المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه
يومين مضت
المقالات
157 زيارة
:في ذروةِ مأساةِ أهلِ غزّة؛ حيث تُقاسُ الأيامُ بعددِ الشهداء، وتُقاسُ الليالي بعددِ الأطفال الذين ناموا بلا سقفٍ ولا دواء، تُرفعُ راياتُ «كأس العرب» كأنها رايةُ نصرٍ تُغطي الهزيمة، وتُدارُ الشاشاتُ لتَصنع من هدفٍ في شباكٍ حدثًا، ومن بكاءِ أمٍّ على رضيعها «خبرًا عابرًا». تُشغَلُ الشعوبُ بفوزِ هذا وهزيمةِ ذاك، وتُسقى عيونُها نشوةً تُنسيها الدم، وتُدعى إلى الفرح في ساعةٍ كان أَولى بها أن تُدعى إلى الوقوف والنجدة والصدق مع الله ومع التاريخ.
أيُّ كأسٍ هذه؟ إنها كأسُ الغفلة… كأسٌ تُتجرّعُ ليُخمَدَ الوعي، وتُدفنَ الذاكرة، وتبردَ الأسئلةُ التي تُخيفُ الطغاة. كأننا نقول للجرح: اصمت؛ فالمباراةُ بدأت! كأننا نقول للمشافي المهدَّمة: انتظروا؛ فالتعليق الرياضي أعلى صوتًا من أنينِ «كذا ألف» طفل، و»كذا ألف» امرأةٍ ثكلى، و»كذا ألف» جريحٍ يئنُّ في غزة وسواها؛ جراحاتٌ لم يتقدّم أحدٌ من «العرب» لتضميدها إلا ما كان من شكاوى وتنديدٍ مُعلَنٍ لا يوقفُ طائرةً ولا يردُّ صاروخًا.
وغزّة ليست وحدها. انظروا إلى السودان وهو يُستنزَفُ حربًا وتمزّقًا، وإلى اليمن وهو بين فقرٍ وحصارٍ ودوّامةِ نزفٍ طويل، وإلى سوريا التي لم تجفّ دموعُها منذ سنين، وإلى لبنان الذي يُترَكُ على حافة الانهيار والخوف، وإلى كشمير والروهينغا وتركستان الشرقية… مآسٍ تتوالد، ونحن نُعلّقُ عليها بأغانٍ، ونُسكِتُها بمهرجان.
وليس هذا جديدًا؛ فهكذا تُستعملُ كرةُ القدم -حين تُرادُ «مُسكِّنًا» – بعد الجراح الكبرى. في عام 1982 كانت بيروت تُحاصر وتُقصف، وفي العام نفسه كان العالم يَسهرُ على كأس العالم في إسبانيا؛ تُذاعُ الأهدافُ بينما تُطمرُ الأحياءُ تحت الركام. وفي عام 2014 كانت شاشاتُ العالم مغموسةً بمونديال البرازيل، وفي الأيام نفسها انفجرت غزة نارًا جديدة؛ فاختلطت الهتافاتُ بنشرات القصف، وغلبت الهتافاتُ.
يا أمة… ليست المشكلةُ في لعبةٍ تُمارَس، بل في قلبٍ يُباع، في رقص على الجراح. في أن نُستَدرَجَ إلى فرحٍ مصطنعٍ في أمر تافه، ونحن نرى أشلاءَ إخوتنا ولا نغضب غضبةَ الحق. قال صلى الله عليه وسلم: «المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه»، ومعنى «ولا يُسلِمُه» لا يتركه مع من يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه. فهل دفعتم عن إخوانكم المسلمين الذين يسامون سوء العذاب في أيامكم هذه بكأس العرب؟
1447-07-16