أخلاقُ الرسول صلى الله عليه وسلم
يومين مضت
المقالات
135 زيارة
الأستاذ بهاء الدين الحسيني
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا نَسِيَ الشَّيءَ وضع جبهتَه في راحته، ثم يقول: «اللَّهُمَّ ذَكِّرْني ما نَسيتَ، يا مُذَكِّرَ الشَّيءِ وفَاعِلَه، ذَكِّرْني ما نَسيتُ». فيذكِّرُنا ذلك أن نلجأ إلى الله في عجزنا وضعفنا، وألّا نعتمد على حولِنا وقوَّتِنا.
ومن سُنَّته صلى الله عليه وسلم ردُّ القَرْضِ إلى صاحبِه، والوفاءُ بالعُهُودِ والوُعود، ورَدُّ العاريَّةِ إلى أهلها، وإكرامُ الضَّيفِ وقِراه، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرِمْ ضيفَه». فكان إذا جاءه ضيفٌ باشَّ في وجهه، وواساه بما يجد، وربما آثره على نفسه وأهله.
ومن سُنَّته صلى الله عليه وسلم الإكثارُ من قولِ: «لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله»، فهي كنزٌ من كنوزِ الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم يُعلِّم أصحابَه الأذكارَ في الصباحِ والمساء، فيقولون: «حَسْبيَ اللهُ لا إلهَ إلا هو عليه توكَّلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم»، و«سُبحانَ اللهِ وبحمدِه، سُبحانَ اللهِ العظيم».
وكان من أدبِه صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا جلس إليه أحدٌ وهو في الصلاةِ وخشي أن يشقَّ عليه الانتظار، خفَّف صلاتَه، ثم أقبل عليه وقال: «ألكَ حاجةٌ؟»؛ رحمةً به، وحرصًا على قضاء حوائج المسلمين. وكذلك كان إذا سمع بكاءَ الصبي في الصلاة خفَّفها رحمةً بأمِّه كما ورد في الحديث.
ومن السُّنَّةِ الاعتناءُ بالطهارة والزينة، وتقليمُ الأظفار، وقصُّ الشارب، وإزالةُ شَعرِ الإبِطِ والعانَةِ، واستعمالُ السِّواك، قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم بالسِّواكِ عند كلِّ صلاة». ومن سُنَّته صلى الله عليه وسلم دَفنُ الشَّعرِ والظُّفرِ والدَّم؛ تكريمًا لابنِ آدم، وصيانةً لما ينفصلُ عن جسده.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتحلُ بالإثْمِدِ – وهو نوعٌ من الكُحْل – قبل أن ينام، ويحثُّ على ما فيه من نفعٍ للبصر، ويهتمُّ بنظافة شعره وثيابه، فيمشِّطُ شَعرَه، ويَسْرِّح لحيته، ويُحبُّ الثِّيابَ البيضاء، ويقول: «البَسوا من ثيابِكم البياضَ، فإنها من خيرِ ثيابِكم، وكفِّنوا فيها موتاكم».
وكان صلى الله عليه وسلم لا يُعرَض له طِيبٌ إلا تطيَّب به، ومنه المسكُ والعُودُ وأصنافُ الطِّيب، يحبُّ الرائحةَ الطيبة ويكره الرائحةَ الخبيثة، ويقول: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة». وإذا كان يومُ الجمعة ولم يكن عنده طِيبٌ خاصٌّ، دعا بعضَ نسائه فأخذ من طِيبِهنَّ، أو صبَّ شيئًا في الماءِ فمسح به وجهَه وشَعرَه الشريف؛ إظهارًا لأهميةِ التجمُّلِ لهذا اليوم، ومن السُّنة التطيُّبُ يومَ الجمعة، وكانت أحبَّ الهدايا إليه الطِّيب.
وكان صلى الله عليه وسلم يقلِّم أظفارَه ويقصُّ شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة، ويغتسل لها، ويلبس أحسنَ ثيابه، ويخرج بسكينةٍ ووقارٍ إلى المسجد، تعظيمًا لشعائر الله.
وقال صلى الله عليه وسلم: «المساجدُ مجالِسُ الأنبياءِ»، يعلِّمنا بذلك أن المساجدَ أماكنُ ذكرٍ وعلمٍ وعبادة، لا لَغْوَ فيها ولا رفثَ ولا بيعَ ولا شِراء. ومن السُّنة إذا دخل المسلمُ المسجدَ أن يستقبل القبلةَ، ويصلِّي ركعتين تحيةَ المسجد، ويجلس بالسكينة، ويُنصِت للذِّكرِ والخطبةِ والعلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا حدَّث الحديثَ أو سُئِل عن الأمر كرَّره ثلاثًا؛ ليفهم السامع، وليَفْهَم عنه من يَنقُلُ الكلام، فربَّى بذلك أصحابَه على التثبُّتِ في النَّقْل، وعلى الوضوح في البيان، حتى قال جابرٌ رضي الله عنه: «كان إذا تكلَّمَ بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه».
ومن هديه صلى الله عليه وسلم زيارةُ المرضى وتفقُّدُ الضعفاء، فكان يزورُ غلامًا يهوديًّا مريضًا ويدعوه إلى الإسلام، ويعودُ أصحابه إذا مرضوا، ويمسحُ على رؤوسِ الأطفال، ويحمل الحسنَ والحسينَ وهو يصلِّي، فيطيل السجود إذا ركبا ظهرَه، ولا يَزَعُهُما عن لعبِهما؛ رحمةً بهما، وتعليمًا للأمَّة أن الرحمةَ خُلُقُ الأقوياء لا الضعفاء.
هكذا كانت أخلاقُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بيتِه وشارعِه ومسجدِه، في خاصَّته وعامَّته؛ سُنَنٌ وهداياتٌ تُحيي القلوبَ، وتُهذِّبُ النُّفوسَ، وتُقيمُ الإنسانَ على صراطٍ مستقيم، حتى يكونَ في دُنياه على خُلُقٍ عظيمٍ يرجو به رضا ربِّ العالمين، ويَسيرُ على آثارِ نبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم.
1447-07-16