العدد 171 -

السنة الخامسة عشرة ربيع الثاني 1422هـ – تموز2001م

الملكية الفكرية أداة من أدوات الرأسمالية والاستعمار*

        (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) .

          مقدمة

          الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه والتزم بسنته واتبع طريقته إلى يوم الدين.

          لقد نجحت الرأسمالية في تسخير أدوات وأجهزة ومفاهيم تعمل بكفاءة بالغة لحصر رؤوس الأموال في الشركات الرأسمالية أي حفنة الرأسماليين في المجتمع. ومن أهم هذه الأدوات:

          1. أجهزة الدول وآلية تشريع القوانين

  1. آلية الثمن

  2. جهاز الفائدة والمعاملات البنكية والتأمين

  3. العولمة والتخصيص

  4. الملكية الفكرية

          كما أنها (أي الرأسمالية) عمدت إلى إخفاء الدوافع الحقيقية لهذه الآليات، فقامت بتزيينها بشعارات وغايات كاذبة لتحبيب الناس بها وإخفاء غاياتها الحقيقية. والناظر إلى المجتمعات الغربية يجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الوعي على هذا الأمر:

  1. غالبية الناس وهم ممن انطلى عليهم هذا الزيف.

  2. الرأسماليون المنتفعون أنفسهم وهم يعرفون الدوافع الحقيقية ويعملون على تسخيرها، وهذا يُرى واضحاً في كتاباتهم وفي أجوائهم الخاصة.

  3. بعض المفكرين الذين يعرفون الواقع ولكن لا يمكن لهم أن يغيروه لعدة أمور:

          أ.        رسوخ مفهوم الحقيقة النسبية والتعددية.

          ب.     فقدان التصور لبديل حقيقي.

          ج.      مفهوم الترقيع والتطور.

          وموضع هذه الكلمة هو الملكية الفكرية وكيف أنها أداة من أدوات تكريس الرأسمالية والاستعمار. فإن هذا البحث ينقسم إلى قسمين: القسم الأول هو الناحية الشرعية والثاني هو الناحية العقلية.

 

 

          الناحية الشرعية

          لفهم الحكم الشرعي يجب التطرق إلى أمرين:

 l فهم واقع الملكية الفكرية عند الغرب (أي المناط) l وفهم الملكية في الإسلام. أما بالنسبة للملكية الفكرية عند الغرب فهي حق الأفراد والشركات بتملك الابتكارات إذا توفر فيها شرطان. الأول أن يكون هذا الابتكار إنشاءً جديداً غير معروف والثاني أن يكون له تطبيق عملي أو استعمال مفيد (وكلمة مفيد هنا مطلقة وليست مقيدة) والقصد أن يكون له استعمال أو تطبيق معين أو مجرد تصور لذلك.

          وحق التملك هذا يعطي حق تملك العين والمنفعة لصاحب الابتكار ولا يحق لأحد أن ينتفع بهذا الابتكار إلا بإذن صاحب الابتكار وعادةً فصاحب الابتكار إما أن يحتكره وإما أن يبيع حق المنفعة بقيود معينة وهذا يتم إما ببيع تسجيل البراءة لغيره وإما أن يأخذ الجعالة على ذلك (الجعالة هي رسم يؤخذ على كل مرة يستعمل بها الابتكار). وقوانين الحماية للملكية الفكرية تعطي حق ملكية الأفكار هذا عن طريق آلية ما يسمى بتسجيل “براءة الاختراع” فالذي يسبق إلى تسجيل الابتكار يكون مالك العين والمنفعة يتصرف بهما كما شاء. وفي أغلب الأحيان تمنح البراءات لمدة عشرين سنة، وبعد ذلك يفقد صاحب الابتكار (أي صاحب تسجيل براءة الاختراع) الحمايةَ القانونيةَ لابتكاره أي يستطيع أي فرد أو شركة أن ينتفع به بدون إذن أو مقابل.

          أما حقوق المؤلف فهي أمر منفصل عن آلية تسجيل براءة الاختراع، فهي ليست حماية الابتكارات أو إعطاء حق تملكها بل هي متعلقة بالحاوي الذي يحتوي العمل الفكري (الحاوي هو الشيء الذي يحوي المادة الفكرية من كتاب أو شريط أو إسطوانة أو قرص أو أي شكل الكتروني). فالحماية هنا ليست للأفكار بل للحاوي الذي يحتويها. وقانون حقوق المؤلف يعطي الحق للجهة الممنوحة هذا الحق بطبع ونسخ ونشر وتوزيع حاوٍ معين يحتوي على عمل فكري. والقانون يمنع أي جهة أخرى من طبعه أو نسخه أو نشره أو توزيعه إلا بإذن صاحب حق المؤلَف وعادةً فصاحب الحق إما أن يحتكره لنفسه أو أن يأخذ الجعالة عليه.

          والأفكار (أو ما يسمونه بعمل فكري) التي يحتويها هذا الحاوي عادةً ما تكون غير محمية بذاتها. فعلى سبيل المثال الموسيقى والغناء هو ناتج عمل فكري ولكنه نادراً ما يكون عليه حماية لعينه. أما الحاوي الذي يحتوي هذا الناتج من شريط أو أسطوانة أو أي شكل آخر مادياً كان أم إلكترونياً فإن لصاحب الحق المسجل وحده حق طبعه ونسخه وتكرار ذلك دون غيره. وعلى سبيل المثال فبرامج الكمبيوتر مكثت فترة طويلة جداً دون حماية لها بعينها وإنما الحماية كانت على الحاوي الذي يحتويها، ولذلك كانت الملاحقة القانونية للمخالفين ليست على استعمال الأفكار بل على عملية النسخ أو شراء نسخة غير أصلية.

          هذا باختصار واقع الملكية الفكرية وقوانين حمايتها عند الغرب. وهناك تفريعات لذلك تفرق بين الابتكارات والعمليات الصناعية والتصاميم وغيرها ولكن يكفي الآن التفريق بين حماية الأفكار بعينها وحماية الحاوي الذي يحتوي ناتج عمل فكري.

          أما الملكية في الإسلام فقد نظم الإسلام الملكية الفردية باعتبارها مظهراً من مظاهر غريزة البقاء، فشرع للمسلم التملك لإشباع هذه الغريزة بما يضمن له البقاء والحياة الكريمة، فأباح له ملكية أكثر الأعيان كالأنعام والمساكن ومحاصيل الأرض، وحرم عليه بعض الأعيان كالخمر والخنزير والمخدرات، كما حثه على التفكير وطلب العلم، وأباح له أخذ الأجرة على تعليم الآخرين. وشرع له أسباباً مبيحة للتملك كالبيع والإجارة والإرث، وحرم عليه أسباباً أخرى كالربا والقمار.

          والملكية في الإسلام بشكل عام هي إذن الشارع بالانتفاع بالعين، أما الملكية الفردية فهي: حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يضاف إلى الفرد ، فيمكّنه من الانتفاع بالعين وبأخذ العوض عنها. والملكية الفردية في الإسلام لا تثبت إلا بإثبات الحكم الشرعي لها، وتقريره لأسباب ملكيتها، فالحق في ملكية الشيء ليس ناشئاً عن الشيء نفسه أو كونه نافعاً، وإنما هو ناشئ عن إذن الشارع بملكيته بسببٍ من أسباب التملك الشرعية كالبيع أو الهبة.

          وقد جعل الإسلام للفرد سلطاناً على ما يملك، يمكّنه من التصرف والانتفاع بما يملك وفق الأحكام الشرعية، وأوجب على الفرد صيانة الملكية الفردية، ووضع عقوباتٍ زاجرةً لكل من يعتدي على ملكية الآخرين.

          وأحكام الملكية الفردية تشمل ملكية الأفكار والابتكارات. فصاحب الفكرة أو الابتكار هو مالكها وله حق الانتفاع بها وله أن يبيعها وأن يعلمها لغيره بأجر أو بدون أجر كما أن له أن يدونها في كتاب أو على شريط أو غير ذلك ويبيعها أو يوزعها أو أن يحتفظ بها لنفسه وينتفع بها وحده. فهذا كله جائز وجاء به الإسلام. إلا أن للملكية الفردية وللبيع شروطاً جاء بها الإسلام أيضا. ومن شروط الملكية أن يكون للمالك سلطان على ما يملك أعطاه الشرع إياه. ومن أركان البيع أن ينتقل السلطان من البائع إلى المشتري. ولا سلطان للبائع على ما باع بعد البيع أي بعد إعطاء السلطان. وهذا ينطبق على الأفكار، فبعد أن يبيعها أو يعلمها لغيره تصبح ملك من تعلمها وله أن ينتفع بها أو أن يعلمها لغيره بأجر أو بدون أجر. كما أن صاحب الكتاب يملك السلطان عليه، وعندما يبيع الكتاب ينتقل السلطان إلى المشتري ولا سلطان للبائع على هذا الكتاب بعينه ولا على ما يحتويه من أفكار بعد ذلك. وصاحب السلطان يحق له أن يفعل بملكه ما شاء مما أقره الشرع (ولا عبرة في بقاء سلطان للبائع في حالة بيع الافكار، لأن العبرة في أن يحصل المشتري على السلطان على ما اشترى لا أن ينزع السلطان من البائع). والبائع لا يحق له أن يشترط شيئاً يخالف هذا لأن هذا من أركان البيع فإن خالفه أو اشترط شرطاً ينقص منه فإن ذلك مخالف للشرع ويكون الشرط باطلاً.

          وبهذا يكون الإسلام قد أجاز تملك الأفكار كما أجاز تملك الكتاب والشريط وأعطى الحق بتعليمها أو بيعها بأجر او بدون أجر كما أعطى الحق لمتعلمها أو لمشتريها أن يتصرف بها كما شاء ببيعها أو هبتها أو حتى إتلافها بما لا يخالف أحكاماً أخرى.

          هذا من الناحية الشرعية وهذا يكفي لأن يبتعد المسلمون عن مثل هذه التطبيقات المخالفة للإسلام. ولكن مع انتشار المبدأ الرأسمالي في العالم وانبهار الكثيرين بل وانضباعهم به، كان لابد من التعرض لهذه الأفكار الضالة بالحجة العقلية أيضاً لدحضها وبيان فسادها وفساد المبدأ الذي انبثقت عنه وكشف الصلة بين هذه الأفكار والاستعمار كشفاً سياسياً.

          الناحية العقلية

          وعلى هذا نبدأ الكلام عن أسباب نشأة هذه القوانين أي الأسباب التي دفعت إلى سن هذه القوانين. والمبصر يرى أن لهذه القوانين دوافع حقيقية تختلف عن الدوافع المعلنة بل وتناقضها. فأما الأسباب المعلنة لسن هذه القوانين فهي اثنان:

          أولاً: حفظ حقوق المخترعين ومكافأتهم.

          ثانياً: تشجيع الاختراع والتقدم العلمي.

          و حقيقةً فإن هذه القوانين تحقق غايات غير تلك وهي:

          أولاً: حماية أصحاب رؤوس الأموال وتمكينهم من احتكار رؤوس الأموال وتضييق دائرة السيولة النقدية بل وحصرها في دائرة الرأسماليين.

          ثانياً: التركيز على تحقيق القيمة المادية وتكريسها والتي هي مقياس الرأسمالية في الحياة.

          وللوقوف على هذه الأمور لا بد أن ندرس واقع المخترعين وواقع الشركات وواقع الآليات القانونية وأثرها على الاقتصاد والشركات والمخترعين لنرى من الواقع حقوق من تحفظ هذه القوانين!!

          إن حقيقة الأمر أن المنتفع الحقيقي والوحيد من جراء تسجيل حقوق الطبع وبراءات الاختراع هو الشركات وليس الأفراد أصحاب الاختراعات. وبدقة اكثر فإن المنتفع هو الشركات الكبرى، والأكثر انتفاعاً هو الأكثر قوةً. وفي حقيقة الأمر فالسباق ليس على الابتكار والاختراع بذاته، ولكن السباق والصراع على المعارك القانونية التي تحصل في المحاكم على تسجيل هذه الابتكارات لاحتكار منفعتها من قبل شركة دون باقي الشركات. ومعروف أن القضاء الغربي يكون لصالح القوي وأصحاب التأثير. يقول المحامي Bob Bransom وهو أكثر المحامين شهرةً في قضايا الملكية الفكرية في الولايات المتحدة واصفاً هذا الحال: “إن معظم الشركات في حالاتها الطبيعية تكون معتدية على الملكية الفكرية للشركات الأخرى وذلك لكثرة ما سجل من براءات وحقوقِ ملكية.ٍ وعندما تعرف إحدى الشركات أن شركة أخرى قد اعتدت على بعض ملكياتها الفكرية (وبعضها عندها أجهزة ودوائر مختصة بذلك) فإنها تأخذها إلى القضاء، فتأتي الشركة المدعى عليها وتتحرى عن الشركة المدعية إن كانت هي الأخرى قد اعتدت بدورها على حقوق ملكية شركة أخرى، فإن كان الأمر كذلك (وهو الحاصل في معظم الأحيان) فإنها ـ أي الشركة المدعى عليها ـ تقوم بشراء هذه البراءات من أصحابها وتشن حرباً مضادةً على الشركة المدعية وذلك لإجبارها على التراجع عن ادعائها. وفي النهاية تفوز الشركة صاحبة المحامي الأبرع أو التي تستطيع أن تكشف مخالفات الخصم”. ويضيف قائلاً: “إنه من شبه المستحيل أن تقوم اي شركة بأي عمل دون أن تعتدي على حقوق الملكية الفكرية لشركات أخرى وذلك لثلاثة أسباب:

          أولاً: كثرة عدد البراءات المسجلة.

          ثانياً: عمومية هذه البراءات.

          ثالثاً: تمكن الشركات الكبرى من تسجيل العملية التجارية(1) كاختراع”. انتهى كلام المحامي.

          لقد تجاوز الأمر ذلك إلى حد وجود شركات لا عمل لها إلا شراء وبيع البراءات والحقوق دون أن تكون قد قامت بأي ابتكار أو حتى أن توجد عندها مقومات لذلك. إن تواطؤ السلطات مع أصحاب الشركات القوية والنافذة مكن هذه الشركات من تسجيل براءات عامة جداً وغير محددة. الغاية منها قطع الطريق على الآخرين والاحتكار فقط. حتى إن بعض الشركات قد سجلت براءات لاختراعات لم تقم بها بعد وذلك بأخذ براءات على طريقتها في الاختراع سواءً أدت هذه الطريقة إلى اختراع جديد أم لا. وبذلك تكون قد منعت أي شركة أخرى من استعمال هذه الطريقة، ليس فقط للاختراع الذي تحاول الوصول إليه فحسب بل إلى استعمالها في غيره أيضاً. إن هذا يؤكد أن السلطات التشريعية والتنفيذية في هذه الأنظمة الرأسمالية ما هي إلا أدوات لأصحاب رؤوس الأموال تعمل على تمكينهم من احتكار الموارد والأسواق وبالتالي استغلال الأفراد والمستهلكين. وهذا يركز الاحتكار ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار واستغلال المستهلكين بغية تكثير الأرباح دون أي اعتبار آخر.

          لقد أصبحت الآن عملية تسجيل وحماية المخترعات والاكتشافات ليست بمقدور الأفراد والشركات الصغيرة بل بحاجة إلى إمكانيات ضخمة لتوظيف الدهاة من القانونيين والمحامين إضافة إلى القوة للتأثير على السياسيين والسلطات ولَيِّ القوانين بل وتغييرها لصالح هذه الشركات. فالقضية ليست قضية حماية حقوق المخترعين ومكافأتهم ولا قضية تشجيع الابتكار لما فيه خير للمجتمعات والمدنية كما يدعون. فالمخترعون والمكتشفون هم أدوات ولا يُكافَؤون إلا بفتات الفتات. والأفراد والمجتمعات ما هي إلا ضحية الاستغلال.

          إن المدقق ليس بحاجة إلى عناءٍ ليعرف أن معظم العلماء اليوم هم من الموظفين ومن البسطاء وليسوا ـ عادةً ـ من أصحاب الميول المادية، وإن الدافع للاختراع نادراً ما يكون المكافأة المادية، والأدلة على ذلك كثيرة. ولكن الشركات ـ لتمرير هذا الزيف على الناس ـ تقوم بمكافأة هؤلاء العلماء والمبتكرين بسخاء إذا ما قورنت المكافأة بمدخولهم العادي ولكن بشح لا يوصف إذا ما قورنت بالعائد الحقيقي الذي يذهب إلى كبار الرأسماليين من أصحاب أسهم هذه الشركات الذين لا علاقة لهم بالاختراع ولا المخترعين ولكن همهم الوحيد حصد الأرباح الطائلة. وأما إذا قلت هذه الارباح الهائلة فإن كبار مالكي الأسهم يأمرون مدراء الشركات بتخفيض إنفاق الفتات من الأجور والمكافآت.

          إن طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها تدفعه إلى الابتكار والاكتشاف والاختراع، علاوة على القيم المعنوية التي تحققها هذه الأعمال. والأدلة في التاريخ والحاضر كثيرة، فما الذي دفع العلماء المسلمين إلى الاختراع والاكتشاف؟ وما الذي دفع السوفييت والصينيين أيام المعسكر الشرقي إلى الاختراع بدون مقابل مادي حتى إن كثيراً من هؤلاء العلماء فقراء معدمون!

          لقد لاحظ أحد الأطباء الباحثين الأميركان أن المكافأة المادية لها مفعول عكسي وأنها لا تشجع على الابتكار بل على العكس تقلله وأنها تجذب إلى الميدان أصحاب الميول المادية وليس أصحاب العقول الصافية المتخصصة. وقد نشر ذلك البحث في مجلة علمية مرموقة (Boston Medical Journal) ما أثار حفيظة دعاة الملكية الفكرية.

          إن هذا كله ما هو إلا ناتج طبيعي لوجهة نظرٍ عن الحياة كالرأسمالية. فالمادية والنفعية مقياسها وهذه المعالجات والتشريعات نتاجها. ووجهة النظر هذه لا تغلب القيم المادية فحسب بل تسخر القيم الأخرى لتحقيق القيم المادية. كل ذلك بسبب الأساس الفاسد الذي انبثقت عنه هذه المعالجات الفاسدة التي أغرقت أصحابها والعالم أجمع بالشر والظلم باسم الحماية والحقوق.

          إن النتائج السيئة الكثيرة التي تدل على حقيقة ما وراء سن مثل هذه القوانين لا تقتصر على ما ذكرنا فهنالك أمور أخرى منها:

          ـ إن قوانين حماية الملكية الفكرية بالمفهوم الغربي تعمل على حبس الأموال عند فئة قليلة من كبار الرأسماليين. وبالتالي حصر دائرة السيولة النقدية بهم مما يزيد الأغنياء المتسلطين مالاً وثراءً والفقراء والضعفاء فقراً. ويتم ذلك عن طريق عدة أمور:

          أولاً: إن تكلفة حماية الملكية الفكرية تزداد بشكل مطرد وبشكل متعمد بتعقيد الإجراءات القانونية وتسخير دهاة المحامين لهذا الأمر حتى لا تتمكن الشركات الصغيرة من تحمل هذه الأعباء ناهيك عن الأفراد الذين أصبحوا خارج هذا الميدان.

          ثانياً: إن البنوك تعطي القروض الكبيرة وبتسهيلات مغرية مقابل هذه البراءات لأنها تعتبرها من الأعيان كالعقار والأموال ولأنها تقدرها أكثر كلما زادت قدرة هذه البراءات على الاحتكار والاستغلال بما يسمى “بالجدوى التجارية” وهذا يكمل الدائرة الشرسة فالشركات والبنوك يكمل بعضها بعضاً للاستغلال وتضييق دائرة السيولة النقدية.

          ثالثاً: إن هذه القوانين تحرم أصحاب الاكتشافات الأصليين أي الأفراد من استثمار اكتشافاتهم لأن هذا لم يعد بمقدور الأفراد ولا حتى الشركات الصغيرة فهذه القوانين الظالمة قد ملأت البحر بالحيتان فلا مجال لوجود السمك الصغير ويعبر عن هذا بما يقوله الرأسماليون إن التجارة (إما أن تأكل عشاءً أو أن تكون عشاءً).

          ـ إن قوانين الملكية الفكرية لا تعترف إلا بالذي سبق إلى التسجيل، أي تسجيل “البراءة” لاختراعه. ولا عبرة إن كان قد سبقه أحد لذلك. وهذا ظلم كبير، وهاكم مثالا على ذلك. لو قام أكثر من فرد أو شركة بابتكار نفس الشيء (وهذا يحصل دائماً) بدون أن يعلم المبتكرون عن بعضهم وقام احدهم فقط بتسجيل هذا الابتكار أما الآخرون فلم يسجلوه إما لعدم اهتمامهم بذلك أو لجهل بالقوانين وأخذ الجميع بالانتفاع بابتكار، وبعد فترة من الزمن علم من سجل الابتكار باسمه أن غيره ينتفع بالابتكار فإنه يستطيع أن يقاضي هؤلاء المبتكرين وأن ينزل الغرامات الباهظة بهم وقد تصل الى نهب ما قد جنوه من أرباح وأن يعوضوه عن أي أضرار قد ألمت به دون أن يكون لهم أي ذنب سوى الابتكار. وهذا يمكن الشركات الكبرى من ملاحقة المكتشفين الأفراد والشركات الصغيرة والاستيلاء على مكتشفاتهم أو إخراجهم من السوق.

          ـ وأخيراً وليس آخراً فإن مجموع هذه القوانين تؤخر الانتفاع بكثير من المكتشفات المهمة لأن الشركات تؤخر استعمالها لعدم قدرتها على حماية الاكتشاف. خاصة في مجال الطب وصناعة الأدوية فإنها الأكثر صعوبة من الناحية العملية وليس من الناحية القانونية. وهنالك أمثلة كثيرة تبين أن تصنيعاً لأدوية قد تأخر سنوات كثيرة مع أن الناس في أمس الحاجة اليها وذلك لعدم التمكن من حمايتها بسبب بساطة الاختراع ـ لأنه إذا عرف تمكنت الشركات الأخرى من إعادة الاختراع بطرق أخرى غير محمية ـ أو لأسباب عملية غير ذلك. وكم من دواء مفيد لم يتم إنتاجه لعدم توفر الجدوى الاقتصادية مع أهميته لحياة الآلاف من الناس.

          وبعد هذا فهل يبقى كلام لمنبهر أو مضبوع ليزعم أن هذه القوانين تحمي حقوق المكتشفين. وهل لمن سيطرت على ذهنه طريقة التفكير الغربية أن يدعي غير فساد هذه القوانين في إيجاد المعالجات الصحيحة.

          إنه مع تغير وجه الاستعمار من الاستعمار العسكري المباشر في أوائل القرن المنصرم إلى الوجه الذي نراه الآن من استعمار ثقافي واقتصادي علاوةً على الهيمنة العسكرية قد زاد نفوذ الدول المستعمرة وسيطرتها. وتحقق هذا عن طريق آليات خبيثة وأفكار مستحدثة مثل العولمة والخصخصة وسياسة السوق والملكية الفكرية. وقد أنشأت لها منظمات عالمية لتنشرها وتحفظها مثل منظمة الـ GATT والتي تحولت الآن إلى منظمة التجارة العالمية. والمنظمة العالمية للملكية الفكرية الـ WIPO والتي أصبحت جزءاً من منظمة التجارة العالمية. وبهذا قد تم ربط جميع هذه المنظمات بمنظمة التجارة العالمية لتكون هي وصندوق النقد الدولي الساقين اللذين يقف عليهما الاستعمار. والذي يجب الإشارة إليه في هذا الحديث أن قوانين الملكية الفكرية قد سخرت الآن لتكون إحدى ادوات العولمة كما أن التخصيص كان قد سخر من قبل ليكون أحد أدوات العولمة. وإن الذي حدث في روسيا ويسير الآن على قدم وساق في بلاد المسلمين لهو خير دليل على ذلك حيث أن الدول المستعمرة لا يوجد لها مصلحة مباشرة بنشر فكرة التخصيص (عدا أنها تنشر أفكارها ومبدأها) ولكن عندما تم ربط التخصيص بالعولمة قامت الولايات المتحدة بفرض توصيات عن طريق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على كثير من الدول لتحويل كثير من الملكيات العامة إلى ملكيات خاصة بشكل شركات مساهمة عامة ومن ثم طرح أسهمها بالأسواق حتى تتمكن الشركات الغربية العملاقة من شرائها. وإن كانت هناك أي قوانين محلية تمنع ذلك فإن توصيات منظمة التجارة العالمية كفيلة بإزالة تلك العوائق، وإلا فتحرم ذلك البلد من دخول منظمة التجارة العالمية. وها نحن نرى كيف أن الشركات الغربية قد استولت على كثير من الملكيات العامة في روسيا عن طريق تخصيصها أولاً ومن ثم طرح أسهمها بالأسواق وبالتالي تقوم الشركات الغربية الكبيرة بشرائها بثمن زهيد وذلك عن طريق الرشاوى للمسؤولين الذين قاموا ببيع الملكيات العامة بأثمان بخسة.

          ونحن نرى الآن كيف تبنت منظمة التجارة العالمية قوانين الملكية الفكرية وضمت منظمة الـ WIPO اليها وجعلت تطبيق هذه القوانين شرطاً لدخول منظمة التجارة العالمية. وهكذا تُحكِمُ السيطرةَ لمصلحة كبرى الشركات الغربية وتجعل السوق العالمية حكراً عليها. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة ولا سيما الموجودة خارج العالم الغربي فإن مصيرها أحد أمرين: إما أن تشترى من قبل الشركات الكبرى أو أن تخنق حتى الموت بضرب منتجاتها في السوق. وهذا يتم عن طريق استغلال قوانين الملكية الفكرية وقوانين حقوق المؤلف حتى لو كانت الشركات الضحية صاحبة أحسن الابتكارات وآخر المخترعات، فلا مجال للمنافسة في هذا النظام الجديد.

          إن هذه الخطة لم تُؤتِ أُكلها بعد فما زالت في أول الطريق وذلك بفرض سن قوانين الملكية الفكرية على جميع الدول وهذا جارٍ على قدم وساق. ومن ثم إرغام الحكومات على تنفيذ القوانين وتطبيقها بصرامة. ونحن نرى أن أجهزة الشرطة في بلادنا قد أنشأت أقساماً خاصة مدربة بكفاءة لتدخل المرحلة القادمة. كما أن منظمة التجارة العالمية قد فتحت مكاتب خاصةً لها في جميع البلاد لمراقبة احترام قوانين حقوق المؤلف والملكية الفكرية. وهي الآن تدخل مرحلة جديدة وذلك برفع دعاوى قانونيةٍ (تسمى دعاوى تجريبية) ليس الغاية منها ملاحقة المخالفين في هذه المرحلة ولكن التأكدَ من صرامة القوانين وقياسَ قدرة المحاكم على التعامل مع هذا النوع من القضايا. واللافت للنظر أنها حتى الآن لا زالت تغض النظر متعمدةً عن كثير من المخالفات لأنها تريد أن تكتسح بضائعها السوق ولو بدون عوائد مادية ـ مؤقتاً ـ حتى يعتاد الناس عليها أو كما يقولون (حتى يدمن المستهلكون عليها) وفي هذه الأثناء تُحسَّنُ القوانينُ وتدرب الشرطة والمحاكم حتى تقع الفريسة في فخها لقمة سائغة للمستعمرين يقدمها لهم عملاؤهم الحكام الخونة وبجهل وتقاعس من المسلمين. وهذا يبين أن الأفكار الرأسمالية مثل التخصيص والملكية الفكرية عندما يتم ربطها بالعولمة تتحول إلى أدوات استعمار فتاكة. ولذلك يجب فضحها كأفكار وأدوات استعمار.

          هذا هو واقع قوانين حماية الملكية الفكرية. فهي أداة لكبار الرأسماليين للاحتكار والسيطرة على الأسواق وهي أداة للدول المستعمرة لإحكام الاستعمار واستغلال الشعوب. وإن واقع هذه القوانين أنها لا علاقة لها بحماية حقوق المكتشفين والمخترعين كما يزعمون. علاوة على انها قوانين تخالف أحكام الله سبحانه وتعالى. والدولة الاسلامية سوف تمنع هذه القوانين وتنقض الاتفاقات الدولية المتعلقة بذلك كما تنقض جميع الاتفاقات المحرمة.

          وإن الدولة الإسلامية لن تكون بحاجة لمثل هذه القوانين لتشجيع الابتكار والاختراع وذلك لأنها تتبنى عقيدة الإسلام ووجهة نظره في الحياة فلا تقيس الحياة بالمادة ولا يقيس رعاياها أعمالهم بالنفعية وإنما توازن بين تحقيق القيم فتحدث التوازن في المجتمع وتحقق السعادة والرخاء لرعاياها كلهم قويهم وضعيفهم كما وأنها لا تقيس اقتصادها بالإنتاج أو معدلات النمو بل بتحقيق جميع الحاجات الأساسية لكل فرد بعينه وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية .

جواد ـ السويد

ــــــــــــــــ

 (1) مثل (اضغط لتشتري  click-to-buy) و(المزاد العكسي  reverse auctioning) على شبكة الإنترنت.

  *    (نص محاضرة ألقاها أحد شباب حزب التحرير أمام جمع من المفكرين في ربيع عام 2001).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *