العدد 87 - السنة الثامنة صفر 1415هـ, تموز 1994م

حساب الجُمَّل وحساب الأبراج (التنجيم)

السؤال:  

يتكلم كثير من الكتب عن حساب يسمونه «حساب الجُمَّل» ويقولون بأنهم يستطيعون بواسطته معرفة كثير من أحداث المستقبل.

ويتكلم كثير من الناس عن الأبراج، وأنهم يستطيعون معرفة كثير من الأمور المتعلقة بالشخص بواسطة معرفة برجه.

فهل لكم أن تفيدونا عن هاتين المسألتين؟

الجواب:

حساب «الجُمَّل» مأخوذ عن اليهود قبل الإسلام. ونقل العرب عنهم هذا الحساب. وقد أعطوا كل حرف من الحروف الهجائية رقماً حسابياً. فالأبجدية العربية : أبجد، هوّز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ. هي كالآتي: أ= 1، ب= 2، ج= 3، د= 4، هـ= 5، و= 6، ز= 7، ح= 8، ط= 9، ي= 10، ك= 20، ل= 30، م= 40، ن= 50، س= 60، ع= 70، ف= 80، ص= 90، ق= 100، ر= 200، ش= 300، ت= 400، ث= 500، خ= 600، ذ= 700، ض= 800، ظ= 900، إذا= 100.

والمعارف تكون لها قيمة إذا دلّ على صحتها دليل عقلي أو دليل نقلي مما يُعتَدّ به. وهذا الحساب لا يوجد أدنى دليل عقلي يدل على صحته. وكذلك لا يوجد ولم يصح أي دليل نقلي يشهد له. فهو حساب باطل.

قال ابن كثير في أول تفسير سورة البقرة عندما تكلم عن معنى الحروف (الم) وغيرها في فواتح السور، قال: [وأما من زعم أنها دالة معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد أدّعى ما ليس له، وطار في غير مطاره. وقد ورد في ذلك حديث ضعيف. وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي: «… مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يتلو فاتحة سورة البقرة (ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: «نعم».. فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم: «الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. أفتدخلون في دينِ نبي إنما مدة ملكه وأَجَلُ أمتِهِِ إحدى وسبعون سنة؟…» فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به.

وفوق ذلك فإن من يزعم أن حساب الجمّل يكشف حوادث المستقبل فإنه يدعي علم الغيب، وهذا يتصادم مع العقل، ومع القرآن الكريم الذي يقول: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) ويقول: (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ) . ويقول: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ).

وعلى ذلك فإن من يصدّق أن حساب الجمّل أو غيرها من الحسابات تكشف المستقبل والغيب فهو جاهل، وهو في الوقت نفسه آثم عند الله.

أما مسألة الأبراج (أو البُروج) فيقولون بأنها اثنا عشر برجاً ويسمونها بالترتيب: الحَمَل، الثوْر، الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة (وبعضهم يسميها العذراء)، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت.

فالشخص الذي يولد ما بين 21 آذار و19 نيسان (21/3 – 19/4) يكون برجه الحَمَل، والذي يولد ما بين    (20/4 و20/5) يكون برجه الثورة، (21/5 – 20/6) الجوزاء… 19/2 – 20/3 الحوت.

والمنجم يزعم أنه يعرف ما يحصل للشخص مُسَبّقاً إذا عرف برجه، أي الفترة التي ولد فيها.

وإذا دققنا في هذه المعارف التي يزعمها المنجمون نرى أنها لا تستند إلى دليل عقلي ولا إلى دليل نقلي مُعتبر.

والبروج (أو الأبراج) واحدها (بُرْج). وهي النجوم أو الكواكب العظيمة أو منازل هذه النجوم. وقد وردت كلمة البروج في القرآن كثيراً، منها: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) ومنها: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) ومنها: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ).

وقد كان العرب، وغيرهم يهتمون بحركة النجوم ومواقعها ليعرفوا بواسطتها الاتجاهات والمواقيت وما شاكل ذلك. وهذا الجانب جيد، وقد مدحه القرآن بقوله: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). أما من يزعم معرفة الغيب والمستقبل وما سيحدث لكل شخص بواسطة نجمه (برجه) فهو كاذب ودجال، ومن يصدقه هو جاهل وعقله قليل ومعتقده هذا فاسد.

قال القرطبي – رحمه الله – في تفسيره لقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) قال: [لما تمدّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. وليس المنجّم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدْسِهِ وتخمينه وكذبه]. وأضاف: [فلا فائدة أبداً في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي وسعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم. وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم. ولقد أحسن الشاعر حيث قال:

حكمَ المنجِّمُ أنَّ طالعَ مولِدِي

يقضي عَلَيَّ بميتَةِ الغَرَقِ

قُلْ للمنجّمِ: صَبْحَةَ الطوفَانِ هَلْ

وُلِدَ الجميعُ بكوكبِ الغَرَقِ

وأضاف القرطبي: [قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه–لما أراد لقاء الخوارج: أتلْقاهم والعمر في العقرب؟ فقال -رضي الله عنه-: فأين قمرهم؟ وكان في آخر الشهر. فانظروا إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الردّ على من يقول بالتنجيم، والافحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تَسِرْ هذه الساعة وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له عليّ -رضي الله عنه-: ولِمَ؟ قال: إنك أن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاءٌ وضر شديد، وإن سِرْت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. فقال علي -رضي الله عنه-: ما كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- منجّمٌ ولا لنا من بعده – فمن صدّقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدّاً أو ضِدّاً، اللهم لا طيرَ إلا طيرُك ولا خير إلا خيرُك. ثم قال للمتكلم: نكذّبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إياكم وتعلّم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر؛ وإنما المنجّم كالساحر والساحرُ كالكافر والكافرُ في النار. والله لئن بلغني انك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنّكَ في الحبس ما بقيت وبقيتُ، ولأحرمنّك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم. ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرَنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم. ما كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- منجّم ولا لنا من بعده، فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان – ثم قال: يا أيها الناس! توكلوا على الله وثِقوا به، فإنه يكفي ممن سواه]. وقد ورد هذا الكلام مختصراً في كتاب «نهج البلاغة» ج1/ ص128 – دار الهدى الوطنية – بيروت.      

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *