وأبوا إلا أن يسلكوا مسلك فتح، حتى وصلوا إلى الجهر بها مدوية بلسان الحال والمقال.

أما وقد وصلوا إلى نهايتهم هذه باعتبار أن الأمة الإسلاميةَ، التي كانت ولا تزال تنبض بالعداء المطلق لأعداء الله ورسوله من يهود وغيرهم، ستلفظهم لفظ النوى وتغسل يديها منهم سبعاً وممن على شاكلتهم، حتى يرجعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على بصيرةٍ وبينة : أين وجدوا في كتاب الله أو سنة رسول الله أو نهج صحابة رسول الله أو سيرة الخلفاء من بعدهم أن يُقرّوا عدوَّ الله ورسوله من يهود على فلسطين أو معظمها أو بعضها أو أجزاء منها أو شبر منها، لا بوصفهم أفراداً من يهود فحسب بل بوصفهم دولةً وكياناً خبيثاً ملعوناً أنشأه أعداء الإسلام الغربيين من الأوروبيين والأميركيين خصيصاً لمحاربة المسلمين عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، لا بل وللحيلولة دون عودة الإسلام إلى الحكم من جديد؛ لأن الكفار من الإنجليز والأميركيين على وجه التحديد يعلمون من شأن الخلافة الإسلامية ما يجهله الكثير من أبناء الأمة الإسلامية عموماً وما يجهله هؤلاء النائمون خصوصاً! أين وجدوا هذا في سيرة من سبقهم من المسلمين؟

يقولُ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أرادَ ببيتِ المقدس ِسُوءاً أهلكهُ اللهُ».

نقول.. أما وقد وصلوا إلى نهايتهم هذه فحُق لنا أن نقول: يتمثل أسلوب المراوغة هذا الذي استخدموه تحديداً في أنهم يقدِّمون على المنابر الإعلامية خطاباً سياسياً يَفهمُ منه أتباعُهم وعامُتهم وبعضُ عامةِ المسلمين: عدم الاعتراف بما يسمى (إسرائيل)، وعدم التخلي عن المقاومة والجهاد، مع إمكانية الدخول في تهدئة (كلمة مستحدثة تستعمل عندهم)، وعند الاضطرار إقامة هدنة طويلة الأمد، المهم عدم التفريط في أي شبر من أرض فلسطين.. هذا في الخطب وفي وسائل الإعلام خاصةً في الداخل، أما عملياً فسيرتهم لا تختلف عن سيرة من سبقهم إلا بالاسم!

أما وقد وردوا هذا المورد ونطق رئيسُهم بصريح المقال في دمشق بما كانوا يخفون من قبلُ، وتبعه هنية والزهار، علماً أن هنية ما يزال في بعض المناسبات على المنابر يقول: لن نعترف أبداً بدولة (إسرائيل)!…  فحُقَّ لنا أن نقول في شأنهم للمسلمين عامتهم وخاصتهم وبالأخص لأهل فلسطين ما يلي والله المستعان:

قد يظن البعض أن حماس كانت بخير وعلى هدى مستقيمٍ وأنها ما زلّت قدمها إلا بعدما دخلت اللعبة الديمقراطية خطأً وخاضت الانتخابات في يوم 25/01/2006م من أجل المشاركة في سلطة وهمية على جزء يسير من فلسطين. إن هذا الظن ليس في محله بل الأمر أخطر. إن الطريق الذي سارت وتسير عليه حماس طريق معوج ومنحرفٌ من أول يوم. وبالرغم من مشاهدتهم – جرياً على واقعيتِهم ومنطقِهم المرفوضين شرعاً – كيف أنه في كثيرٍ من بلاد المسلمين لم تُحقق المشاركةُ في الحكم للمسلمين أيَّ نفع يذكر أو أي إنجاز يستحق أن يُنظر، وبالرغم من النصح الذي قُدم لهم من كثيرٍ من المسلمين قبلَ ولوج لعبة المشاركة في الانتخابات التشريعية البرلمانية وفي وهم السلطة الوطنية الفلسطينية على أنه شَرَكٌ لا يرادُ منه سوى  انتزاع الولايات المتحدة وما يسمى المجتمع الدولي من خلالها وبموجب نتائجها الملزمِة صكاً نهائياً وبشكلٍ موهمٍ بإجماع أهل فلسطين أو الأغلبية منه حسب قواعد الديمقراطية الملزمة لمن قَبِل بها ابتداءً، فحواه الاعترافُ بما يسمى دولة (إسرائيل) من خلال مجلسِ أو برلمانِ ممثلي الشعب الفلسطيني المنتخَبين “ديمقراطياً” على مرأى ومسمع من العالم، مجلسٍ يشرع القوانين لأهل فلسطين، ولن يكون في مقدوره بعد ذلك تجاوز الدور المنوط به ولن  يُسمح له دولياً سوى التفكير بكيفية تنفيذ ما تم الاتفاقُ عليه من قراراتٍ دوليةٍ ملزمةٍ بشأن هذه المسألة العظيمة أي مسألة فلسطين…

 فبالرغم من وضوح هذا المسلك الذي يجر جرًّا بل يدفع دفعاً مباشراً نحو الخيانة إلا أن واقعيتهم الفخورين بها أعمتهم عن طريق الحق وجادة الصواب.

وهنا لابد لنا من كلمة تؤصل لهذا الموضوع:

إن سيادة الشرع على آراء البشر في كل زمان ومكان أحدُ أسس نظام الحكم في الإسلام باتفاق، حيث أن الدولةَ إن جعلت التقنين أي تشريع الأحكام التي تأمر الناسَ بها، إن جعلته للناس ملوكاً كانوا أو مجالس أو برلماناتٍ، تكون قد نافست أو تحدَّت ألوهية الله عز وجل، وكفى بذلك بعداً عن الإسلام الذي جاء به عبد الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ولذلك تتناطح الديمقراطية مع الإسلام تناطحاً صريحاً في الأساس، ويظهر مدى زيغ مقولة الديمقراطية الإسلامية، وكذلك من باب أولى مقولة ديمقراطيتنا ليست كديمقراطيتهم!

أما فيما يتعلق بوصفِ الحركة أو الحزب أو الجماعة  أو حتى الدولة بأنها إسلامية أو غير إسلامية فهذا يُطلق اصطلاحاً على مَنْ يقوم منها على أسس الإسلام أو لا، ممَّا يجب شرعاً أن يقوم عليه حسب الحالة من كونها جماعةً أو دولةً، وهو ما يبقيها عندنا في دائرة الإسلام أو يخرجها منها . أما الفرد فيوصفُ بأنه مسلم ومسلمة ولا يقال إسلامي أو إسلامية رغم استعمال أعداء الإسلام وبعض المضبوعين لهذا المصطلح لنعتِ حَمَلَة دعوة الإسلام والعاملين لتغيير أوضاع الأمةِ على أساس الإسلام بصفة عامةٍ، أي الذين حملوا أمانةَ التغيير من خلال وجودهم في حركاتٍ أو أحزاب عاملةٍ في ميدان الصراع، بل ويستخدمونه لتمييزهم عن غيرهم من المسلمين، وهو ما يجب رفضُه شرعاً، فكلهم مسلمون ومسلمون فحسب، ويجب على الجميع حملُ أمانةِ الإسلام ودعوةِ الإسلام رجالا ً ونساءً  بوصفهم مسلمين ومسلماتٍ لا بأي وصف آخر.

كذلك الحركات التي تعتبر نفسها إسلاميةً وتنتحل صفةَ دين الأمة، فبمجرد ما تتنكر وتتخلى عن أي شيء مما هي قائمةٌ عليه ومن أجله مما هو معلومٌ من الإسلام بالضرورة ، تُسلبُ منها صفةُ الإسلام. وإلا فكيف نفرق بين الحركات أو الأحزاب الإسلامية من جهة – والتي بوصفها الإسلامي لا ينبغي أن تختلف فيما بينها إلا في الفروع اختلافاً يقرُّه الإسلام نفسه بحكم الاجتهاد في فهم الشرع، فهي في دائرته مهما تباينت – وبين الحركات والأحزاب القومية والوطنية والعلمانية والشيوعية والرأسمالية وغيرها من جهة أخرى؟

يكره أعداء الإسلام هذا الكلام أشد الكره. وكذلك كثيرٌ من المسلمين المضبوعين يكرهونه أشد الكره لا لشيء إلا لأنهم فقدوا هويتهم أو استبدلوا غيرها بها، حتى إنهم لا يحبذون أن يكون المسلمون أمةً واحدةً من دون الناس كما أمر دينهم، ولا يريدون أن يكون التفريق بين الناس على أساس الدين والعقيدة كما يريد ربهم، بل يفضلون اعتبار جميع البشر في منطقة رمادية لا تبرز فيها هوية المسلمين إزاء الكفار، وينعتون أصحاب هذا الكلام الذي يكرهونه بالتكفيريين. والله تعالى يقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن 2]، فأيهما أحق بالاتباع؟!

إننا نجزم هنا أن كلَّ حركة تعتبر نفسها إسلاميةً بمجرد ما تعترف بما يسمى (إسرائيل) فإنها عندئذٍ تفقد حتماً وبالضرورة صفةَ الإسلام ولا تبقى حركةً إسلاميةً بل هي تصير شيئاً آخرَ بغض النظر عن أفرادها المسلمين، فإنهم مسلمون ولاشك، ولطالما انتسب أفرادٌ مسلمون إلى حركاتٍ وأحزابٍ وطنية وقوميةٍ بل إلى حركات اشتراكية وماسونية وديمقراطية وغير ذلك، فهل صارت هذه الحركاتُ والأحزاب إسلاميةً بانتماء هؤلاء المسلمين إليها؟ وهذا بالتحديد ما وقعت فيه حماس- فلسطين.

والآن أين نضع مسألةَ الاعترافِ بدولة ما يسمى (إسرائيل) من كل هذا الذي ذكرنا؟ وأين نضع المعترفَ بها من المسلمين في شرع الله؟ وما معنى الاعترافِ بها؟ وهل المعترفُ بها آثم إثماً صغيراً أو كبيراً أم أن الأمر أخطر؟ وهل الاعتراف بما يسمى (إسرائيل) يتناقض مع الإسلام في الأساس أم في الفروع؟

[يتبع]

 


1- قبل العام 1957م كانت هناك لقاءات عديدة بين القيادات التاريخية لحركة فتح يجمعها الهمُّ المشترك والبحثُ عن الخلاص بعد ما حل بأهل فلسطين من نكبة 1948م وما قبلها من مصائب وضرورةُ إيجاد الشكل التنظيمي الأنسب والمعبِّر عن مجموع الحالة الفلسطينية ورسم خطوط التحرك المشترك، إلا أن النصف الأخير من عام 1957م شهد الولادةَ الحقيقيةَ لحركة فتح وذلك من خلال الاجتماع التأسيسي الأول للحركة في الكويت والذي عقده خمسةٌ من الأوائل من بينهم أبو عمار وأبو جهاد.

2– مصطلح المقاومة في الحقيقة يعبر في المعنى عن حل وسطٍ بين الجهاد المعروفِ في الإسلام بجميع أنواعه وبين القعود أي التسليم بالواقع أو الاستسلام للعدو. أما اتفاقية أوسلو المشؤومة التي  وقعها عباس وبيريز في 13/09/1993م فقد تم فيها التوقيع على ما سمي آنذاك اتفاق إعلان المبادئ، وكانت تقضي بالتنازل عن معظم فلسطين بإنشاء سلطة وطنية فلسطينية في الضفة وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتعدى خمسَ سنواتٍ تحت شعار “غزة وأريحا أولا”،  تُفضي بعد ذلك إلى قيام الدولة! خرج يومها أنصار حماس وغيرُهم، كما كان يلزم شرعاً،  إلى الشارع منددين ورافضين كل ما جرى وكلَّ ما اتُّفق عليه في أوسلو في السر وفي العلانية باعتباره مؤامرةً على الشعب الفلسطيني.

3– مصطلح الانقسام هذا يعبر عن وضع جديد تماماً نشأ بعد استفراد حماس بقطاع غزة وإنهاء قبضة عباس عليها على أثر انقلاب ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية على الحكومة التي أفرزها فوز حماس في انتخابات 2006م التي شهد لها كارتر بأنها كانت نزيهة وشفافة وديمقراطية، في ظل الاحتلال! بينما يتهم ويدعي أصحاب السلطة الوهمية في الضفة أن حماس هي من قام بالانقلاب في يناير 2007م على شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة عباس. فمن انقلب على من؟ جدال لا يزال بينهم قائماً حتى الآن!

4- حماس أو ما يشبهها من فصائل كالجهاد الإسلامي وكذلك  المنظمة وبناتها وأخواتها هم نزر قليل من أهل فلسطين، فلا يظنن أحد أن هؤلاء هم أهل فلسطين. يلعب الإعلام في الغرب و كذا التابعُ هنا في البلاد الإسلامية للغرب لعبةً خبيثةً لتمرير سياساتِه في إبراز من يُراد إبرازهم، وفي المقابل التعتيم على من يجب غربياً تجاهلُهم أو إسكاتُهم أو إبعادُهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *