العدد 87 - السنة الثامنة صفر 1415هـ, تموز 1994م

العلاقات بين الطالباني والبرزاني

انفجرت الأحداث في كردستان العراق مرة أخرى بعد محاولة القضاء على «الحركة الإسلامية» فيها منذ بضعة أشهر، إلا أن الانفجار هذه المرة كان بين «حزب الاتحاد الوطني الكردستاني» (جماعة الطالباني) من جهة وبين «الحزب الديمقراطي الكردستاني» (جماعة البارزاني) من جهة ثانية، وجاء إثر حادث بسيط كان من الممكن احتواؤه بسهولة لو كانت نيات الطرفين صادقة وكانا حريصين على عدم تطور الموقف. إلا أن الاتحاد الوطني اتخذ من الحادثة ذريعة لتفجير الوضع بشكل واسع ومبرمج.

والحادث المذكور حصل في بداية شهر أيار عندما قام أحد أفراد الحزب الديمقراطي ومن عشيرة مسعود البارزاني بالمطالبة بأملاك لوالده في بلدة «قلعة دزة» وكانت هذه الأملاك تشمل بيوتاً يسكنها عائلات من الاتحاد الوطني. وعند المطالبة حدث شجار بين الطرفين تطور غلى اقتتال أدى لقتل ثلاثة أشخاص وجرح ستة آخرين من الطرفين. وعلى الأثر اجتمع المكتبان السياسيان لكلا الحزبين برئاسة مسعود البارزاني وقررا حل المشكلة بتقديم من تسبب بالحادث إلى سلطان حكومة الإقليم. ولكن في الليلة نفسها قامت قوات الاتحاد الوطني في «السليمانية» و«قلعة دزة» و«رانيه» (وتبعد هذه عشرات الكيلومترات عن بعضها البعض) وبشكل مفاجئ ومنسق بضربة عسكرية لمقرات الحزب الديمقراطي فيها وفي القصبات التي حولها، واحتلها بالقوة كما اتخذت احتياطات واسعة في مناطق أخرى، مما حدا بالحزب الديمقراطي غلى القيام بعملية مضادة احتل فيها مقرات الاتحاد الوطني في محافظة «دهوك» كلها تقريباً، ولكن دون إراقة دماء في هذه المناطق، كما احتل مقرات الاتحاد الوطني في «جمجمال» بالقوة وكذلك في «حلبجة» و«سيد صادق».

والذي قاد عمليات الاتحاد الوطني هو وزير الدفاع في حكومة الإقليم (من الاتحاد الوطني) وهو جبار فرمان وهو نفسه الذي قاد عملية ضرب «الحركة الإسلامية» في كانون الأول 1993 الماضي. وفي «السليمانية» قام الاتحاد الوطني بتصفية عناصر من الحزب الديمقراطي وأخذت من آخرين براءات من حزبهم بالقوة. وهذا ما يعكس مدى الحقد الكبير بين الحزبين لا سيما لدى جماعة الطالباني التي استخدمت وسائل منكرة كقتل الأسرى المنتمين إلى الحزب الديمقراطي و«الحركة الإسلامية» في المناطق التي سيطر عليها الاتحاد الوطني، خاصة في السليمانية التي يحاول الاتحاد الوطني الحفاظ عليها بأي ثمن.

بعد هذه التطورات، احتشدت قوات الطرفين قرب بلدة «شقلاوة» حيث مقر مسعود البارزاني وحيث لا يبعد عنها مقر «المؤتمر الوطني العراقي» أكثر من عشر كيلو مترات. ويبدو أن الاتحاد الوطني كان في نيته اقتحام مقر مسعود البارزاني في «صلاح الدين» وهيأ لذلك إعلامياً في الداخل، وكان يراهن كثيراً على دور لحزب العمال الكردستاني في الاقتحام – حيث يحتفظ حزب العمال هذا بقوة كبيرة ومدربة في معسكر «زلي» قرب «قلعة دزة». وتقول مصادر من الحزب الديمقراطي أنها استقت معلومات موثوقة بأن الاتحاد الوطني طلب من حزب العمال الكردستاني أن يساعده في القتال لكن الأخير رفض وقال إنها مشكلة داخلية لا شأن له فيها. لكن الذي منع حزب العمال هذا من أن يتدخل في القتال ضد الحزب الديمقراطي لا يزال أمراً غامضاً خاصة وأن العلاقات بينه وبين الحزب الديمقراطي سيئة للغاية. والذي يمكن أن يفسر موقف حزب العمال بعدم مشاركته الاتحاد الوطني في قتال الحزب الديمقراطي هو أنه لم يطمئن لأهداف ونيات الطالباني، إذ أن الشائع عن الطالباني من تاريخه ومواقفه السياسية أنه لا يؤتمن.

وطوال هذه الفترة كان المكتبان السياسيان للحزبين يجتمعان ويتوصلان إلى اتفاقات، بمساعدة وإشراف «المؤتمر الوطني العراقي»، كطرف ثالث، لتطبيع الوضع، ولكن الاتفاقات سرعان ما كانت تخرق من قبل وزير الدفاع، وكأنه غير معني بوقف إطلاق النار، واستمر في حشد قواته في «شقلاوة» وفي «كويسنجق».

وكان آخر اتفاق توصل إليه الطرفان في 18 أيار وخرق باحتلال وزير الدفاع لبلدة «كويستنجق» وطرد الحزب الديمقراطي منها. ويعمل وزير الدفاع هذا بتوجيهات مباشرة من الطالباني. وعلى اثر احتلال وزير الدفاع لبلدة «كويسنجق»، ضغطت أوساط مسعود البارزاني عليه بشدة للتعامل مع الوضع بشكل مجابه لوضع حد لحماقات الاتحاد الوطني، على حد قولهم، وعندها قامت قوات الحزب الديمقراطي بتوجيه ضربة عنيفة إلى قوات الاتحاد الوطني في بلدة «شقلاوة»، ودارت معركة عنيفة جداً (وبالسلاح الأبيض) بين الطرفين استسلمت على أثرها قوات الاتحاد الوطني في البلدة. وإلى الآن فإن أنباء هذه الاصطدامات لم ينشرها إعلام الحزبين ولا الإعلام الخارجي.

والذي أتصوره هو أن الاتحاد الوطني أراد من هذه العمليات ومن تصعيده للموقف بسيطرته على منطقة «سوران» (التي تشمل محافظات اربيل والسليمانية وقسم كبير من محافظة كركوك التي تحت الإدارة الكردية) هو أن يتمكن من تقسيم كردستان العراق إلى منطقي نفوذ إحداهما منطقة «سوران» التي ينتمي إليها الطالباني والأخرى منطقة «بهدنيان» التي ينتمي إليها مسعود البارزاني والصغيرة بالنسبة إلى منطقة «سوران». وهذا التقسيم الجغرافي في كردستان العراق هو هدف جلال الطالباني منذ أن وجد كشخص سياسي ومنافس للبارزاني على الساحة الكردستانية، وهو من مخلفات سموم الإنكليز في مطلع العشرينات من هذا القرن للتفرقة بين أبناء البلد الواحد، وكانت فكرة التقسيم هذه إحدى الأوراق السياسية الكبيرة التي كان يستخدمها الطالباني ضد الملا مصطفى البارزاني كما ضد ابنه مسعود البارزاني وحزبه الآن. إلا أنه منذ فترة أخذت ورقة الطالباني هذه تفقد مصداقيتها شيئاً فشيئاً بعد نشوء الحركة الإسلامية في منطقة «سوران» أي في قلب معقل جلال الطالباني نفسه وفي مدينة السليمانية بالذات. ويبدو الآن أن الخيار العسكري الذي كان يراهن الطالباني والاتحاد الوطني عليه في ذلك التقسيم قد اسقط بتدمير قواته في بلدة «شقلاوة».

أما ما جعل الوضع العسكري يهدأ قليلاً الآن فيعود، في رأي، إلى ثلاثة أسباب: (1) عدم مشاركة قوات حزب العمال مع الاتحاد الوطني لضرب الحزب الديمقراطي وبالتالي عدم تكافؤ القوى كما ظهر في «شقلاوة». (2) الهزيمة العسكرية المنكرة التي لحقت بقوات الاتحاد الوطني في «شقلاوة» والتي كانت تتهيأ للهجوم على المقر العام لمسعود البارزاني وكذلك الإصابات الكبيرة في صفوف الاتحاد الوطني في جهات كثيرة لأنها كانت هي التي تهاجم. (3) الرأي العام في كردستان تحرك ضد الطالباني حيث حدثت مظاهرة جماهيرية في السليمانية تندد بالاقتتال وتطالب بتقديم المسببين إلى الجزاء – وهذا يعني جماعة الطالباني لأنهم هم الدين تسببوا ببدء القتال، (وهناك أنباء عن إطلاق النيران على المتظاهرين في المدينة من قبل جماعة الطالباني).

إن الوضع العسكري الهادئ الآن، بعد تلك التطورات، معرض للانفجار في أية لحظة وقد تكون المرة القادمة أعنف وأقسى على عامة الناس، الذين يبدو عليهم أنهم مغلوبون على أمرهم وأنه لا حول لهم ولا قوة، إلا أن إمكانية انجرافهم في القتال قائمة، لأن الحقد والبغض والكراهية قد دخلت بين الناس حتى في العائلة الواحدة. وبات الوضع السياسي واضحاً بأن سياسيات الحزبين متناقضة جداً وسيحاول كل طرف الدخول في تحالفات جديدة للحفاظ على نفوذه حتى ولو كان ذلك بمساعدة طرف خارجي. ويبدوا أن دور برلمان وحكومة الإقليم قد انتهى، كما يستبعد أن تجري انتخابات أخرى في كردستان ما دام الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني هما اللذان يتحكمان بزمام الأمور وما دام الطالباني مصراً على أن لا يقبل ما يعتبره وصاية عليه من قبل مسعود البارزاني وحزبه، مهما كلف ذلك من تقاتل بين المسلمين.

26/05/ 1994                                                                            حسن سعدي محمد

«الوعي»: هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي «الوعي». نحن في «الوعي» نلفت نظر إخواننا في شمال العراق بوصفهم «مسلمين» وليس بوصفهم «أكراد»: (1) أن يتصرفوا تصرفاً إسلامياً خالصاً وأن ينبذوا أمر العنصرية ويجعلوه تحت أقدامهم. (2) أن يقوّموا اعوجاج العملاء الذين يتزعمونهم، وإلا أن يسقطوا زعامتهم. (3) أن يرفضوا حماية الأميركان والإنجليز والفرنسيين لأنهم أعداء كفرة. (4) أن يعملوا مع العاملين لإسقاط نظام صدام وبقية أنظمة الكفر القائمة في بلاد الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية الراشدة.        

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *