العدد 170 -

السنة الخامسة عشرة ربيع الأول 1422هـ – حزيران 2001م

وزن اللغة من وزن دولتها

          لو نظرنا في وزن اللغات قديماً وحديثاً، لوجدنا أن اللغة تابعة للدولة التي تحملها، فاللغة العربية قبل الإسلام كانت محصورة في نطاق محدود، ثم صارت اللغة الأولى في العالم تبعاً للدولة الإسلامية التي كانت الدولة الأولى. وحديثاً عندما صارت بريطانيا هي الدولة الأولى صارت اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى، واستمر حال هذه اللغة في المركز الأول بين لغات العالم بعد أن صارت أمريكا هي الدولة الأولى لأنها لغتها. ولو رجعنا في التاريخ إلى الوراء لوجدنا أن اللغة الإنجليزية كانت لغة إقليمية محدودة محصورة في الجزر البريطانية قبل أن يخرج الإنجليز لاستعمار العالم.

          ولا يقال إن اللغة تابعة للمبدأ، ذلك أن المبدأ له تأثير في قوة الدولة التي تحمله، ولكن لا يؤثر وحده في قوة اللغة، وأقرب مثال على ذلك أن اللغة العربية هي لغة الإسلام ومع ذلك فهي ضعيفة تكاد تندثر، لولا فضل القرآن. فإن المبدأ إذا لم تحمله دولة وتضعه موضع التطبيق فإن أثره في اللغة يبقى ضعيفاً. فإذا وضع موضع التطبيق كان تأثيره في اللغة غير مباشر، إذ يؤثر المبدأ في قوة الدولة، والدولة بدورها تؤثر في قوة اللغة. ويؤكد هذا أن المبدأ الرأسمالي حمل باللغة الإنجليزية وباللغة الفرنسية ولا زال حتى يومنا هذا يحمل بهما إلا أن اللغة الإنجليزية أقوى من الفرنسية وما ذلك إلا لقوة بريطانيا وأمريكا اللتان تحملان الرأسمالية باللغة الإنجليزية.

          والمراد بقوة اللغة مدى قدرة أهلها أو الدولة التي تنطق بها على فرضها على غيرها من الدول والشعوب، وتظهر هذه القدرة على فرض اللغة في اعتبارها لغة العلم والثقافة، ولغة التخاطب، ولغة المعاهدات. هذا هو معنى قوة اللغة. ولا علاقة لعدد الناطقين بها في قوتها أو ضعفها، فهذه اللغة الصينية يربو عدد الناطقين بها من أهلها على عدد الناطقين باللغة الإنجليزية من أهلها، ومع ذلك فالإنجليزية أقوى من الصينية.

          وقوة اللغة دولياً غير ما فيها من خصائص تجعلها صالحة للتأثير والتوسع والانتشار، فهذه عناصر قوة ذاتية في اللغة، واللغة العربية لا تضاهيها لغة في هذا المضمار. إلا أن هذه الخصائص تظل غير فاعلة في قوة اللغة دولياً حتى تحمل اللغةَ دولةٌ قوية فتفجر هذه الخصائص والطاقات الموجودة في اللغة، فتقوى اللغة بنسبة توازي قوة الدولة التي تحملها. ألا ترى أن اللغة العربية لها من هذه الخصائص ما يميزها عن كل لغة ومع ذلك فهي لغة ضعيفة دولياً بمعنى أنها ليست لغة العلوم والثقافة ولا لغة التخاطب ولا لغة المعاهدات، وإن وجدت في بعض هذه المجالات فعلى نطاق هزيل ضيق مواز لهزال الدول العربية، حتى أن هذه الدول العربية إذا عقدت معاهدات مع غيرها من الدول فإن النص المعتمد الذي يرجع إليه هو النص الإنجليزي لا العربي.

وقد سمعت بعض البسطاء يتحدثون في هذه المسألة، ويطرحون حلولا ساذجة للنهوض باللغة العربية والمحافظة عليها، من هذه الحلول جعلها من مسؤولية الأم لا المربية، أو إصلاح المناهج، أو جعلها من مسؤولية وسائل الإعلام، أو المجامع اللغوية، ولم أسمع من ارتقى بتفكيره إلى الحل الناجع والطريقة المنتجة لتحقيق هذه الغاية. إذ الطريقة الوحيدة لبلوغ هذه الغاية هي إقامة الخلافة الراشدة على منهج النبوة التي تتولى بدورها قيادة البشرية، وتقتعد مركز الدولة الأولى في العالم، فتصبح اللغة العربية عند ذاك اللغة الأولى في العالم.

          و ينبغي أن نشير هنا إلى أن علاقة الإسلام باللغة العربية علاقة فريدة لا تشبهها أية علاقة بين المبادئ واللغات، فالمبدأ الرأسمالي حمل بأكثر من لغة، والتفاوت كان بقوة الدول لا بخصائص اللغات، أما الإسلام فإنه لا يمكن حمله إلا باللغة العربية وإلا كان حملاً أعرج أعمى، وسعياً إلى الهيجا بغير سلاح. ومن هنا قد يختلط على البعض الحكم على قوة اللغة، أهي بقوة المبدأ أم بقوة الدولة، والصواب أن التأثير المباشر هو للدولة، وأما المبدأ فتأثيره غير مباشر .

ع.ع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *