العدد 83 - السنة السابعة شوال 1414هـ, اذار 1994م

رحلة النور

الشاعر: يوسف إبراهيم

19 من شهر رجب 1414هـ 01/01/1994م

بسم الله الرحمن الرحيم

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى رابطة لا تنفكّ عُراها لأن الله عاقِدُ تلك الرابطة.

من وحي الإسراء والمعراج

أخشى على الشعر أن تَعيا قوافيهِ

 

ويَخْرَسُ اللحنُ في نجوى أغانيهِ

وتَنْطَفي شُعلةُ الإلهامِ يَخْنُقُها

 

في عَمْرَةِ الحُزْنِ لَيْلٌ مِن مآسيهِ

تَرَنَّحَ الشعرُ من هَمٍّ يُكابِدُهُ

 

وضَجَّ في الصَّدرِ من جُرْحٍ يُقاسِيهِ

ولم يَزَلْ شاكِياً يَبكي على طَلَلٍ

 

خاوِي المرابِعِ من أمجادِ ماضِيهِ

يا رَفْرَفَ النورِ للبَطْحاءِ يَحْمِلُني

 

لأَقْبِسَ الوَحْيَ من أنوارِ هادِيهِ

فَشِعْرُنا قاحِلٌ جَفَّتْ مَناهِلُهُ

 

ظامٍ إلى النَّبْعِ من صافِي سواقِيهِ

لا عَبْقَرٌ عن رُواةِ الجِنِّ يُلْهمُهُ

 

لكِنَّهُ نَفْحَةٌ من فَيْضِ بارِيهِ

كم طافَ بِالبَيْتِ والإيمانُ يَعْمُرُهُ

 

وقامَ عِنْدَ الصَّفا لِلهِ ساعِيهِ

وَضَجَّ في عَرَفاتِ اللهِ مُبْتَهِلاً

 

بِالْحَمْدِ والشُّكْرِ والزُّلْفى يُلَبِّيهِ

هذا النَّشِيدُ وما زِلْنا نُرَدِّدُهُ

 

في مَسْمَعِ الدَّهرِ والأيّامُ تَرْوِيهِ

فَكُلَّما أَظْلَمَ الكَوْنُ المُحيطُ بِنا

 

بِشُعْلَةٍ من سَنا القرآنِ نَهْدِيهِ

فَكُلَّما خَمَدَتْ فيه الحَياةُ، وإنْ

 

صارَتْ رُفاتاً، بِرَوْحِ اللهِ نُحْيِيهِ

 

 

 

يا صاحِبَ الدَّعْوَةِ الغَرّاءِ: مَعْذِرَةً

 

فَأُمَّةُ النُّورِ في لَيْلٍ مِنَ التّيِهِ

صَدَعْتَ بِالحَقِّ لم تَحْفَلْ بمنْ جَحَدوا

 

ولَفَّهُمْ من ظَلامِ الجَهْلِ داجِيهِ

يا أَيُّها العامُ عامَ الحُزْنِ عاصِفَةً

 

رِياحُهُ بِالأَسى، دُجْناً غَواشِيهِ

مَزِّقْ ظَلامَكَ فَالمُخْتارُ شَمْسُ هُدىً

 

وكاشِفُ الغَيْهَبِ الدّاجِي وماحيِيهِ

قَدْ جاء بالنُّورِ لكنْ لم يَجِدْ بَصَراً

 

ولا فُؤاداً بِنورِ الحَقِّ يَهْدِيهِ

إلا خِياراً أَنارَ اللهُ فِطْرَتَهُمُ،

 

واللهُ ذو الفَضْلِ مُولِيهِ ومُعْطِيهِ

عَتَتْ قُرَيْشٌ غُروراً، أَعْرَضَتْ سَفَهاً،

 

وَلَجَّ في ظُلُماتِ الجَهْلِ غاويهِ

واشْتَدَّ كَيْدُ أَبي جَهْلٍ وَعُصْبَتِهِ

 

لَمَّا هَوى كُلُّ رُكْنٍ كانَ يُؤْيِهِ

مَضَتْ خَدِيجَةُ لِلرَّحْمنِ وَهْيَ لَهُ

 

كَنْزٌ من الحُبِّ والإيثارِ، يُغْنِيهِ

كانَتْ تُواسِيهِ في الجُلّى بما مَلَكَتْ،

 

وَعَمُّهُ من طُغاةِ الكُفْرِ يَحْمِيهِ

إرادَةُ اللهِ من فَوْقَ السَّماءِ قَضَتْ

 

أَلاَّ يَكُونَ سِوى الرَّحْمنِ راعِيهِ

 

 

 

فَعَرْبِدِي يا قُرِيْشٌ وامْرَحِي بَطَراً

 

لن تَحْجُبِي النُّورَ، إنَّ اللهَ مُبْدِيهِ

ويا ثَقِيفُ ارْكَبِي مَتْنَ العِنادِ فَقَدْ

 

تَزْلْزَلَ الشِّرْكُ ونْدَكَّتْ رَواسِيهِ

أتاكِ يَحْمِلُ نوراً لا يَغيبُ، ولا

 

عواصِفُ الظُّلْمِ والطُّغْيانِ تُخْفِيهِ

ويِطْلُبُ النَّصْرَ لا وَهْناً ولا خَوَراً،

 

فالحقُّ أَعْلى يَداً مِمَّنْ يُعادِيهِ

بِلْ جاء لِلعالَمِ الحَيْران يُرْشِدُهُ

 

لِيُبْصِرَ النُّورَ دانِيهِ وقاصِيهِ

رَدَدْتِهِ بِالجَفاءِ الفَظِّ ساخِرَةً

 

من دِينِهِ الحَقِّ في جَهْلٍ وتَسْفِيهِ

وعادَ الضَّحِكاتُ النُّكْرُ تَتْبَعُهُ

 

وصِبْيَةُ الحَيِّ بِالأَحْجارِ تَرْمِيهِ

وسالَ خَيْرُ دَمٍ يَنْسابُ من قَدَمٍ

 

لو مَسَّتِ الصَّخْرَ بِالنُّعْمى تُنَدّيِهِ

شُلَّتْ يَدٌ لِطُغاةِ الكُفْرِ جاحِدَةٌ،

 

بِالإثْمِ والبَغْيِ والعُدْوانِ تُدْمِيهِ

أَتاهُ جِبْريلُ من مَوْلاهُ يُقْرِئُهُ

 

أَزْكَى السَّلامِ ويُعْطِيهِ فَيُرْضِيه:

لو تَطْلُبُ الآنَ يا مُخْتارُ خَسْفَهُمُ

 

بِالأَخْشَبَيْنِ، بِلا رَيْبٍ أُلبّيهِ

فَقالَ: يا رَبُّ إنِّ الرَّكْبَ في عَمَهٍ

 

قد تَاهَ في حُلْكَةِ الدَّيْجورِ سارِيهِ

وأنتَ لو شِئْتَ يا رَبّاهُ تُهْلِكُهُ

 

وأنتَ لو شِئْتَ يا رَباهُ تَهْدِيهِ

فَاغْفِرْ لَهُمْ فَعَسى في نَسْلِهِمْ خَلَفٌ

 

مَنْ يَرْفَعُ الدِّينَ في عِزٍّ وُيُعْليهِ

 

 

 

وعادَ أَحْمَدُ والإيمانُ يَغْمُرُهُ

 

ثَبْتَ الجَنانِ وذِكْرُ اللهِ في فِيهِ

ولِلسَّكِينَةِ بَرْدٌ في جَوانِحِهِ

 

كَشُعْلَةِ النُّورِ شَعَّتْ في خَوافيهِ

ويَفْتَحُ اللهُ باباً مِنْ عِنايَتِهِ

 

لأَكْرَمِ الرُّسْلِ عالِي القَدْرِ سامِيهِ

لِيَشْهَدَ الأُفُقَ الأَعْلى، وخالقُهُ

 

من ساحَة القُرْبِ والرِّضْوانِ يُدْنِيهِ

جاء البُراقُ وجِبْرِيلُ الأَمِينُ إلى

 

يُمْنَى الرِّكابِ لِخَيْرِ الرُّسْلِ يُزْجِيهِ

جاء البُراقُ وما أَسْماهُ مَرْكَبَةً

 

تَبارَكَ اللهُ مُنْشِيهِ ومُجْرِيهِ

قُمْ يا مُحَمَّدُ فالسَّبْعُ الطِّباقُ ومَنْ

 

فِيهِنَّ بالمُصْطَفى جَذْلَى تُحَيّيِهِ

قُمْ فَالمَلائِكُ في الأَقْصى مُهَلِّلَةٌ

 

لِلّهِ ضَجَّتْ بِتَسْبيحٍ وتَنْزِيهِ

ساحاتُهُ زُيَّنَتْ، بِالنُّور مُشْرِقَةٌ،

 

مِحْرَابُهُ هَشِّ لِلُّقيا ونادِيهِ

والرُّسْلُ خَلْفَ إِمامِ الرُّسْلِ خاشِعَةٌ

 

لِرَبِّها، في مُصَلاّها تُناجِيهِ

قُمْ يا مُحَمَّدُ هذا الكوْنُ أَجْمَعُهُ

 

تَمُوجُ بِالمَشْهَدِ الأسْنى أَعالِيهِ

ورِحْلَةٌ النُّورِ ما زالَتْ مَواكِبُها

 

تَسْتَشْرِفُ النُّورَ في أَسْمى مَراقِيهِ

هذان كاْسانِ مِنْ خَمْرٍ ومن لَبَنٍ

 

تَخْتَارُ ما أَنْتَ راضِيهِ وباغِيهِ

ودِينُكَ الفِطْرَةُ العَصْمَاءُ، تَشْرَبُهُ

 

مُسَلْسَلاً خَالصاً من كَفِّ ساقِيهِ

فَاصْعَدْ إلى المَلإِ الأَعْلَى هُناكَ تَرى

 

نُورَ المُهَيْمِنِ في أَبْهَى تَجَلّيهِ

هُناكَ تُبْصِرُ ما يَعْيا الخَيالُ بِهِ

 

ولا يُحِيطُ بِبَعْضٍ مِنْ مَعَانِيهِ

وَيَسَّرَ الله هذا الدِّينَ مَرْحَمَةً

 

لِلنّاسِ، والأَجْرُ بِالأَضْعافِ يَجْزِيهِ

واللَّهُ بِالحَقِّ والبُرهَانِ حافِظُهُ

 

واللَّهُ بِالنَّصْرِ والتَّأييدِ حامِيهِ

وَعُدْتَ تَحْمِلُ زاداً لِلْحَيَاةِ فَلَمْ

 

يَنْفَدْ غِناهُ وَلا الأَيَّامُ تُفْنِيهِ

فَرْعٌ عَلى أَصْلِهِ المَيْمُونِ فَلَمْ

 

قُطُوفُهُ، أُمَّةُ الإسْلامِ تَجْنِيهِ

وعُدْتَ تَحْمِلُ عَزْماً لِلْجِهَادِ فَلَمْ

 

تَضْعُفْ قُواهُ، ولا الأَحْداثُ تَثْنِيهِ

بُنْيانُهُ العِزَّةُ الشَّمّاءِ راسِخَةٌ

 

آساسُهُ، أُمُّةُ الإسْلامِ تَبْنِيهِ

 

 

 

يا صاحِبَ المَوْكِبِ السارِي أَلا قَبَسٌ

 

فَيُبْصِرَ الدَّرْبَ في ذا اللَّيْلِ سارِيهِ

ما لِلْبُرَاقِ وَمِسْرَاهُ وقِصَّتِهِ

 

نِهايَةٌ، فَهُوَ ماضٍ في تَسامِيهِ

قَدْ يَرْجِعُ اليَوْمَ من بَطْحاءِ مَكَّتِهِ

 

لِيَحْمِلَ النُّورَ لِلأَقْصَى وَأهْلِيهِ

يَئِنُّ فِي الأَسْرِ والأَغْلالِ مِنْبَرُهُ،

 

وَلا مُصَلاَّهُ حُرٌّ أَوْ مُصَلّيهِ

وَتَسْتَبِدُّ حِرابُ المُعْتَدِينَ بِهِ

 

ذَبْحاً وصِهْيَوْنُ يزهو في تَحَدِّيهِ

فَأَيْنَ مَنْ يَصلُ التّارِيخَ حَاضِرَهُ

 

بِفَجْرِ نَهْضَتِهِ الأُولى وماضِيهِ

أَيْنَ البُراقُ يُعيدُ الفَتْحَ ثانِيَةً

 

ورايَةُ النَّصْرِ تَزْهو في رَوابِيهِ

كَأَنَّهُ أَمْسِ ما رَفَّتْ قَوادِمُهُ

 

في أُفْقِهِ الرَّحْبِ أو رَفَّتْ خوالِيهِ

وَأَيْنَ كَفُّ رَسولَ اللَّه تَمْسَحُهُ

 

لَعَلَّها مِنْ جِراحِ الحُزْنِ تشْفِيهِ.

 

 

 

العَفْوَ يا صاحِبَ الإسْراءِ إنَّ بِنا

 

داءَ الهَزائِمِ أعْيَا مَنْ يُدَاوِيهِ

نفِرُّ مِنْ ساحَة المَيْدانِ فِي طَرقٍ

 

ونَدَّعِي النَّصْرَ في عُجْبٍ وفي تِيهِ

وَنَخْفِضُ الرَّأسَ إجْلالاً وتَكْرِمَةً

 

لِلأَجْنَبِيِّ كَأَنّا مِن مَوالِيهِ.

وَنَسْتَعِيرُ وُجوهاً غَيْرَ أَوْجُهِنا

 

ولمْ تَزِدْنا سِوى قُبْحٍ وَتَشْوِيهِ

ونَحْمِلُ المَجْدَ مَقْتولاً نُكَفِّنُهُ

 

بالْعارِ، ثُمَّ بِأَيْدِينا نُوارِيهِ

 

 

 

يَا طََلْعَةً لِجَبِينِ المُصْطَفَى سَطَعَتْ

 

تُمَزِّقُ اللَّيْلَ فِي الأقصى وتُرْدِيهِ

وتَهْزِمُ الغاصِبَ المُحْتَلَّ في بَلَدِي

 

مَهْما ازْدَهى بِالغُرورِ الفَظِّ غازِيهِ

وتَنْفُثُ الرُّوحَ في هذا الرُّفاتِ فَقَدْ

 

يَحْيا رُفاتٌ يَكادُ الدَّهْرُ يُبْلِيهِ

 

 

 

ما بالُ رابِينَ بِالأَقْزامِ يُوعِدُنا

 

ودَوْلَةُ الغَرْب بِالأَحْلامِ تُغْرِيهِ

وكَمْ عَلى الصَّخْرَةِ الشَّماءِ قَدْ حُطِمَتْ

 

مَخالِبُ الغَدْرِ وانْهارَتْ أمانِيهِ

فَسَيْفُنا من قَضَاءِ اللَّه مُنْتَصراً

 

صُلْبُ الجِهادِ أبِيٌّ في تَصدِّيهِ

وسَهْمُنا إنْ رَمَى بِاللَّه مُنْتَصِراً

 

خَرَّ الدَّعِيُّ وشُلّتْ كَفُّ رامِيهِ

رسالَةُ اللَّه للدُّنْيَا رِسالَتُنا

 

طَوْدٌ مِنَ المَجْدِ يَعْيا مَنْ يُسامِيهِ

يا صَخْرَةً عِنْدَها جَدَّ المَسيرُ إلى

 

مَصاعِدِ العِزِّ حَيّي الرَّكْبَ حيّيِهِ

صُونِي خُطاهُ وشُدِّي مِنْ تَوَثُّبِهِ

 

لِيَبْعَثَ العَزْمَ فِينا صَوْتُ حادِيهِ

أَنْتِ السَّبيلُ إلى مِعْراجِ نَهْضَتِنا

 

لِلرّائِدِينَ، وإنْ طالَ السُّرى فِيهِ

ما زالَ نَحْوَ سَماءِ اللَّه يَرْفَعُنا

 

عَزْمُ البُراقِ، نَشيدُ المَجْدَ نَبْنِيهِ

ونَسْتَعِيدُ أَبا بَكْرٍ وَجَحْفَلَهُ

 

تُحَطِّمُ الرِّدَّةَ الكُبْرى مَواضِيهِ

ولِلْخِلافَةِ راياتٌ مُرَفْرِفَةٌ

 

واللَّهُ مَبْسُوطَةُ النُّعْمى أيادِيهِ

ويُظْهِرُ اللَّهُ هذا الدِّينَ يَنْشُرُهُ

 

في الأرْضِ ظِلاًّ، ويَلْقَى الخِزْيَ شانِيهِ

ما ذَلَّ شَعْبٌ وَسَيْفُ الحَقِّ في يَدِهِ

 

ما انْهارَ صَرْحٌ كِتابُ اللَّهِ بانِيهِ

ما خابَ حِزْبٌ رسولُ اللَّهِ قائِدُهُ

 

ما ضَلَّ رَكْبٌ ونُورُ اللَّهِ هادِيه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *