العدد 81 - السنة السابعة رجب 1414هـ,كانون الثاني 1994م

الدعوة إلى الإسلام (22)

لا يتوصّل إلى الحلال بالحرام

لقد جرت عقول بعض المسلمين على طريقة القياس العقلي الذي لا يعتمد على أَمارة من الشرع تدل على اعتباره، أي علة شرعية ورد بها نص شرعي معين، بل إن القياس العقلي عندهم يفهمه العقل. من مجموع الشرع، دون أن يكون هناك نص معين يدل عليه، أو يفهمه من قياس حكم على حكم لمجرد التماثل عقلاً دون أن كون هناك باعث على الحكم قد ورد به الشرع. أو يفهمه من ترجيح عقلي للمصلحة في الحكم الشرعي نفسه وفي سائر الأحكام.

فإن ذلك كله لا يجوز ولا بوجه من الوجوه، فالشرع عندهم قد دل بمجموعه على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال فكل ما يؤدي بنظرهم إلى حفظ هذه الخمسة فهو مطلوب شرعاً ون لم يدل النص الشرعي عليه، وإن لم توجد علة شرعية تدل على اعتباره. وذلك للتماثل الموجود بين الأمرين… وكذلك فإن الشرع قد أجاز للمسلم المضطر أكل ما هو محرم عليه أو شرب الخمر، فإن اضطر المسلم للتعامل بالربا فلا شيء عليه، للتماثل الموجود بين الأمرين.

  هذه الطريقة في الفهم تجافي الفهم الصحيح وتخالفه. وهي طريقة يدل واقعها على فسادها. ولا تصلح للاعتماد عليها أو الأخذ بها. ذلك أن القياس العقلي هذا يقتضي الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، بينما نرى أن الشرع قد فرق بين المتماثلات في كثير من الأمور وجمع بين المختلفات في كثير من الأمور وأعطى أحكاماً لا مجال للعقل فيها. وهذا وحده كافٍ لنقض هذه الطريقة من أساسها.

فبالنسبة للتفريق بين المتماثلات فإن الشرع قد فرّق بين الأزمنة، المتشابهة عند المسلم، في الشرف ففضل ليلة القدر على غيرها، وفرّق بين الأمكنة في الشرف كتفضيل مكة على المدينة، والمدنية على غيرهما. وفرق بين الصلوات في القصر فرخص في قصر الرباعية ولم يرخص في قصر الثلاثية ولا الثنائية. وفرق بين المني المذي فجعل المني طاهراً والمذي نجساً مع أنهما نزلا من مكان واحد. وأوجب الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمداً دون المذي مع أنهما نزلا من مكان واحد. وأوجب غسل الثوب من بول الصبية الأنثى والرش من بول الصبي الغلام. وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. وقطع سارق ثلاثة دراهم ولم يقطع غاصب القناطير، وجعل عدة المطلقة ثلاثة قروء وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام مع استواء حال الرحم فيهما… وهكذا أحكام كثيرة متشابهة ويوجد فيها جامع. فول ترك للعقل أن يعطي أحكامه في مثل هذه المسائل لأخطأ ولجاء حكمه مخالفاً لما أعطاه الشرع فجاء الشرع وجعل لكل منهما حكماً غير حكم الآخر. مما يدل على فساد هذه الطريقة في القياس.

وبالنسبة للجمع بين المختلفات فإن الشرع قد أعطى أحكاماً واحدة في مسائل مختلفة. مع أن القياس العقلي لا يرضى بذلك. فالشرع قد جمع بين الماء والتراب في جواز الطهارة مع أن الماء ينظف والتراب يشوه. وحرم ربا الفضل في الذهب والحنطة مع اختلاف واقعها. وجعل عقوبة المرتد والزاني المحصن القتل وإن اختلفت كيفيته مع أن هناك فرقاً بين عمل كل منهما، وجعل المسلم والذمي معصومي الدم بالرغم من اختلاف كل واحد منهما باعتبار الدين. وأوجب الجلد بثمانين على القاذف بالزنا وشارب الخمر مع اختلاف واقع كل منهما…

وهكذا أحكام كثيرة تختلف الوقائع فيها اختلافاً بيّناً ولا يجود أي جامع بينها ومع ذلك فقد جعل الشرع لها حكماً واحداً. ولو ترك للعقل أن يقيس فيها لجاء حكمه مخالفاً ولما استطاع أن يعطي فيها أحكاماً متشابهة لاختلاف والواقع فيها، وذلك مما يدل على فساد هذه الطريقة في القياس.

بالإضافة إلى كل ذلك فقد أثبت الشرع أحكاماً لا مجال للعقل فيها. فالشرع أحل البيع وحرم الربا مع أن كلاً منهما بيع وهما متماثلان. وشرط في شهادة الزنا أربعة رجال واكتفى بشهادة القتل باثنين مع أن القتل أغلظ من الزنا. وشرط في شهادة الرجعة أن يكون الشاهد مسلماً بينما أجاز شهادة الكافر في الوصية. وأوجب التعفف أي غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها ولم يوجبه بالنسبة إلى الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها. وأوجب المسح على ظاهر الخف دون باطنه. مع أن باطنه أولى. وفي هذا يقول سيدنا علي كرم الله وجهه: «لو كان الدين يؤخذ قياساً (أي عقلياً) لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره».

وهذا ما رفع مثل أبي العلاء المعري الشاعر المعروف لأن يقول:

يدٌ بخمس مِئين عَسْجَدٍ وُدِيَتْ                   ماَ بالُها قُطِعَتْ في ربع دينارِ

أي إن اليد التي أُتلفَتْ وُديت بخمسمائة دينار فكيف تقطع في سرقة ربع دينار؟ أنه يستهجن بحكم العقل حكم الشرع. وإنه لو جُعل للعقل أن يفهم من مجموع الشرع علة أو يفهم من ظاهر النص علة، أو يفهم من مجرد التماثل بين حكمين وجود القياس بينهما لحرم كثيراً مما أباحه الله، ولأحلَّ كثيراً مما حرمه الله. لهذا لا يجوز القياس إلا بحسب الطريقة التي أقرها الشرع. أي لا يحصل القياس الشرعي إلا في علة ورد النص بها. ولا يقاس في النص الذي لم يرد فيه علة شرعية، ولا توضع له علة عقلية، ولا تقدّر له علة شرعية ما لم تذكر أو تعين. لهذا فقد حدد الفقهاء مسالك العلة استقراءً من النصوص. وقالوا إن العلة إما أن يكون النص قد دل عليها صراحة وإما دلالة وإما استنباطاً وإما قياساً. (تراجع كتب الأصول في ذلك).

والرسول r عندما أقر القياس حدد نوعه. فقد روى أحمد والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: «جاء رجل من خثعم إلى رسول الله r فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه. أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزي ذلك عنه؟ قال: نعم. قال: فاحجج عنه» فالحج عبادة، وإقراض المال معاملة وكل منهما يختلف عن الآخر. ولكن تسديد فرض الحج يشبه تسديد المال المقرض من حيث أن كلاً منهما دين. والباعث على جواز حج الابن عن أبيه في مثل هذه الحالة كونه قضاء دين. فالرسول -عليه السلام- ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه. ولولا أن الرسول -عليه السلام- شرع ذلك لما كان لعقولنا أن تقول به.

والتعليل للأحكام دليل على بيان الشيء الذي من أجله شرع الحكم. وهذا يوجب اتباع العلة أينما وجدت وهذا هو عين القياس. فالرسول -عليه السلام- عندما قال عن الهرة «إنها ليست نجسة» بيّن العلة أي الباعث على اعتبارها أنها ليست نجسة بقوله: «إنما من الطوافين عليكم والطوافات». وعلى هذا يكون كل ما كان من الطوافين والطوافات ليس بنجس ما لم يستثن بدليل. وقول الرسول r: «إنما جعل الاستئذان لأجل النظر». يعني أن المسلم يجب أن يستأذن قبل الدخول إلى بيت ما. لأن للبيت حرمة ويعتبر عورة. فالباعث على تشريع الاستئذان حتى لا يسبق النظر إلى محرم. فقوله: (لأجل النظر) هي العلة أي الباعثة على تشريع الاستئذان. وعليه فإن المسلم الذي يدخل إلى بيته لا يحتاج إلى الاستئذان لأن العلة انتفت فانتفى الحكم معها. إلا إذا كان عنده ضيوف أو ما شاكل ذلك. فمتى عادت العلة عاد الحكم معها. ولهذا يلحق الحكم العلة وجوداً وعدماً.

لذلك كان القياس من الأمور الدقيقة جداً. وينبغي أن يعمل أن هذا القياس إنما هو لذوي العقول التي تفهم النصوص والأحكام والحوادث. وليس هو لكل واحد من الناس يقوم به حسب ما يهوى ووفق ما يشتهي بل لابد أن يكون لمن آتاهم الله بصيرة وفهماً وإلا كان وسيلة من وسائل الهدم والبعد عن حقيقة حكم الله، قال الإمام الشافعي: «ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف ولسان العرب، ويكون صحيح العقل حتى يفرق بين المشتَبه، ولا يعجل بالقول، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لأن له في ذلك تنبهاً على غفلة ربما كانت فيه، أو تنبيهاً على خطأ ما اعتقد من الصواب» فاستعمال القياس يحتاج إلى فهم دقيق، ولا يجوز القياس لاستنباط حكم إلا للمجتهد.

وعلى ذلك، ومن خلال كل ما عرضاه ينبغي على الذين يقولون بجواز المشاركة في الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل الله أن يراجعوا أنفسهم وأن يغيروا، طريقة تفكيرهم غير الشرعية قبل أن يغيروا رأيهم في الموضوع. لأن هذا الرأي وغيره من الآراء إنما هو من بنات هذه الطريقة. والله نسأل أن يهدينا ويهديهم إلى الحميد من القول وإلى سواء السبيل.

إننا في كل ما ذكرناه من قبل لم نذكر إلا أدلة القائلين بالمشاركة ونقضها. وتبيان أنها لا تصلح أدلة على الموضوع. والآن ما هو رأي الإسلام القطعي الذي لا يجوز فيه الاجتهاد في هذا الموضوع؟

إن الشرع بعقيدته قائم على الإيمان بالله الواحد، وأنه يجب إفراده في العبادة. وإن القول بـ (لا إله) تعني نفي الألوهية والعبادة والتشريع لكل ما عدا الله. وإن القول (إلا الله) تعني إثباتها لله وحده. فهو الإله الحق المستحق للعبادة والتشريع وحده. وتكون عبادته والخضوع له سبحانه ومعرفة شرعه عن طريق الرسول -عليه السلام- وهذا ما يفيد الشطر الثاني من الشهادتين وهو القول بأن (محمد رسول الله) ومن هنا يجب إفراد الرسول -عليه السلام- بالاتباع والتأسي في التشريع.

حتى إن أصول الفقه تقوم على تحديد مصادر الوحي حتى لا يؤخذ التشريع من غيره. وتقوم على ضبط قواعد الاستنباط حتى لا يدخل في الشرع ما ليس منه. لهذا كان أول بحث فيه يقوم على أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى. وأن الحكم لله وحده. وأن لا حكم قبل ورود الشرع ولا خارج الشرع.

ثم يأتي الفقه ليشكل الترجمة العملية لعبادة الله وحده، والخضوع له وحده، وعدم قبول التشريع من سواه. والتحاكم لشرعه وحده…

والمشاركة في أنظمة الكفر تعني أن الداعي لها يقبل بوجود تشريع بشري إلى جانب التشريع الإلهي وبالتالي يقبل بوجود مشرع للأحكام غير الشرعية إلى جانب المشرع في الأحكام الشرعية. وتعني كذلك القبول بتعدد مصادر التشريع… فأني وحدانية المعبود التي تقتضي وحدانية العبادة ظاهراً وباطناً.

إن عدم جواز الإشراك بالله يقتضي عدم جواز المشاركة في حكمه.

من هنا فإن الشرع بكليته يدل على عدم جواز المشاركة في الأنظمة الجاهلية.

وسيرة الرسول -عليه السلام- في الدعوة تدل بما لا يترك مجالاً لشبهة واحدة على جذرية الطرح والبعد عن التأثر بالواقع. والعمل على التأثير بالواقع ليحدث التغيير المطلوب. فالرسول -عليه السلام- لم يراعِ في دعوته واقع الشرك في كفّار مكة. ولم يأبه لعاداتهم وتقاليدهم، ولم يحسب لقبول الناس إياه أو رفضهم له أي حساب. ولم يُداج من بيدهم الأمور مع أن وضع الرسول -عليه السلام- ووضع الدعوة في مكة كان شديداً. فجهر بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والتي هي الإسلام كله بجوهره، والرفض الكلي لكل ما عداه عقيدة وشريعة. وعلى هذا الأساس رفضها أبو جهل مع صناديد الكفر في مكة. وعلى هذا الأساس جهر بها الرسول -عليه السلام- أمام الأسود والأبيض، والحر والعبد، والغني والفقير، والعربي والأعجمي، وعابد الوثن والكتابي وواجههم وجابههم بها وبادأهم بذكر آلهتهم فردّوا بالعداوة، وساوموه وطلبوا منه أن يكف عنهم ويكفوا عنه وودوا لو يدهن الرسول فيدهنون. فلم يقبل منهم وصبر على مناكدتهم للدعوة وتعذيبهم لأصحابه، وصبر معه المؤمنون به وكان صبر الجميع آية من آيات صدق الدعوة وصدق اللهجة، حتى أنه قال لوفد بني صعصعة حين جاء يدعوهم لنصرة دينه في أشد أوقات الدعوة وفقدان النصير، فهم قد استعدوا لنصرته إن قبل منهم أن يكون لهم الأمر من بعده. فلم يقل إنه قد فتحت له ثغرة يستطيع أن يستفيد منها بعد أن سدت أمامه كل المنافذ، بل قال لهم ولنا من بعدهم معلماً، مرشداً، داعياً، هادياً، «الأمر لله يضعه حيث يشاء».

وهو يعني بذلك أن الأمر لله وحده، ولا يشاركه فيه أحد، والله وحده هو الذي يضعه حيث يشاء، وليس لأحد من الأمر شيء. ومضى الرسول -عليه السلام- في دعوته لا يعتمد إلا على قوة الفكرة وتوفيق الله سبحانه. ووصلت الدعوة إلى تحقيق ما هدفت إليه بإقامة دار الإسلام في المدينة بعد أن فتح الله عقول وقلوب من نصروه وآووه. وكان التوفيق من الله وسيكون لمن يتكل عليه ويستمد العون منه، ويحافظ على نقاء الفكرة وصفاء الفهم واستقامة الطريق ونظافة التصرف.

والآن، وفي نهاية موضوع المشاركة في الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل، لنعرض واقع الحكم في الأنظمة الحالية وكيف تتم المشاركة فيها. ثم نعرض الآيات والأحاديث التي تحرم سلوك هذا الطريق وتقطع الطريق على أي تبرير أو تأويل لأن الآيات قطعية في دلالاتها.

إن الدستور في أية دولة يجب أن يكون قائماً على أساس فكري معين. فقد يكون ديمقراطياً، وقد يكون إسلامياً. بحيث لا يتأتى وجود أي حكم من أحكامه غير منبثق عن عقيدته وأساسه.

ففي الأنظمة الديمقراطية يجب أن تأتي أحكام الدستور منسجمة مع الأساس الذي يقول بأن السيادة للشعب، أي إن الشعب هو الذي يسن القوانين عن طريق مجلس يختاره لهذه المهمة ويسمى مجلس النواب. والسلطة التنفيذية عندما تحكم فإنها تطبق ما شرعته السلطة التشريعية باسم الشعب. وللحفاظ على تقيد الحكومة بحكم الشعب أعطيت للمجلس النيابي صلاحية منح الثقة للحكومة بحيث لا تصبح شرعية إلا بعد أن يمنحها الثقة. وأعطيت صلاحية مراقبة أعمال الحكومة واستجوابها ومحاسبتها وبالتالي حجب الثقة عنها مجتمعة أو عن وزير ما إذا ما أخلَّ ولم يتقيد بأحكام الدستور.

ومن هنا فإن ما يصدر عن الحكومة من أعمال إنما أساسه الديمقراطية وليس الإسلام. والإسلام كما بيّنا في حلقة سابقة لا يقبل بأي عمل ما لم يقم على أساس روحي، وهو أساس الإيمان بالله تعالى.

والأنظمة كما أن لها أساساً واحداً فإن بناءها متكامل وسياستها التي تريد تنفيذها واحدة وتسعى إلى تطبيقها عن طريق جميع الوزارات. فسياسة كل وزارة يجب أن تنسجم مع سياسة الوزارات الأخرى. والذي صنع هذه السياسة هو الحكومة مجتمعة.وصوت الوزير المسلم لا يعدو أن يكون صوتاً واحداً من مجموعة أصوات ترسم مع رئيسها هذه السياسة على ضوء الدستور وما يقوم عليه من أساس، وهذا من حيث القانون. أما من حيث التطبيق فالبون شاسع والفرق كبير. فالوزير عندما يُختار للوزارة فإن سياسة الحكومة تكون مرسومة من قبل رئيس البلاد وفريقه. وليس على الوزير إلا الاختيار بين تولّي الوزارة على أساس السياسة المرسومة أو الرفض وليس له أن يضع سياسة وزارته أو يقترح بشأن سياستها أي اقتراح، يعني أن ما يطبق هو أسوأ بكثير مما هو مرسوم. ومع ذلك فلنتناول الموضوع من جانبه القانوني. من هذا المنطلق فإن على الوزير أن يطبق السياسة المختصّة بوزارته والمرسومة له.

ثم إن مسؤولية الوزراء هي مسؤولية تضامنية، وهذا يعني أن الحكومة عندما تريد تنفيذ سياستها المرسومة، واتخاذ القرارات اللازمة فإن هذا القرارات تؤخذ بالأكثرية، وهذا يعني أن كل وزير يتدخل في شؤون الوزارات الأخرى ويبدي رأيه في قراراتها. وهذا يحمّل الوزير المسلم المسؤولية عن كل ما يصدر ويتعلق بوزارته أو بغيرها. وهو في هذه الحالة عليه أن يدافع عن سياسة الحكومة وقراراتها في الخارج وأمام الناس وإن كان معارضاً لها في الداخل. وهنا قد يتصور أن الوزير المسلم سيأخذ واقع المعارض لكل ما يطرح ويخالف الإسلام. فمثل هذا الكلام يدل على خفة تفكير. فالوزير يختلف عن النائب. فمن حيث القانون لا التطبيق، فإن النائب يمثل الذين انتخبوه فقد يمثل مسلمين في أنظمة ديمقراطية وقد يمثل يساريين في أنظمة رأسمالية. أما الوزير فإنه لا يؤتى به إلى داخل الحكم ليعارض وإلا لبقي خارجه للمعارضة، ففي الأنظمة الديمقراطية أن الذي يعارض الحكومة أو الحكم يبقى خارجها ولا يحق له الدخول. وإذا دخل بالخطأ أخرج بالإصرار. فالحكومة تأتي لتحكم وتنفيذ ولها سياسة تريد تنفيذها وهي ليست في وارد جمع المتناقضات. وإن من يناقض سياستها يخرج منها بدعوة من رئيس الوزارة أو الوزراء مجتمعين وتحجب عنه الثقة من قبل النواب ولو على شخصه منفرداً وتبقى الحكومة مستمرة.

وهنا لابد من ذكر أنه بمجرد قبول الوزير المسلم المشاركة في الحكم فإن هذا يعني قبوله للدستور القائم في البلاد والأساس الذي يقوم عليه. والمعارضة التي نذكرها هنا ليس المقصود منها المعارضة لأصل النظام ولكنها معارضة من خلال النظام، وهي معارضة تدل على اختلاف في الفروع مع إقرار الجميع لأهلها.

ثم إن كل مرسوم يتخذ ويتعلق بأية وزارة من الوزارات لا يصير نافذاً معمولاً به حتى يحظى بموافقة ثلاثة أطراف ويذيّل بتوقيعهم وهم: رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة والوزير المختصّ مما يعني كذلك أن الوزير المسلم غير مطلق اليد في التصرف في شؤون وزارته واستصدار المراسيم العملية بمفرده.

من هذا يتبين:

– أن الأحكام التي تحم بها الحكومة لا تقوم على أساس روحي هو أساس الإيمان بالله بل على أساس ديمقراطي يكون التشريع فيه للشعب وليس لله.

– إن الحكومة هي السلطة التنفيذية وهي سلطة حكم وتنفيذ لأحكام الدستور. والحكومة برئيسها ووزرائها وزيراً وزيراً لا يحق لها الخروج عن أحكام الدستور وإلا اتهموا بخرقه وهذه خيانة عظمى.

– إن كل وزير، بما فيهم الوزير المسلم، لا يرسم سياسة وزارته، بل يطبق السياسة المرسومة من قبل الدولة ككل بما فيها رئيسها.

– إن كل وزير مسؤول عن كل ما يصدر عن الحكومة من قرارات وأعمال لأن القانون نص على أن مسؤولية الوزراء جماعية تضامنية.

– إن الوزير ليس مطلق اليد في التصرف حتى في شؤون وزارته.

ومجمل القول فإن المسألة منضبطة عند هذه الأنظمة بحيث لا يحق لأحد أن يغرد خارج سربه وعلى طريقته.

هذا هو الواقع الذي تمثله الحكومات. وتشهد الآيات الكثيرة على حرمة اشتراك المسلم فيها.

– فالله سبحانه أوجب أن يكون الحكم لله كأساس تصدر عنه القوانين. قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.

– والله تعالى أوجب أن يكون الحاكم مسلماً. قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}

– والله تعالى أوجب على الحاكم المسلم أن يحكم بالإسلام. قال تعالى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ… } وحذر سبحانه الحاكم المسلم من الفتنة عن بعض الإسلام ولو كان حكماً واحداً. فقال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ…} وأمر بإشهار السلاح في وجه من يحكم بالكفر الصراح بقول الرسول -عليه السلام- عن الحاكم الفاجر عندما سئل أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله قال: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان».

– وحرم سبحانه أن تكون بطانة الحاكم وحاشيته على غير الإسلام حيث قال: {لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ}.

– والله تعالى أمر المسلمين أن يتحاكموا إلى الإسلام أن يتحاكموا إلى الإسلام وحرّم عليهم الاحتكام إلى الطاغوت وبين أن من يفعل ذلك فإن إيمانه زَعْمٌ وليس حقيقة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}.

– والله سبحانه قد حرّم على المسلمين تولي غيرهم حكاماً كانوا أم أحكاماً. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}، وقال تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.

وهنا قد ترد شبهة أن حكام اليوم ليسوا يهوداً ولا نصارى. والحق أنهم هم موالون لليهود والنصارى، ومن يوالهم يكن ولاؤه لمن والاه هؤلاء الحكام.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}.

وهنا يجدر التنويه أنه ليس المقصود بعدم موالاة اليهود والنصارى موالاة غيرهم من غير المسلمين بل المقصود أنه يحرم ولاء كل ما ومن خالف الإسلام. وأن حرمة توليهم تقتضي البراء منهم فكراً أو سلوكاً، وعدم إقرارهم على أي أمر طالما أن أساس ما عندهم قائم على الكفر. قال تعالى على لسان إبراهيم: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا}.

والولاء يجب أن يكون لله ولرسوله وللمؤمنين. قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ}.

وهنا أيضاً قد ترد شبهة وهي القول: إننا إن قبلنا المشاركة في الحكم فلا يعني هذا أننا نواليهم بل إننا نظهر الولاء على طريقة (نتمسكن حتى نتمكن) ولكن قلوبنا تبقى منكرة لما يفعلون. والحق إن الولاء أمر مشترك فيه الجوارح والقلب. ويجب إنكار ما يفعله الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله باليد واللسان والقلب. وأدنى درجات الإنكار هو القلب وليس وراء ذلك إيمان كما أخبر المصطفى -عليه السلام- وعلى من يتخذ موقف أضعف الإيمان أن لا يأتي عمله أو قوله موافقاً ومؤيداً للحكم بغير الإسلام. ومن يفعل ذلك فإنه يعصى الله ويأثم وإن كان قلبه منكراً. ويكفر إن كان قلبه راضياً. أي أن من يشارك في الحكم بغير ما أنزل الله فإن أقل ما يقال فيه أنه فاسق وظالم وعاصٍ لله سبحانه وتعالى.

أفيعقل بعد هذا البيان أن يبقى هناك من يقول بالمشاركة في تطبيق أنظمة الكفر؟. إن للآخرة طريقاً محدداً وسعياً مكتوباً، وما على المسلم إلا أن يقرأ وينفذ أمر الله قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} حيث قال تعالى: {سَعْيَهَا} ولم يقل سعيه.

وصدق الشاعر حين قال:

ترجو النجاة ولَمْ تَسْلُكْ مسالِكَها                            إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ

هذا هو واقع المشاركة في الحكم في الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل الله. وهذه هي حال من يقول بها. وكما قلنا إن الشر لا يكمن في طرح المشاركة فقط بل في طريقة التفكير التي تنتج مثل هذه الأفكار والمقاييس غير الشرعية التي كثرت لدى هذه الفئة من المسلمين.

وان هذه الفئة من المسلمين لم تعد معذورة في طروحاتها، وطريقة تفكيرها هذه خاصة وأنها نوقشت من مختلف الفئات وصارت على بيّنة من أمرها. وإن إصرارها على تبنّي هذه الطروحات وهذه المنهجية في التفكير يوقعها في الإثم حين العمل. وسواء المسؤولين فيها أو الاتباع طالما أن الجميع يركبون في سفينة يسوقها الهوى والرأي والمصلحة.

وإننا من خلال عرضنا لآرائهم وطريقة تفكيرهم وتنفيذها جميعاً، عرضنا للطريقة الصحيحة التي لم نحدثها ونبتدعها وإنما التي نتبعها على سيرة السلف الصالح.

وإن من يُجري مقارنة بني هذين المنهجين في التفكير يَرى نفسه أمام منهج متقيّد بالأصول على سيرة السلف الصالح، ولم يخرج بِحكم شرعي واحد يخالف نصاً قطعياً ولم يحدث طريقة جديدة مبتدعة في الاستنباط، ومنهج متأثر بالفكر الغربي، وغير متقيداً بالأصول، بل كان كل همّه الوصول. وقد خرج بأحكام لا سند شرعياً لها، بل أوجد لها المبررات العقلية والتي خالفت النصوص القطيعة، وابتدع طريقة في الاجتهاد منكرة، جعلت لعقله وأهوائه مدخلاً في التشريع يحرمه الله تعالى.

(يتبع)

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *