العدد 87 - السنة الثامنة صفر 1415هـ, تموز 1994م

الإسلام والمسلمون والخلافة

بقلم: عبد اللطيف صلاح الدين

في حوار مع صحيفة الدستور الأردنية المنشور يوم ا لخميس 02/06/1994م عاد الدكتور أحمد كمال أبو المجد ليردد بعض المقولات التي سبق له وقالها قبل خمسة عشر عاماً تقريباً.

فقد قال: تحت عنوان «القسمات الخمس» ما نصه بالحرف: «وجوب الشورى في الأمور العامة».

«إلزام الشورى للحاكم في إطار ما وجبت فيه». «مسؤولية الحاكم وإخضاعه للقانون». «احترام حقوق الأفراد وحرياتهم». «أن يكون النظام التشريعي مستخدماً من القرآن والسنة». أما الخلافة من وجهة النظر التاريخية عبارة عن نظام للحكم ساد في بلاد المسلمين حقباً من الزمن اقترب فيها من مبادئ الإسلام أحياناً وابتعد عنها أحياناً أخرى ولا قدسية ولا تمسك بها إلا بقدر اقترابها من تلك المبادئ. وبغض النظر عن الأسماء والشعارات المرفوعة.

هذا وكان أبو المجد قد قال في نفس  الحوار المذكور قبل ذلك أنه مع إنشاء حزب سياسي إسلامي ولكن له اعتراض على صيغتين من صيغه: أولاً- أن لا يكون حزباً طائفياً يستبعد تماماً غير المسلمين من عضويته.. ثانياً- أن لا يزعم القائمون عليه صراحة أو ضمناً أنهم جماعة المسلمين.

لقد سبق للدكتور أبو المجد كما قلت أن طرح هذه المقولات مع الأستاذ فهمي هودي. وذلك عندما كتب الأخير سنة 1979م في مجلة «العربي» التي تصدرها وزارة الإعلام في الكويت. وكان يومها الأستاذ هويدي – مديراً لتحرير تلك المجلة – فكتب في العددين 249 – 250 عن القيادة الجماعية، التي جاء بها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي البائد. ولم يطبقها ذلك الحزب الذي جاء بها، إذ كان القرار بيد سكرتير اللجنة المركزية للحزب، وكان هو وحده الذي يتخذ القرارات.

القيادة الجماعية ليس لها وجود لا في التاريخ، ولا في الواقع، وغير مقبولة لا عقلاً ولا شرعاً. أما الواقع المشاهد ا لمحسوس فهو أن الذي يتخذ القرارات في جميع الأمور الهامة وغير الهامة هو رئيس الدولة أي دولة. فالواقع الذي نعرفه، أن الرئيس يلتقي مع نظيره في اجتماع مغلق ويجري البحث والاتفاق واتخاذ القرار. وبعد ذلك يأتي الوفد المرافق لرئيسه لشرب الشاي والقهوة وأخذ الصور، لا أكثر. هذا من ا لواقع. أما في التاريخ فلم نجد للقيادة الجماعية أي وجود في حدود ما نعلم. وأما عقلاً فإن العقول تختلف ونادراً ما تتفق. وعند الاختلاف لا بد من أن يكون القرار بيد صاحب الصلاحية. وهو القائد أو الرئيس – أما شرعاً فقد جعل الإسلام القرار النهائي لصاحب الصلاحية وهو القائد. أو الرئيس أو الأمير. كما سنرى الدليل على ذلك من القرآن والسنة إن شاء الله في هذا المقال. نعم.. لم ولن يكون للقيادة الجماعية أي وجود حقيقي اللهم إلا التدليس. ومع ذلك وتأثراً بالأفكار الاشتراكية التي كانت رائجة يوماً، كتب الأستاذ هويدي في مجلة العربي: العددين المذكورين آنفاً زاعماً أن القيادة الجماعية جاءت بها نصوص القرآن. محاولاً إيهام قرّائه أن القيادة الجماعية من الإسلام. ويومها بادر كاتب هذه السطور للرد عليه فكتب في الصحف الكويتية: السياسة، والرأي العام، والبلاغ الأسبوعية السياسة الإسلامية.. مقالاً تحت عنوان. «القيادة في الإسلام فردية ويحرم أن تكون جماعية».

وبعد نشر الرد على الأستاذ هويدي تساءلت صحيفة الأنباء الكويتية في عددها الصادر يوم 12/10/1979م. «أصحيح أن القيادة في الإسلام فردية ويحرم أن تكون جماعية». وبعد ذلك. جاء الدكتور المجد وأدلى بدلوه فكتب في مجلة العربي العدد 257 مقالاً تحت عنوان: «الشورى والديمقراطية ورؤية الإسلام السياسي». ولقد زعم يومها في مقاله «أن جوهر الديمقراطية المعروفة مقبول في الإسلام».. وأن الشورى ملزمة.. وأن الإسلام لم يفرض نظاماً سياسياً مفصلاً. والخلافة ليست نظاماً محدد المعالم. ولقد ركز أبو المجد مثل هويدي، على الشورى وإلزامها حتى يصل إلى أن القرار للمجموع وليس لصاحب الصلاحية. وكان من جملة ما استند إليه واستدل به قول نسبه للشيخ محمد عبده: «تصرف الواحد في المجموع ممنوع». وكان واضحاً من مقال الدكتور أبو المجد أنه يرد على مقال «القيادة في الإسلام فردية ويحرم أن تكون جماعية».

ولقد بادر كاتب هذه السطور يومها بالرد على الدكتور أبو المجد فكتب مقالاً في مجلة ا لبلاغ الكويتية العدد (539( 04/05/1980م تحت عنوان «الخلافة الإسلامية نظام محدد المعالم». تكلم فيه عن الشورى وأنها غير ملزمة، وعن الديمقراطية وفردية القيادة، وعن الخلافة.

والآن وقد عاد الدكتور أبو المجد ليردد المقولات السابقة نفسها كما ذكرت آنفاً، أجد لزاماً عليّ العودة للرد عليه. منفذاً أمرَ الله سبحانه (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ… ) الآية (10( من سورة الشورى. إن الأحكام الشرعية خمسة أنواع هي: الفرض والحرام والمندوب والمكروه والمباح. هذا ما قرره علماء أصول  الفقه. والناظر في النصوص التي أمرتْ بالشورى يجد أن الشورى من الأحكام المندوبة. ذلك لأن أصرح آية أمرت بها قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ… ) الآية 159 آل عمران وقد نزلت تلك الآية في غزوة  أحد. ومعلوم أن غزوة أحد كانت قبل عمرة القضاء المعروفة بالحديبية. والتي أقدم فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- على عقد الهدنة مع المشركين من أهل مكة دون الرجوع إلى المسلمين من صحابته الكرام رضي    لله عنهم ومشاورتهم في أمر الهدنة. فدلّ ذلك على أن الشورى ليست فرضاً. بل مندوبة. إذ لو كانت فرضاً لنفذه الرسول بالرجوع إلى من كان معه واستشارهم، ولكنه لم يفعل. فدل فعله على أن الشورى مندوبة ولست فرضاً. هذا ومعلوم أن الله قد مدح المؤمنين لعدة خصال حميدة يتصفون بها منها: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) الآية (38) من سورة الشورى وهي مكية. ومع ذلك نرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما خرج لغزوة بدر نزل بالجيش عند أول بئر ماء ودون أن يستشير أحداً من المسلمين. فجاء الحُباب بن المنذر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أمنـزل أنـزلكه الله فليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟. فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال الحُباب: إن هذا ليس بمكان. وأشار على الرسول بمكان آخر، فقبل الرسول مشورته. وانتقل بالجيش. ومن الحادثتين نفهم أن الشورى مندوبة وليست فرضاً واجباً. كذلك فإن الشورى غير ملزمة إذ لم يصح عن رسول الله أنه قال إنها ملزمة إلا في المشورة التي هي جزء من الشورى حيث يكون التداول في إنجاز عمل وليس في وضع قواعد عامة. ومن هنا نقول: أن تتمة الآية 159 نفسها أعطت حق اتخاذ القرار الأخير للقائد وحده ولم تجعله للمستشارين أبداً. فتتمة الآية تقول: (فَإِذَا عَزَمْتَ) ولم تقل فإذا عزمتهم. أما عن مسؤولية الحاكم وخضوعه للقانون فهذا هو الحق بشرط أن يكون القانون مستمداً من الشريعة الإسلامية وحدها وليس من غيرها.

إن الحاكم مسؤول أمام الله والنسا، إن هو خالف الشريعة الإسلامية قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا @ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) الآية 58 و59 من سورة النساء، قال الزمخشري في كشافه: «لما أُمِر الولاةُ – الحكام – بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل. أُمر الناسُ بأن يطيعوهم وينـزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق، لأن أمراءَ الجور اللهُ ورسولهُ بريئان منهم، فلا يُعْطَفون على الله ورسوله في وجوب ا لطاعة لهم، وإنما يجع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أُمِرتم بطاعتنا في قوله: (وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). قال أليس قد نُزعت عنكم إذ خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول). وعن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري.. وفي رواية من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي أميري فقد عصاني..». إلى أن قال الزمخشري. «وكيف نلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقي معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بالعدل، ولا يردّون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة، وإنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة». انتهى كلام الزمخشري. وأما عن احترام حقوق الأفراد المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية فهو فرض على الدولة الإسلامية. وكذلك حرياتهم ضمن أحكام الشريعة الإسلامية. ذلك لأن الأصل في الأعمال التقيد بالحكم الشرعي. حتى تتحقق العبودية لله كما أراد. (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاَ) الإسراء: 36. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» متفق عليه والرواية لمسلم. وأما أن يكون النظام التشريعي مستمداً من القرآن والسنة فهو الحق المفروض على المسلمين بنص آيات الحكم الصريحة في القرآن. ومن هنا قلنا ونقول: إن الخلافة الإسلامية معناها مقدس وهو تنفيذ أحكام الله في الأرض. والتمسك بها كذلك، فهي من أهم الفروض  التي يتوقف على إقامتها إقامة جميع أحكام الشريعة الإسلامية والعكس هو الصحيح الواقع الآن في جميع بلاد المسلمين. أي أن معظم أحكام الشريعة الإسلامية معطلة.

أجل إن التمسك بالمعنى الشرعي للخلافة مقدس أما الاسم فليس كذلك لأن الأحاديث الصحيحة وردت أحياناً بلفظ الإمام، وأحياناً بلفظ الأمير، وأحياناً أخرى بلفظ الخليفة.

الخلافة والخليفة في اللغة والشرع

خليفة يكون بمعنى فاعل، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة، على ما رُوي. ويجوز أن يكون – خليفة – بمعنى مفعول أي مُخْلِف؛ كما يقال: ذبيحة بمعنى مفعولة. والخَلَف بالتحريك – من الصالحين وبتسكينها – من الطالحين.

هذا هو المعنى اللغوي لكلمة الخليفة. أما المعنى الشرعي لكلمة الخليفة أو الخلافة فهو أنها رئاسة عامة للمسلمين وأهل ذمتهم لإقامة أحكام الشريعة الإسلامية في الدنيا، وهي عقد مراضاة يتم دون أي إكراه بين طرفين. الأول هو الأمة الإسلامية، أو أكثريتها. والثاني هو الخليفة المبايع ليحكم بالإسلام لا بهواه. وإقامة الخلافة أو الخليفة فرض على المسلمين بنص آيات الحكم في القرآن وأحاديث الرسول التي أمرت المسلمين بمبايعة خليفة يقيم بهم شرع الله. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً… ) الآية (30) البقرة. قال القرطبي وهو يفسر الآية ما نصه:

والمعنيّ بالخليفة في قول ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وجميع أهل التأويل: آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره، لأنه أو نبي ورسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذر –رضي الله عنه- قال، قلت: يا رسول الله أنبيّاً كان مرسلاً؟ قال: «نعم» (الحديث(. قال صاحب الجامع لأحكام القرآن القرطبي يرحمه الله: (هذه الآية أصل في نصب إمام أو خليفة يُسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الشريعة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة. إلا ما رُوي عن الأصم حيث كان عن أصم. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه. قال إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك(. والأصم كان من أكابر المعتزلة واسمه أبو بكر، راجع القرطبي وهو يفسر الآية (30( من سورة البقرة. ونحن نكرر القول الحق أنها واجبة بنص آيات الحكم في القرآن، لأن القاعدة الشرعية تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». ولأن أحاديث الرسول أمرت المسلمين بمبايعة خلفية من بعده -صلى الله عليه وسلم- يقيم في المسلمين أحكام الشريعة. أو بعبارة أخرى: للحكم بما أنزل الله.

ومن هذه الأحاديث على سبيل المثال لا الحصر قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية» [مسلم].

وبناء على أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: بادر المسلمون فور سماعهم نبأ التحاقه -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة بعاصمة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة من أجل انتخاب واختيار خليفة لرسول الله. وانتهى الاجتماع بانتخاب «أبو بكر» -رضي الله عنه- من قبل الأكثرية ومبايعته بالخلافة لرسول الله في الحكم. فالرسول كان مبلّغاً ومبيّناً وحاكماً في نفس الوقت. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الآية (44) النحل. وقال: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) الآية (105) النساء. ولقد خلف أبو بكر رسول الله في الحكم بما أنزل الله. فقام به على خير ما يكون. رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

إن تنفيذ أحكام الإسلام بغير خليفة تقيمه الأمة مستحيل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الآية (25) من سورة الحديد. قال ابن كثير وهو يفسر الآية ما نصه: (أي وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ولهذا أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة بعد النبوة ثلاثة عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب). وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد اللهُ وحدَه لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي وجُعل الذلةُ والصَّغارُ على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم». ومعنى قول الرسول حتى يُعبَد اللهُ وحدَهُ لا شريك له: أي يخضع جميع الناس للنظام الإسلامي العادل. وليس معناه حتى يدخل الناس في الإسلام. إذ (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وحسب نص الآية (256) من سورة البقرة. أما إخضاع الناس كل الناس لنظام وشريعة الإسلام فهذا هو الفرض بنص القرآن: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) الآية (29) التوبة. ومن هنا قيل بحق: «الإسلام والسلطان أَخَوانِ توأمان لا يُصْلِحُ أحدهما بدون الآخر. فالإسلام أُسٌّ والسلطان حارب، وما لا أس له ينهدم وما لا حارس له يضيع» وعن أم سلمة أنها قالت لمن كان عندها: «كيف أنتم إذا كان داعيان، داع إلى كتاب الله، وداع إلى سلطان الله، فقالوا نجيب الداعي إلى كتاب الله، قالت: بل أجيبوا الداعي إلى سلطان الله، فإن كتاب الله مع سلطانه». يعني الذي يقيم وينفذ أحكام الكتاب هو الخليفة. (راجع الحديث رقم (2093) ص (229) من المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية الجزء الثاني. للحافظ ابن حجر تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت(.

الإسلام والطائفية

وأما قول الدكتور أبو المجد إنه مع إنشاء الحزب الإسلامي ولكن له اعتراض على صيغتين من صيغه. أولاً: أن لا يكون حزباً طائفياً يستبعد تماماً غير المسلمين من عضويته… وثانياً: ألا يزعم القائمون عليه صراحة أو ضمناً أنهم جماعة المسلمين.

إن الاعتراض الثاني صحيح ذلك لأن أي حزب من المسلمين، هو جزء من جماعة المسلمين وليس هو جماعة المسلمين. وأما الاعتراض على استبعاد غير المسلمين من الحزب الإسلامي واعتباره ذلك طائفة فهو مناقض لصريح القرآن والسنة العملية.

إن الله سبحانه، أمر المسلمين أن يقيموا فيهم ومنهم دولتهم أو أحزابهم على أساس العقيدة الإسلامية. فهل رب العالمين الذي يقول: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآية (18 – 19) من سورة آل عمران. فهل هذا طائفي؟

إن الله عز وجل القائم على تدبير شؤون العالم بالقسط كلف المسلمين أن يكونوا كذلك. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) الآية (8) المائدة. فهل المسلمون عندما يعملون كما أمر ربهم سواء في أحزابهم، أو دولتهم يكونون طائفييين؟ أمل يقل الله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الآية (21) الأحزاب. ألم يُقِم الرسول -صلى الله عليه وسلم- الدولة الإسلامية الأولى، والحزب الإسلامي الأول على أساس الإسلام عقيدة وشريعة؟

نعم إن الله أمر أن يكون حكام المسلمين منهم كما مرّ آنفاً في هذا المقال الآية (58، 59) من سورة النساء. كذلك أمر الله المسلمين بأن يقيموا الأحزاب السياسية منهم. قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) الآية (104) من آل عمران.

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ) الآية (56) المائدة. وقال: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) الآية (22( والأخيرة من سورة المجادلة. فهل هذا طائفية؟

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ… ) الآية (19) من سورة آل عمران. وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) الآية (85) من نفس السورة السابقة والمقصود بالإسلام في الآيتين: العقيدة والشريعة. فهل رب العالمين وأرحم الراحمين طائفي؟

إننا نعلم أن الطائفية أو الطائفي هو من يعلم لجزءٍ من الناس وليس لجميع الناس. والله عز وجل خاطب رسوله قائلاً: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). الآية الأولى من سورة إبراهيم. وقال الله تعالى: (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الآية (158) من سورة الأعراف.

وسواء أكان كلام الدكتور أبو المجد تزلفاً ومجاملة لغير المسلمين أو غير ذلك فإننا نذكّر، والذكرى تنفع المؤمنين بقول الله عز وجل: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) الآية (120) من سورة البقرة.

إن الله لم يرسل الإسلام لطائفة من الناس. بل رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الآية (107) من سورة الأنبياء .    

       

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *