العدد 82 - السنة السابعة شعبان ورمضان 1414هـ, شباط 1994م

الصوم

أجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرض. والدليل على الفرضية الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب، فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقوله كتب عليكم: أي فرض.

وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

وأما السنة، فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» [البخاري ومسلم].

كما انعقد الإجماع على فرضية صوم شهر رمضان، لا يجحدها إلا كافر.

فضل الصوم:

وردت في فضل الصوم أحاديث كثيرة، نذكر منها ما يلي:

أ- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [البخاري].

ب- وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم رمضان، يقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر» [أحمد والنسائي].

ج- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن في الجنة باباً، يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد» [البخاري ومسلم].

د- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنفُ رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له» [الترمذي وقال: حديث حسن].

صوم التطوع:

وهو:

1- صوم يوم عاشوراء.

2- صوم يوم عرفة.

3- صوم يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع.

4- صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض.

5- صيام ستة أيام من شوال.

6- صوم شهر شعبان.

7- صوم شهر المحرم.

8- صوم شهر رجب.

9- صيام ما ثبت طلبه والوعد عليه في السنة الشريفة.

الصوم المكروه، ويشمل ما يلي:

أ- إفراد يوم الجمعة بالصوم:

نص على كراهته الجمهور، وقد ورد فيه حديث عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله: «لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يوم، أو بعده يوم» [البخاري ومسلم وأحمد]، وفي رواية: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده» [أحمد والحاكم].

وورد في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده» [أخرجه أحمد والهيثمي].

ب- صوم يوم السبت وحده خصوصاً:

وهو متفق على كراهته، وقد ورد فيه حديث عبد الله بن بسر، عن أخته، واسمها الصماء رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» [أخرجه الترمذي وحسنه].

ووجه الكراهة أنه يوم تعظمه اليهود، ففي إفراده بالصوم تشبه بهم، إلا أن يوافق صومه بخصوصه يوماً اعتاد صومه، كيوم عرفة أو عاشورا. ومثل السبت كل يوم يعظمه الكفار مثل الأحد أو النيروز أو المهرجان.

جـ- صوم الوصال:

ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في قول) إلى كراهة صوم الوصال، وهو: أن لا يفطر بعد الغروب أصلاً، حتى يتصل صوم الغد بالأمس، فلا يفطر بين يومين، وفسره بعض الحنفية بأن يصوم السنة ولا يفطر في الأيام المنهية.

وإنما كره، لما روى عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: «واصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، فواصل الناس… فنهاهم، قيل له: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم، إني أُطعَم وأُسقى» [البخاري ومسلم].

الصوم المحرّم:

ذهب الجمهور إلى تحريم صوم الأيام التالية:

أ- صوم يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى، وأيام التشريق، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

وذلك لأن هذه الأيام منع صومها لحديث أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر» [البخاري ومسلم]. وحديث نبيشة الهذلي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله عزّ وجلّ» [مسلم].

ب- ويحرم صيام الحائض والنُّفساء، وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.

ركن الصوم:

ركن الصوم باتفاق الفقهاء هو: الإمساك عن المفطرات، وذلك من طلوع الفجر الصادق، حتى غروب الشمس.

ودليله قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأََسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}. المراد من النص: بياض النهار وظلمة الليل، لا حقيقة الخطين، فقد أباح الله تعالى هذه الجملة من المفطرات ليالي الصيام، ثم أمر الإمساك عنهن في النهار، فدل على أن حقيقة الصوم وقوامه هو ذلك الإمساك.

شروط صحة الصوم:

شروط صحة الصوم هي:

أ- الطهارة من الحيض والنفاس.

ب- خلّوه عما يفسد الصوم بطروّه عليه كالجماع.

ج- النية. وذلك لأن صوم رمضان عبادة، فلا يجوز إلا بالنية، كسائر العبادات. ولحديث: «إنما الأعمال بالنيات» [البخاري ومسلم].

والإمساك قد يكون للعادة، أو لعدم الاشتهاء، أو للمرض، أو للرياضة، فلا يتعيّن إلا بالنية، كالقيام إلى الصلاة والحج.

قال النووي: لا يصح الصوم إلا بنية، ومحلها القلب، ولا يشترط النطق بها، بلا خلاف.

وقال الحنفية: التلفظ بها سنة.

وصفة النية: أن تكون جازمة، معينة، مبيّتة، مجددة.

أما النفل فيجور صومه عند الجمهور ـ خلافاً للمالكية ـ بنيةٍ قبل الزوال، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «دخل عليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟، فقلنا: لا، فقال: فإني إذن صائم» [مسلم].

سنن الصوم ومستحباته:

سنن الصوم ومستحباته كثيرة، أهمها:

أ- السحور، وقد ورد فيه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تسحّروا فإن في السحّور بركة» [البخاري ومسلم].

ب- تأخير السحور، وتعجيل الفطر، ومما ورد فيه حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر» [البخاري ومسلم]. وحديث زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ : «تسحّرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قام إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية» [البخاري ومسلم].

ج- ويستحب أن يكون الإفطار على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، وفي هذا ورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء» [الترمذي وقال: حديث حسن].

وورد في حديث عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بكرة، فمن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور» [الترمذي وقال حديث حسن صحيح].

د- ويستحب أن يدعو عند الإفطار، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: «إن للصائم دعوة لا ترد» [ابن ماجه].

وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» [أبو داود والدار قطني].

وهناك فضائل من خصائص شهر رمضان كالتراويح، والإكثار من الصدقات، والاعتكاف، وغيرها.

ومن أهم ما ينبغي أن يترفع عنه الصائم ويحذره. ما يحبط صومه من المعاصي الظاهرة والباطنة، فيصون لسانه عن اللغو والهذيان والكذب، والغيبة والنميمة، والفحش والجفاء، والخصومة والمراء، ويكف جوارحه عن جميع الشهوات والمحرمات، ويشتغل بالعبادة، وذكر الله، وتلاوة القرآن. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفُثْ ولا يَصْخَب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امروء صائم» [البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من لم يَدَعْ قول الزور، والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [البخاري].

مفسدات الصوم:

يَفْسَد الصوم ـ بوجه عام ـ كلما انتفى شرط من شروطه، أو اختل أحد أركانه، كالردة، وطروء الحيض والنفاس، وكل ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصائم.

ما يفسد الصوم، ويوجب القضاء:

وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه وشروطه، ويمكن حصره فيما يلي:

1- تناول ما لا يؤكل في العادة.

2- قضاء الوطر قاصراً.

3- شؤون المعالجة والمداواة.

4- التقصير في حفظ الصوم والجهل بأحكامه.

5- الإفطار بسبب العوارض.

أولاً: تناول ما لا يؤكل عادة:

أكل نواة أو قطن أو ورق، أو ابتلاع حصاة، أو حديد أو ذهب أو فضة، وكذا شرب ما لا يشرب من السوائل كالبترول فالقضاء دون كفارة لقصور الجناية بسبب الاستقذار والعيافة ومنافاة الطبع، فانعدم معنى الفطر، وهو بإيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف، سواء أكان مما يتغذى به أم يتداوى به. ولأن هذه المذكورات ليست غذائية، ولا في معنى الغذاء.

ثانياً: قضاء الوطر أو الشهوة على وجه القصور: وذلك مثل:

تعمد إنزال المني بلا جماع، وذلك كالاستنماء بالكف أو بالتبطين والتفخيذ، أو باللمس والتقبيل ونحوهما فإنه يوجب القضاء دون الكفارة عند جمهور الفقهاء ـ الحنفية والشافية والحنابلة ـ وعند المالكية يوجب القضاء والكفارة معاً.

ثالثاً: المعالجات ونحوها، وهي أنواع أهمها:

أ- الاستعاط:

الاستعاط: افتعال من السّعوط، مثال رسول: دواء يصب في الأنف، والاستعاط والإسعاط عند الفقهاء: إيصال الشيء إلى الدماغ من الأنف.

وإنما يفسد الاستعاط الصوم، بشرط أن يصل الدواء إلى الدماغ، والأنف منفذ إلى الجوف، فلو لم يصل إلى الدماغ لم يضر، بأن لم يجاوز الخيشوم.

ب- استعمال البخور:

ويكون بإيصال الدخان إلى الحلق، فيفطر، أما شم رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرائحة واستنشقها، لأن الرائحة لا جسم لها.

فمن أدخل بصنعه دخاناً حلقه، بأية صورة كان الإدخال، فسد صومه، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرها، حتى من تبخر بعود، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً لصومه، أفطر، لإمكان التحرز من إدخال المفطر جوفه ودماغه.

قال الشرنبلالي: هذا مما يغفل عنه كثير من الناس، فلينبه له، ولا يتوهم أنه كشم الورد والمسك، لوضوح الفرق بين هواء تصيب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.

ج- بخار القدر:

بخار القدر، متى وصل للحلق باستنشاق أوجب القضاء، لأن دخان البخور وبخار القدر كل منهما جشم يتكيّف به الدماغ، ويتقوى به، أي تحصل له قوة كالتي تحصل من الأكل، أما لو وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه.

هذا بخلاف دخان الحطب، فإنه لا قضاء في وصوله للحلق، ولو تعمد استنشاقه، لأنه لا يحصل للدماغ به قوة كالتي تحصل له من الأكل.

د- التدخين:

اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام، لأنه من المفطرات.

هـ- التقطير في الإذن:

ذهب جمهور الفقهاء، وهو الأصح عند الشافعية إلى فساد الصوم بتقطير الدواء أو الدهن أو الماء في الأذن لأنها توصل إلى الجوف.

و- مداواة الآمة والجائفة والجراح:

الآمة: جراحة في الرأس، والجائفة: جراحة في البطن.

والمراد بهذا ـ كما يقول الكاساني ـ ما يصل إلى الجوف من غير المخارق الأصلية.

فإذا داوى الصائم الآمة أو الجراح، فمذهب الجمهور ـ بوجه عام ـ فساد الصوم، إذا وصل الدواء إلى الجوف.

قال النووي: لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء أكان الدواء رطباً أم يابساً وعلله الحنابلة بأنه أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره، فأشبه ما لو أكل.

ز- الاحتقان:

الاحتقان، صب الدواء أو إدخال نحوه في الدبر. وقد يكون بمانع أو بغيره.

فالاحتقان بالمائع من الماء ـ هو الغالب ـ أو غير الماء، يفسد الصوم ويوجب القضاء، فيما ذهب إليه الجمهور.

رابعاً: التقصير في حفظ الصوم والجهل به:

الأول:التقصير:

أ- من صور التقصير ما لو تسحر أو جامع ظاناً عدم طلوع الفجر، والحال أن الفجر طالع، فإنه يفطر ويجب عليه القضاء دون الكفارة.

وكذلك الحكم إذا أفطر بظن الغروب، والحال أن الشمس لم تغرب، عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأن الأصل بقاء النهار، وأبن نجيم فرع هذين الحكمين على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك.

الثاني: الجهل:

ب- الجهل: عدم العلم بما من شأنه أن يعلم.

فالجمهور من الحنفية والشافعية، وهو مشهور مذهب المالكية، على إعذار حديث العهد بالإسلام، إذا جهل الصوم في رمضان.

وأطلق الحنابلة وجوب الكفارة، كما قرر بعض من المالكية، وصرحوا بالتسوية بين العامد والجاهل والمكره والساهي والمخطئ.

خامساً: عوارض الإفطار:

المراد بالعوارض: ما يبيح عدم الصوم.

وهي: المرض، والسفر، والحمل، والرضاع، والهرم، وإرهاق الجوع والعطش، والإكراه.

أولاً: المرض:

المرض هو: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة.

قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة [المغني 3/16] والأصل فيه قول الله تعالى:  {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.

ثانياً: السفر:

يشترط في السفر المرخِّص في الفطر ما يلي:

أ- أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة.

ب- أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدة أربعة أيام بلياليها عند المالكية والشافعية، وأكثر من أربعة أيام عند الحنابلة، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يوماً عند الحنفية.

ج- أن لا يكون سفره في معصية، بل في غرض صحيح عند الجمهور، وذلك: لأن الفطر رخصة وتخفيف، فلا يستحقها عاص بسفره،بأن كان مبنى سفره على المعصية، كما لو سافر لقطع طريق مثلاً.

د- أن يجاوز المدينة وما يتصل بها، والبناءات والأفنية والأخبية.

صحة الصوم في السفر:

ذهب الأئمة الأربعة، وجماهير الصحابة والتابعين إلى أن الصوم في السفر جائز صحيح منعقد، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه.

والجمهور من الصحابة والسلف، والأئمة الأربعة، الذين ذهبوا إلى صحة الصوم في السفر، اختلفوا بعد ذلك في أيهما أفضل، الصوم أم الفطر، أو هما متساويان؟

قال النووي والكمال بن الهمام: إن الأحاديث التي تدل على أفضلية الفطر، محمولة على من يتضرر بالصوم، وفي بعضها التصريح بذلك، ولابد من هذا التأويل، ليجمع بين الأحاديث، وذلك أولى من إهمال بعضها، أو ادعاء النسخ، من غير دليل قاطع.

والذين سووا بين الصوم وبين الفطر، استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلمـ (أأصوم في السفر) ـ وكان كثير الصيام ـ فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فافطر» [البخاري ومسلم].

انقطاع رخصة السفر:

تسقط رخصة السفر بأمرين اتفاقاً:

الأول: إذا عاد المسافر إلى بلده، ودخل وطنه، وهو محل إقامته.

الثاني: إذا نوى المسافر الإقامة مطلقاً، أو مدة الإقامة التي تقدمت في شروط جواز فطر المسافر في مكان واحد.

ثالثاً: الحمل والرضاع:

الفقهاء متفقون على أن الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان، بشرط أن تخافا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته، أو الضرر أو الهلاك، فالولد من الحامل بمنزلة عضة منها، فالإشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها.

ومن أدلة ترخيص الفطر لهما، حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمـ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطره الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام» وفي لفظ بعضهم: «عن الحبلى والمرضع» [الترمذي وقال حديث حسن].

رابعاً: الشيخوخة والهرم:

وتشمل الشيخوخة والهرم ما يلي:

– الشيخ الفاني، وهو الذي فنيت قوته، أو أشرف على الفناء، وأصبح كل يوم في نقص إلى أن يموت.

– المريض الذي لا يرجى برؤه، وتحقق اليأس من صحته.

– العجوز، وهي المرأة المسنّة.

والأصل في شرعية إفطار من ذكر:

أ- قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فقد قيل في بضع وجوه التأويل: إن (لا) مضمرة في الآية، والمعنى: وعلى الذين لا يطيقونه.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الآية ليست بمنسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.

ب- والعمومات القاضية برفع الحرج، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

خامساً: إرهاق الجوع والعطش:

من أرهقه جوع مفرط، أو عطش شديد، فإنه يفطر ويقضي.

وألحقوا بإرهاق الجوع والعطش خوف الضعف عن لقاء العدو المتوقع أو المتيقن كأن كان محيطاً: فالغازي إذا كان يعلم يقيناً أو بغلبة الظن القتال بسبب وجوده بمقابلة العدو، ويخاف الضعف عن القتال بالصوم، وليس مسافراً، له الفطر قبل الحرب.

ولا خلاف بين الفقهاء، في أن المرهق ومن في حكمه، يفطر، ويقضي.

سادساً: الإكراه:

الإكراه: حمل الإنسان غيره، على فعل أو ترك مالا يرضاه بالوعيد.

ومذهب الحنفية والمالكية، أن من أكره على الفطر فأفطر قضى.

أما عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة أيضاً: فلو أكره على الفعل، أو فعل به ما أكره عليه، بأن صب في حلقه، مكرهاً أو نائماً، كما لو أوجر المغمى عليه معالجة، لا يفطر، ولا يجب عليه القضاء، لحديث: «وما استكرهوا عليه» [ابن ماجه].

ملحقات بالعوارض:

يمكن إلحاق ما يلي، من الأعذار، بالعوارض التي ذكرها الفقهاء، وأقروها وأفردوا لها أحكاماً كلما عرضت في الصوم كالحيض والنفاس والإغماء والجنون والسكر والنوم والردة الغفلة .

[من الموسوعة الفقهية التي أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت ج/28 مادة (صوم)].

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *