العدد 473 -

السنة التاسعة والثلاثون جمادى الآخرة 1447هـ الموافق كانون الأول 2025م

مع القرآن الكريم

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ )

الأستاذ إبراهيم سلامة

قال الله تبارك وتعالى: (وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤ سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥ وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ٧) [محمد: 4–7].

إنَّ المُبطِلين والبُغاة والطُّغاة يظنّون أنّهم قادرون على إيقاع الأذى بمن يشاؤون، وأن يفعلوا بالناس ما يريدون بلا حسيبٍ ولا رقيب؛ فيُظهرون الاستكبار والبطش والتنكيل والقتل لإرهاب الناس، واستقطاب بعضهم أعوانًا وزَبانيةً يُستعملون أدواتٍ صمّاء لإيقاع الأذى. ويحسبون أنفسهم قوّةً لا تُقهر ولا تُحاسَب ولا تُسأل. وهؤلاء يجب على المؤمنين أن يقفوا في وجوههم، وأن يأخذوا على أيديهم، وأن يَكُفُّوا أذاهم؛ لكنّ ذلك لا يكون بالانفعال المجرد، بل بطاعةِ الله، وإقامةِ دينه، وتحكيمِ شريعتِه، والتزامِ منهاجِه في الحكمِ والتحاكم، مع صدق التوكّل عليه وحسن الثبات. والمؤمنُ لا يَغتَرُّ بقوةِ الباطل مهما اشتدّ سلطانُه، ولا يُخدَعُ ببريقه؛ فإنّ الباطل إلى زوالٍ وإن طال أمدُه، إذا واجهه المؤمنون بالإيمان والعمل والالتزام بشرع الله.

ثم يبيّن الله تعالى كرامةَ من يُقتل في سبيله، فيقول: (وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ )؛ فأعمالُهم محفوظةٌ غيرُ ضائعة، بل هي أعمالُ طاعةٍ ورضوان. ويتعهّدهم الله بالهداية وإصلاحِ الحال:(سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ)، ثم يجزيهم الجنّة: (وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ)؛ أي يُدخِلهم جنّةً وعدهم بها، كأنّهم عرفوا نعيمَها وذاقوا بشائرَها حين صدّقوا وعدَ الله، وباشروا الجهادَ ابتغاءَ مرضاته.

وقال سبحانه: (وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ١٦٩)[آل عمران: 169]. فبهذه الكرامة والرضا والعناية، يحرّضُ الله المؤمنين على طاعتِه، والتجرّدِ له، وإقامةِ دينه في واقع الحياة. والشهداءُ من أكرمِ القلوب وأطهرِ الأنفس؛ وأعفّهم عن متاع الدنيا وزينتها، وأحرصهم على حماية المسلمين وديارهم، فيبذلون أرواحَهم نصرةً لدين الله.

ومن هنا يأتي نداءُ الوعد والشرط:(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ). ونُصرةُ الله تكون بالتجرد لطاعتِه دون إشراكٍ به، وبأن يكونَ اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلى قلب المؤمن من نفسه وماله وولده، وبأن تكون كلمةُ الله هي العليا. وتظهر هذه النصرةُ بالتزام شرع الله ومنهاجه، وبالعدل والإنصاف في شؤون الحياة كلها، وألا يُقعد المؤمنَ عن نصرة دينه شيءٌ من الخوف أو التردد، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم.

وأما قوله تعالى: (وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ) فالتثبيتُ يكون قبل المعركة بحسن الإعداد وبذل الجهد والوسع مع إخلاص النية، ويكون في المعركة عند اشتداد الكرب، ويكون بعد النصر بالثبات على الطاعة، وإقامة العدل، وحسن الرشد والإحسان، لئلا ينقلب النصرُ إلى فتنة.

وقال الله تعالى:  (فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ شۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤  وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ…) إلى قوله: (إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦) [النساء: 74–76].

فالمؤمنون يقاتلون في سبيل الله لنصرة دينه، وحماية المسلمين، وكسر شوكةِ الظالمين، ونصرةِ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؛ أولئك الذين يرفعون أكفَّ الضراعة: (رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا …). وهذا نداءٌ يستنهض الأمة: ما الذي يقعدُها عن نصرة إخوانها، وعن دفع العدوان عنهم؟!

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئٍ يَخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه حُرمتُه ويُنتقصُ فيه من عرضِه، إلا خَذَلَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرته، وما من امرئٍ يَنصرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتقصُ فيه من عرضِه ويُنتَهكُ فيه من حُرمته، إلا نَصَرَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ نُصرته» رواه أبو داود.

والواقعُ الذي تتكالب فيه الأمم على المسلمين ينبغي أن يكون دافعًا لاستئناف الحياة الإسلامية على أساس العقيدة والشريعة، لا سببًا للتثبّط والاستكانة للظالمين.

ثم يقرّر الله الفرق بين الفريقين: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ )؛ فطريق المؤمنين عبادةٌ وطاعةٌ ومنهجٌ، وطريقُ أهل الطاغوت أهواءٌ وأنظمةٌ وقوانينُ تُصادِم شرع الله. والطاغوتُ كلُّ ما قام على غير الإسلام وما لم يأمر به الله. ثم يقول سبحانه: (فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا)؛ فلا يُخيفنّكم الباطلُ وإن علا صوته، فإنّ كيده ضعيفٌ أمام صدق الإيمان وحسن الثبات.

وقال الله تبارك وتعالى:(إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ…)[التوبة: 111].

فالله -وهو الخالقُ المالك- يتفضّل على عباده المؤمنين بصفقةٍ عظيمة: يبذلون النفسَ والمالَ في طاعته، ويجزيهم الجنةَ وعدًا حقًّا في الكتب والقرآن. والمؤمنون يوفون بعهد الله:(يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ)، لا يثنيهم عن الوفاء شيءٌ إذا تبيّن الحقّ واستبانت الطريق، ثم يختم الله ذلك بالبشارة: (فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ).

واللهُ من وراء القصد.

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

(وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُون ).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *