حزب التحرير… دعوةٌ إلى الوحدة أم إلى الفرقة؟!
يومين مضت
المقالات
145 زيارة
الأستاذ يوسف أرسلان
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير- في ولاية أفغانستان
قبل مدّة يسيرة، توفّي الأستاذ أحمد بكر رحمه الله، أحد أعضاء مكتب أمير حزب التحرير. وبعد مطالعة بعض المذكرات حول مسيرته الدعوية، ازددتُ تأثّراً، ولا سيّما بثباته في طريق الدعوة وذكرياته الأليمة عن الحبس والتعذيب في سجن صيدنايا. وفي إحدى المذكّرات القصيرة، كان الكاتب يذكر الدروس التي تعلّمها من الأستاذ؛ منها أنّ الشيخ تقيّ الدين النبهاني رحمه الله أوصاه عند وقوع المشكلات والفتن، سواء تعلّقت بالأمّة أم بالدعاة، بمطالعة كتاب «العواصم من القواصم»، لأنه يمنح الثبات والبصيرة وقوة الإيمان.
بناءً على ذلك ألقيتُ نظرة على الكتاب. فقد ألّفه القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في القرن السادس الهجري، ويدور موضوعه الرئيس حول ثبات الصحابة ومواقفهم المصيرية في مواجهة الفتن وأحداث زمانهم. ومن خلال مطالعته تتضح أكثر مخاوف الشيخ النبهاني، مؤسس حزب التحرير، بشأن وحدة الأمّة وخطر التفرّق؛ إذ كان يرى أنّه لا بد، في كلّ الظروف، من إظهار الموقف الإسلامي الصحيح، وأنّ الثبات مبدأ لا يتغيّر.
يبدأ الكتاب بنماذج بارزة؛ منها مواقف أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنقذ الأمّة بحكمته والتزامه الشرعي من التفرّق. وكذلك في واقعة سقيفة بني ساعدة، حين اقترح بعض الأنصار أن يكون «أمير من الأنصار وأمير من المهاجرين»، فحال دون وقوع التفرّق ببيان نافذ وحجة قويّة، وقال: «نحن الأمراء وأنتم الوزراء».
ومن النماذج الأخرى التي يمكن ذكرها: قرار أبي بكر رضي الله عنه بالقتال ضدّ مانعي الزكاة، وتحديد عمر رضي الله عنه مدة اختيار الخليفة بثلاثة أيام، وتضحية عثمان رضي الله عنه حتى استُشهد، وصبر عليّ رضي الله عنه على الخوارج إلى أن سلّوا السيوف؛ وكلّ ذلك يدلّ على أنّ وحدة الأمّة من الثوابت الشرعية في الإسلام، وأصلٌ يجري في عقيدة الحكم الإسلامي كما يجري الدم في الجسد. وهذا الأصل نفسه كان من هموم حزب التحرير واهتماماته الأساسية، كما كان همَّ الصحابة والخلفاء الراشدين.
من الدعوة إلى العلمانية إلى الدولة القومية
كلّ مجتمع هو ميراث تاريخه، والمسلمون ليسوا استثناءً من ذلك. فاليوم، نتيجةً لبعض الأحداث والقرارات التاريخية، بات «التحزّب والاختلاف» يُعدّان عين «التفرّق». وترسّخ في الوعي أنّه لا وجود لوحدة حقيقية، في حين أنّ الأمّة الإسلامية اليوم أكثر تشتّتاً وتفرّقاً من أيّ عصر مضى. وفي هذا السياق يطرح البعض سؤالاً حول حزب التحرير: هل هو دعوة إلى التفرّق أم إلى الوحدة؟ وتنبع هذه المخاوف من أنّ حزب التحرير يتحرك حركة منسّقة، ويولي الأمر بالمعروف السياسي اهتماماً خاصاً، ويطرح فهماً للإسلام قد لا يَسهل على المولَعين بأفكار أو مذاهب معيّنة تَقبُّلُه. وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من توضيح مفهوم «التفرّق»، ثمّ دراسة عوامله ومظاهره ليتبيّن موقع حزب التحرير منه.
كلمة «التفرّق» من أصل «فَرَقَ» بمعنى الانفصال والابتعاد. وقد استُخدمت في القرآن للدلالة على الانفصال الحسّي والمعنوي معاً، كقوله تعالى: (وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ)(البقرة: 50)، وقوله: (ٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ) (المائدة: 25). وفي الشريعة، يُطلق التفرّق غالباً على الاختلاف في أصول الدين والعقيدة، وهو محرّم ويبلغ حدّ الكفر، بينما الاختلافات الاجتهادية في الفروع لا تُعَدّ من التفرّق. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» (ابن ماجه). وقد قام الدكتور حاكم المطيري أستاذ التفسير والحديث في كلية الشريعة في جامعة الكويت بدراسة هذا الحديث، وجاء في دراسته تلك: «فهذه دراسة حديثة نقدية إسنادية لحديث الافتراق « تفترق أمتي على ثلاث سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» فإنه مع شهرته وكثرة طرقه، إلا أن الشيخين البخاري ومسلماً تنكبا عنه ولم يخرِّجاه، وحكم بعدم صحته ابن حزم فقال: «لا يصح أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد». وغمز في قوة صحته شيخ الإسلام ابن تيمية ـ مع أنه يصححه ـ فقال: «فمن كفَّر الثنتين والسبعين فرقة كلهم فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مع أن حديث «الثنتين والسبعين فرقة» ليس في الصحيحين، وقد ضعَّفه ابن حزم وغيره، لكن حسنَّه غيره أو صحَّحه، كما صحَّحه الحاكم وغيره». وقال الشوكاني: «زيادة «كلها في النار» لا تصح مرفوعة ولا موقوفة». وقد أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة. وفي المقابل صحح حديث «الافتراق»: الترمذي وابن حبان والحاكم وتابعهم جماعة من المتأخرين». ومعنى الجماعة في هذا الحديث هو الأمة الإسلامية منضوية تحت خليفة واحد؛ فقد سمّى الصحابة عام اجتماعهم على معاوية بعام الجماعة، بعد افتراق كلمتهم، كذلك فإن كلّ جماعة قائمة على العقيدة الإسلامية تُعَدّ في دائرة الجماعة، ولو اختلفت في الفروع. أمّا الدعوة إلى العقائد غير الإسلامية، كالعلمانية، فهي دعوة إلى التفرّق.
ومن الناحية السياسية أيضاً، تقابل كلمة «الجماعة» لفظ «التفرّق». فقد ورد في الأحاديث أنّ الجماعة، إضافة إلى معناها العقدي، تُطلق على النظام السياسي الإسلامي الواحد، أي الخلافة، وأن طاعة إمامها واجبة على المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (مسلم). وقال أيضاً: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» (مسلم). فمفارقة الجماعة والخروج عليها محرّمان. واليوم، إذ لا تمتلك الأمّة جماعة واحدة، وقد منعت الدولُ القومية والأحزاب القومية وحدة الأمّة، صارت إقامة الجماعة الإسلامية الواحدة واجباً، وكلّ حزب يسير في هذا الطريق فهو صاحب دعوة إلى الوحدة. وعلى النقيض، فالأحزاب القومية والدول القومية التي جزّأت الأمّة إلى حدود وهويّات وطنية هي العامل الأكبر في التفرّق، وهي المانع الأكبر من تحقيق الوحدة الإسلامية.
صراع السلطة والفرقة
عقيدة حزب التحرير هي العقيدة الإسلامية، وهدفه إقامة جماعة المسلمين الواحدة؛ ولذلك فدعوتُه دعوةٌ إلى الوحدة، في حين أنّ الدعوة إلى العلمانية والقومية والدولة الوطنية تعدّ دعوةً إلى التفرّق. ومع ذلك، فإنّ المجتمع اليوم حين يَذكر الوحدة والتفرّق ينصرف غالباً إلى المعنى العرفي للكلمتين؛ أي العصبية القبلية والحزبية أو الاختلاف الفكري والفقهي.
حين كانت الأمّة الإسلامية في ذروة التفكير والفقه والحضارة، كان ذلك الازدهار في الحقيقة ثمرةً لليقظة الفكرية والسياسية التي عاشتها الأمّة؛ كان نتيجة التعقّل والتدبّر في النصوص الشرعية وفهم الواقع فهماً صحيحاً. أمّا حين تحوّلت الاختلافات الفكرية والفقهية إلى تفرّق ونزاع، فقد كانت العوامل السياسية لاعباً رئيساً في ذلك.
هذا الواقع التاريخي أدّى إلى أن يتّخذ أهل السنّة، بوصفهم هويّة جديدة، قرارات متقاربة مع أصحاب السلطة. وتشكل هذا الوضع في خلافة المتوكل العباسي، بعد خلافة المأمون والمعتصم والواثق الذين تبنوا مذهب المعتزلة، إذ اجتمع أهل العلم وأهل السلطة، كلاهما ومنذ خلافة المتوكل، على قرارات تخدم مصالحهما المشتركة في مواجهة الخلافات الفكرية، مع أنّ علماء أهل السنّة كانوا مخلصين في ذلك.
كان أهل العلم ينظرون إلى تضييق مساحة الخلاف من زاوية منع تسرب الجماعات المخالفة، كالمعتزلة والشيعة والخوارج، بينما رأى أهل السلطة في ذلك وسيلة لحفظ النظام والقوة السياسية. وحين اجتمع الجانبان على هذا الرأي، اتُّخذت خطوات تحت عنوان «منع الفتنة والتفرّق»، فأُغلِق باب الاجتهاد، وقُمِعت حركة التعقّل، وحُدّت محاسبة الحكّام، بل وُضعت قيود على فهم القرآن والرجوع إليه.
واليوم أيضاً، كلّما تحدّث أحد عن الاجتهاد أو التعقّل أو التحزّب أو محاسبة الحكّام، ينظر بعض الناس إلى ذلك بمنظار التفرّق. مع أنّ قمع التعقّل والنشاط السياسي ليس له أصل في النصوص الشرعية، بل نشأ من تجارب تاريخية استخلص بعض العلماء منها عِبَراً خاطئة، فوضعوا على أساسها قيوداً، ومال أهل السلطة إلى تلك القيود حفاظاً على سلطانهم. وقد أدّى ذلك كله إلى ركود الأمّة الإسلامية وجمودها، وهو الجمود الذي لم تتخلّص منه إلى اليوم. والعبرة الصحيحة من التاريخ هي ألا نعيد أخطاءه.
اختلاف الرأي في الإسلام أمر مقبول، وهو من طبيعة الإنسان؛ فالبشر يختلفون في كثير من الأمور، والإسلام -وهو دين الفطرة- قد اعترف بهذه الحقيقة. ولذلك فاختلاف الاجتهاد في الفروع الشرعية مقبول، غير أنّ هذا غير كافٍ؛ إذ قد يتحوّل الخلاف الفقهي نفسه إلى سبب للتفرّق. وهنا يبرز السؤال: كيف نحكم بأنّ حزباً ما، مع امتلاكه آراء اجتهادية مختلفة، لا يعمل فعلاً في سبيل التفرّق؟
هنا تبرز قاعدة أساسية: متى ما ذاب فرد أو جماعة في خضمّ السلطة بدل التزام التكليف الشرعي وقوة الدليل، فإنّه يسير في اتجاه التفرّق. فطلب السلطة المحض يُسقط أيّ معنى لقبول الاختلاف. والتاريخ مليء بأمثلة واضحة: من الخوارج إلى المعتزلة والوهابية؛ فقد خسروا الصراع أمام السلطة، وضيّعوا التكليف الشرعي لحساب التنافس على القوّة. وعلى النقيض، فإنّ الوحدويّين يجعلون التكليف الشرعي وقوّة الدليل أصلاً ثابتاً، ويرون السلطة وسيلةً لإقامة الشرع، ولا يرون الشرع وسيلة لبلوغ السلطة.
ولا شك أنّ أصل الميل إلى السلطة أمر فطري في الإنسان؛ فمن جهة، تحصيل القوّة لإقامة الإسلام وتمكينه واجب، لأنّ الدين لا يقوم ولا يُظهَر إلا بالسلطان. ومن جهة أخرى، فالسلطة ميدان عظيم لابتلاء البشر، كما قال سليمان عليه السلام: (هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُ) (النمل: 40). لكنّ المقصود بصراع السلطة هنا هو طلب القوّة المحض الذي يُضحَّى فيه بالتكليف الشرعي وقوّة الدليل.
أظهر الإسلام أنّ السلطة ليست هدفاً في ذاتها؛ فالإمام عليّ رضي الله عنه لم يقاتل الخوارج حتى سلّوا السيوف، لأنّ همّه كان القيام بالتكليف الشرعي لا مجرد حفظ السلطة. وكذلك عثمان رضي الله عنه سلّم نفسه حتى لا تُصاب الأمّة بفتنة وتفرّق؛ فبدل الدفاع عن سلطته قدّم رضا الله تعالى. وقد جاء في «العواصم من القواصم» أنّ عثمان رضي الله عنه منع الصحابة من القتال مع المتمرّدين وقال إنّه لا يرضى أن يُقتل أحد بسببه، فسلّم لأمر الله حتى استُشهد.
ومن هنا يطرح العلماء اليوم سؤالاً: إذا وُضع حاكم المسلمين في موقف شبيه بموقف عثمان رضي الله عنه، فهل عليه أن يضحّي بنفسه لمنع الفتنة؟
وعليه، يمكن القول إنّ طلب السلطة المحض هو سمة أهل التفرّق، بينما التمسك بالتكليف الشرعي وقوّة الدليل هو سمة أهل الوحدة.
أشير هنا إلى بعض مظاهر طلب السلطة المحض:
1 ـ التكفير في المتشابهات
مع أنّ التكفير في أصله حكم شرعي، إلا أنه استُخدم عبر التاريخ أداة أيضاً؛ إذ لجأت جماعات ودول إلى التكفير والتفسيق والتبديع لتبرير البغي أو لقمع المخالفين. ولهذا امتدّ التكفير في الغالب إلى الميدان السياسي.
في هذا السياق يُعدّ حزب التحرير من أكثر التيارات احتياطاً في مسألة التكفير وإطلاق الأوصاف؛ إذ يرى، استناداً إلى القرآن والسنة وسيرة الصحابة، أنّ الأصل في الدين هو المحكمات، وأنّ المتشابهات مجال للاختلاف والاجتهاد. وتاريخ الإسلام مليء بنماذج جرى فيها التكفير استناداً إلى المتشابهات؛ من تكفير الخوارج إلى تكفير المتكلّمين بل حتى أتباع المذاهب الفقهية. ومع قليل من التأمّل يتبيّن أنّ جذور كثير من هذه التكفيرات كانت في طلب السلطة.
في المقابل، يركّز حزب التحرير على المحكمات؛ فالوحدة لا تعني اتفاق الناس جميعاً على رأي واحد، بل تعني تمسّكهم بالمحكمات واجتماعهم تحت إمام واحد وسعيهم لإظهار الدين، وإن اختلفوا في الفروع. ولذلك كان التكفير في خطاب حزب التحرير موجّهاً غالباً إلى أنظمة الكفر وبُناها الحاكمة، لا إلى الأفراد والجماعات المسلمة.
أمّا الذين يجعلون السلطة هدفاً في ذاتها، فهم غالباً يلجؤون إلى التكفير لتبرير أعمالهم؛ فيجعلون أنفسهم وحدهم على الحق، ويكيلون التهم لغيرهم، ويعجزون عن قبول الآخرين من المسلمين. هذا النمط يرفضه حزب التحرير رفضاً قاطعاً ويعدّه من أكبر عوامل التفرّق.
2 ـ عدم الثبات
مدرسة الواقعية السياسية، التي تُسمّى أيضاً «مدرسة القوّة»، تقوم على أنّ كل شيء في السياسة يدور حول السلطة، وأنّ سائر القيم والعناصر، بما فيها الثقافة والقيم الأخلاقية، تُضحّى في سبيل القوّة والمصلحة. وترى هذه المدرسة أنّ هذا المنهج ليس واقعياً فحسب، بل صحيح أيضاً.
أمّا الذين يشبه منهجهم هذه المدرسة، فأبرز سماتهم عدم الثبات؛ إذ يبدّلون مواقفهم وفق الظروف والمصالح: تارة يرفعون شعار الخلافة، وتارة يصبحون ديمقراطيين، ويجعلون الجهاد يوماً هو الحلّ، ثمّ يتخلّون عنه في يوم آخر ليظهروا بمظهر «المتنورين».
في حين أنّ الفكرة والطريقة الإسلامية ثابتان، ودليلُهما قطعي لا يتغيّر. فما الذي يجعل الشيء الواحد عند هؤلاء تارة حلالاً وتارة حراماً؟ الجواب واضح: المصلحة والسلطة، التي تجعل الوسيلة عندهم مبرَّرة بالغاية.
في المقابل، جعل حزب التحرير منذ أكثر من سبعين عاماً هدفه إقامة الخلافة الراشدة، واتخذ طريق العمل الفكري والسياسي على منهاج النبوّة، ولم يبدّله في مقابل أي مصلحة أو سلطة لا تقوم على الإسلام. وهو يؤمن أنّ النصر الإلهي يكون لمن يعمل وفق الشرع وحده، ويثبت رغم شهوة السلطة والمصلحة. فلو كان حزب التحرير يبتغي السلطة لنفسه، لكان تغيير الاتجاه والطريقة أمراً يسيراً عليه.
جلس فايض طه مرّة مع الشيخ تقيّ الدين النبهاني وسأله: ما الفرق بيننا وبين سائر الحركات التي تعمل لإحياء الحياة الإسلامية؟ فردّ الشيخ السؤال إليه ليعرف رأيه. فقال فايض طه: نحن نفهم الإسلام أفضل، ولنا تثقيف أقوى، ونحن أكثر وعياً سياسياً، وآراؤنا أقوى، ولنا إخلاص أكبر.
ردّ الشيخ النبهاني على ذلك وبيّن أنّ هذه ليست الميزة الفاصلة للحزب؛ فهناك جماعات أخرى لديها فهم ووعي سياسي، وكثير من المسلمين أهل إخلاص وإيمان. أمّا الميزة التي يتفرّد بها حزب التحرير فهي الإرادة والاعتقاد والثقة بالنفس في بلوغ الهدف؛ أي إيمانه بفكرته، وعمله الجاد في سبيلها، وتسخير وعيه وفهمه ونشاطه كلّه لتحقيق هذا الهدف. هذا أمر فكري ينبثق من شعور حقيقي وفكر عميق، ويؤدي إلى عقيدة راسخة، لا مجرد معرفة أكاديمية.
3 ـ السلطة للذات
من مظاهر طلب السلطة أن يرى الفرد أو الجماعة أنّ القوّة حقّ حصري له، وأنّ شرعية أي سلطة مشروطة بوجوده أو وجود حزبه في رأسها. ورغم أنّ حزب التحرير يَعُدّ نفسه مهيّأً لقيادة الخلافة، لما بذله عبر عشرات السنين من عمل وإعداد، فإنّه يرى أنّ من أقام الخلافة على منهاج النبوّة ولو لم يكن من الحزب، فطاعتُه واجبة، حتى لو لم يكن الحزب في السلطة. وهذا أصل مهم في مفهوم «طلب النصرة» عند حزب التحرير.
الحزب لا يريد السلطة لنفسه، بل للإسلام؛ فكلّ سلطة لا تُقام للإسلام أو لا تستطيع تطبيقه لا قيمة لها عند الحزب. وهذه الذهنية ثابتة منذ تأسيس الحزب إلى اليوم في ثقافته وقيادته. ومن الشواهد الواضحة: الشيخ تقيّ الدين النبهاني رحمه الله، الذي لم يطلب سلطة شخصية رغم ما كان لديه من قدرات وإمكانات، بل كان يسعى دائماً لأن يكون الإسلام أساس الحكم. وقد رفض عروضاً للسلطة المحضة، منها عرض الشيشكلي في سوريا، ودعم بعض قوى الجيش في الأردن قبل عام 1964م، وكان سبب الرفض، كما عبّر بنفسه، أنّ مجتمع الأردن لم يكن قد تقبّل الحزب ولا أفكاره بعد.
كان الشيخ النبهاني قادراً على نيل المناصب والمكانة، وأن ينتفع بالدنيا ومالها، لكنه قضى حياتَه في ضيق وشدة، ورحل فقيراً. وكانت الاعتبارات الأمنية شديدة إلى درجة أنّه، بعد حياة كاملة من العمل السياسي تحت القيود الأمنية، لم يصلِّ على جنازته في بيروت سوى نحو عشرين شخصاً، وبعضهم لم يكن يعرف حتى على مَن يصلّي. وقد قال محمد داود عوّاد، من أعضاء حركة فتح الذي عرفه في شبابه وحضر التشييع: «كان النبهاني من الرجال المخلصين للأمّة؛ مات في فقر مدقع، شيخاً ضعيفاً مريضاً، يعيش بثياب بالية، في شقة صغيرة في طابق خامس من بناء بسيط» (الجزيرة – عربي).
4 ـ الأمر بالمعروف السياسي والفرقة
يرى حزب التحرير أنّ من علامات المجتمع الحيّ أن يبقى مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاضراً، ولا سيّما حين يُمارس تجاه الحكّام. فهذا نصف السياسة؛ إذ على المسلمين أن يراقبوا حكّامهم، وأن ينصحوهم، وأن يدعوهم إلى المعروف عند الزلل. غير أنّ هذا المفهوم جرى، عبر التاريخ، تقييدُه بل منعه أحياناً بذريعة «حفظ النظام» أو «منع الفتنة».
أظهر حزب التحرير ثباتاً وشجاعة في إحياء هذه الفريضة السياسية، مع أنّ ذلك كثيراً ما جرّ عليه القمع والضغوط. وسبب ذلك أنّ الحزب لا يطلب السلطة لنفسه، ولا يقترب من أهل السلطة طمعاً في مكاسب دنيوية، بل يرى على العكس أنّ المتملّقين والموالين للبلاط من أبرز عوامل التفرّق.
ومن منظور الحزب، ليس للتفرّق أسباب مادية فحسب؛ فالحاكم الذي يخشى نصيحة الأحزاب الإسلامية وانتقادها، ويمنع ذلك باسم «المصلحة» أو «منع الفتنة»، إنما يدفع المجتمع نحو الفتنة الحقيقية والعذاب الإلهي. وأعظم الفتن هي التفرّق بين المسلمين. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: «والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثمّ تدعونه فلا يُستجاب لكم» (الترمذي).
لذلك يجب أن يكون الأمر بالمعروف عملاً سياسياً وجماعياً؛ فالقرآن جعله وظيفة «طائفة» من المسلمين، لا مجرّد عمل فردي. ومن هنا كان التحزّب حكماً شرعياً لتحقيق الوحدة واليقظة ومحاسبة الحكّام. ولا يخشى الأمرَ بالمعروف السياسي إلا من يخشى على مصالحه وسلطانه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا يمنعنّ أحدَكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنّه لا يقرّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يُقال بحق أو يُذكّر بعظيم» (أحمد).
ومن أمثلة ذلك قصة إبراهيم الصائغ؛ فقد ذكر الجصّاص في «أحكام القرآن» أنّ رجلاً زاهداً شديد الاجتهاد في طاعة الله كان جريئاً في الأمر بالمعروف. ذهب بشجاعة إلى أبي مسلم الخراساني وواجهه بكلام شديد، ومع أنه لم يكن يملك قوّة عسكرية واكتفى بالجهاد باللسان، اعتقله أبو مسلم مراراً وأطلقه، حتى قتله في النهاية بسبب اعتراضاته الصريحة. وقد حزن الإمام أبو حنيفة رحمه الله حزناً شديداً على ذلك، وبكى، وبيّن أنّه حذّر إبراهيم مراراً؛ فالأمر بالمعروف فريضة عظيمة، لكن القيام به فرادى ومن دون سند جماعي يعرّض النفس للهلاك ولا يعود بالنفع على الأمّة. بل ينبغي أداؤه مع رجال صالحين وتحت قيادة أمينة، لا وحده. يشير الإمام بذلك إلى أنّ هذه الفريضة، على خلاف كثير من العبادات الفردية، تحتاج إلى جماعة وتنظيم حتى تؤثر، وتقلّ احتمالات الضرر على من ينطق بالحق.
5 ـ التعصّب الحزبي والفرقة
يَعُدّ حزب التحرير نفسه واحداً من الجماعات الإسلامية، لا الجماعة الإسلامية الوحيدة. وعلاقة الحزب بغيره من التيارات الإسلامية هي كعلاقة مسلم بأخيه المسلم في إطار الولاية الشرعية؛ يدعو كلٌّ منهما الآخر إلى الخير وينهاه عن المنكر. ومن أمثلة هذا المنهج سعي الحزب لجمع صفوف المجاهدين في الشام إبّان الربيع العربي، حين حذّر من مؤامرات أمريكا. وكذلك في قضية غزّة، حين أطلق حملة واسعة في تركيا والعالم الإسلامي والتقى العلماء والأحزاب الإسلامية ليكون الصوت واحداً في نصرة فلسطين.
لا يرى حزب التحرير أنّ في فروع الإسلام طريقاً واحداً أو مذهباً واحداً أو اجتهاداً واحداً هو سبيل الفلاح. فالاجتهادات والآراء التي تبنّاها الحزب مبنيّة على ضرورة تنظيمية وواقع اجتهادي، لا على أنّ الجنّة محصورة في فهمه أو أنّ آراءه وحدها هي الحق.
ومن الأمثلة على ذلك ما يرويه الشيخ يوسف القرضاوي عن لقائه بمؤسس حزب التحرير الشيخ تقيّ الدين النبهاني. ففي أحد تسجيلاته تحدّث عن أيام سفره إلى فلسطين ومرضه الذي أُدخل بسببه إلى مستشفى ملحس، فقال إنّ الشيخ النبهاني جاء لعيادته. وكان شيخاً بجبة وعمامة يشبه مشايخ مصر، سأله عن أسفاره، ودار بينهما حديث وديّ عن العلم والسفر، ثم عرّف بنفسه قائلاً: الداعي تقيّ الدين النبهاني. فشكره القرضاوي، وعدّ ذلك فضلاً منه؛ إذ لم يكن القرضاوي يومها إلا طالب علم، بينما كان النبهاني مؤسس حزب وقيادياً جاء لعيادته.
من جميع هذه الشواهد يتبيّن أنّ حزب التحرير ليس سبباً للفرقة، بل يعمل على توحيد الأمّة على أساس العقيدة الإسلامية. فقد بنى الحزب طريقه وأساليبه على أدلّة شرعية راسخة، وثبت عليها. لا الوعود بالسلطة ولا التهديد ولا التعذيب استطاع أن يَحرفه عن مساره. ويرى الحزب نفسه جزءاً من جسد الأمّة، ورسالته إحياء هذا الجسد وإقامة الدولة الإسلامية الواحدة.
لذلك، تقع على عاتق المسلمين مسؤولية الاستجابة لهذه الدعوة، وتبنّي رسالتها في الوحدة، ونصرتها، وترك دعوات التفرّق من قومية وعلمانية وسائر الأفكار غير الإسلامية، والوقوف في وجهها.
1447-07-16