العدد 450-451-452 -

السنة الثامنة والثلاثون، رجب – شعبان – رمضان 1445هـ الموافق شباط – آذار – نيسان 2024م

غيابُ الخلافةِ أصلُ كُلِّ بلاء

سلافة شومان

 بيت المقدس

عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكونُ فيكم النبوَّةُ ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوَّة، فتكونُ ما شاءَ الله أنْ تكونَ، ثم يرفعُها الله إذا شاء أنْ يرفعها، ثمَّ تكونُ مُلكاً عاضَّاً ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكونُ مُلكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أنْ تكون، ثم يرفعها إذا شاء أنْ يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوَّة ثمّ سكت».

في الثّالث من آذار عام ١٩٢٤م، الموافق ٢٧ رجب عام ١٣٤٢هـ، تمَّ إلغاء الخلافة الإسلاميّة (الدّولة العثمانيّة العليّة) وتأسيس الجمهوريّة التّركيّة على يدِ الملعون مصطفى كمال أتاتورك.

وبذلك انتقضت أوّلُ عروةٍ من عرى الإسلام ألا وهي الحكم بالإسلام كما أخبرنا الرّسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي أُمامة الباهليّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَتُنقَضَنّ عُرى الإسلام عُروةً عروةً، فكُلّما انتقضَت عُروة تشبَّثَ النّاسُ بالتّي تليها، فأوّلهنّ نقضًا الحُكمُ وآخرهنّ الصّلاة» أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطّبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه.

ومعنى نقض الحكم هو ترك الحكم بالإسلام وغيابه عن مُعترك الحياة، وقد تمّ ذلك بإلغاء الخلافة؛ لأنّ دولة الخلافة هي شكل نظام الحكم في الإسلام؛ وذلك بمبايعة الأمّة خليفة يعمل على حكمِها ورعاية شؤونها بكتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم.

إنّ إلغاءَ الخلافة أعظمُ بلاء بليت بهِ الأمّة الإسلاميّة وما زالت تعاني من آثاره، والذّي ما انفكَّ عنها، بل إنّ ذلك مصابٌ جلل حلّ بأمّتنا العريقة ما بعده من مصاب. فإلغاء الخلافة يعني غياب الإمام الجنّة الذّي يرعى شؤون المسلمين حقّ الرعاية في الدّاخل والخارج بما أمر اللهُ تعالى… غياب الإمام الذّي يدافع عن الإسلامِ والمسلمين ويصون الدّماء والأعراض والأموال…

وإنه ما إن غابت شمسُ الخلافة حتّى قُسّمَت دولة الإسلام إلى دولٍ  متفرّقة متناحرة تابعة للاستعمار، وحكّامها عبيدٌ له، فقد جعل الاستعمار على كلّ دولة من هذه الدّول حاكمًا ليكون تابعًا وعميلًا له يعمل على تطبيق أجندات الكفر وترسيخ التّفرقة وإثارة العداوة والبغضاء بين أمّة الإسلام بعد أن عمل على إحلال الرّابطة الوطنيّة والقوميّة بدلًا من الرّابطة الصحيحة رابطة العقيدة الإسلاميّة.

ولكي يعمل الاستعمار على إلهاء المسلمين عن القضيّة المصيريّة ألا وهي إعادة الخلافة الإسلاميّة من جديد افتعل لهم مشكلات وقضايا لينشغلوا بها عنها، فكانت أوّل هذه القضايا وأدقّها وأكثرها أثرًا على الأمّة قضيّة فلسطين والتّي جُعلت تحت الانتداب البريطاني، ومن ثمّ تمّ إعطاؤها لليهود ليُقيموا عليها دولتهم المسخ، فكان ذلك أشدّ بلاء وأعظم مصيبة على المسلمين، وما جرّت عليهم من تقتيل وتهجير وتشريد وإذلال وإفسادٍ في الأرض. ولقد صدق السّلطان عبد الحميد الثّاني رحمه الله ورضي عنه عندما قال بعد أن عرض عليه اليهود أن يعطيهم فلسطين مقابل سدادهم ديون الدّولة؛ حيث رفض بشدّة وقال لهم: “انصحوا هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض وروّاها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن… ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا”

وما زالت الأرض المباركة تُعاني حتّى وصل الأمر إلى انتهاك وتدنيس المسجد الأقصى على وجه الخصوص، وبقيّة المساجد في أنحائه، وانتهاك حرمة كتاب الله وما جرى ويجري من تقتيل وتجويع وتدمير للمُدن والقُرى من غزّة إلى جنين إلى نابلس… بلّ لم تسلم أي بقعة من بقاع الأرض المباركة من رجسهم وحقدهم وإجرامهم!، لقد بلغوا من الجرأة على الأمّة بل الوقاحة حدًّا لا يردعهم إلّا الإمام الجنّة، هو وحده فقط من يستطيع اليوم أن لا يترك امرأة ولا طفلًا ولا شيخًا يروَّعون.

نعم، بغياب دولة الخلافة توالت المصائب والويلات على بلاد المسلمين ومجتمعاتهم من تقتيل وتشريد وإفساد وتجهيل، كلّ ذلك بفعل هؤلاء الحكّام، لا أبقى الله لهم ذكرًا، الذّين حالوا دون تأسيس دولة الإسلام وإنهاض البشريّة على مبدأ الإسلام…

بغياب دولة الخلافة تحوّلت حياة البشريّة إلى جاهليّة كالجاهليّة الأولى لا بل إلى أسوأ، تتخبّطُ في ظُلماتِ الرّأسماليّة العفنة وتعاني من الظّلم والاستبداد والتغوُّل وانتشار الفقر والفساد، وسُلبت مقدّرات الأمّة وسيطر عليها الوهن والإذلال.

بغياب دولة الخلافة عمت مشاهد الدّمار والفساد والقتل وانتهاك الحرمات في بلاد المسلمين، من فلسطين إلى سوريا إلى العراق فاليمن والسّودان وفي كلّ بلاد المسلمين…

 هذا كلّه بسبب غياب الإمام الجنّة بعد أن حلّ مكانه حكّام لا يرتقون إلى درجة حاكم، بل هم عبيد صغار للاستعمار يأتمرون بأمره وينفّذوون أجنداتهم في نشر الإباحيّة والشّذوذ والفساد والإفساد… وما غزّة والشّام وما يحدث فيهما عنّا ببعيد؛ فما زالت شلّالات الدّماء في هذه البلاد لا تنضب.

أيها المسلمون، هل تعلمون ماذا يعني وجود خلافة إسلاميّة تسوس المسلمين وترعاهم على أساس الإسلام؟!

إنّ عودة الخلافة الإسلاميّة تعني أن تكون السّيادة أيّ الحكم للإسلام دين الله الحقّ فيعمّ الاطمئنان والعدل شُعوب الأرض وتُحمى البشريّة من مفاسد الرّأسماليّة.

إنّ عودة الخلافة الإسلامية تعني أن يمارس المسلمون إرادتهم، فيكون السّلطان للأمّة، فهي من تبايع الخليفة التّي ترتضيه ممّن تتوفّر فيه شروط الخلافة التي أمر الإسلام بتوفرها في الخليفة (شروط انعقاد وشروط أفضلية) وبذلك يكون الخليفة هو الذي يمثلهم، وهو الذّي يوحدّهم تحت راية الإسلام، وهو الذي يسوسهم بما يُرضي الله تعالى، فيكون عليه واجب الحكم بما أنزل الله، وعليهم واجب الطّاعة، ويتمثّل فيهم قول الرّسول صلى الله عليه وسلم: «كُلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته» فله حقّ الطّاعة ولهم حقّ المحاسبة.

إنّ عودة الخلافة الإسلامية تعني أن يتوحّد المسلمون في دولة واحدة يحكمهم نظام واحد هو نظام الإسلام الذّي لا عدل قبله ولا بعده، تظلّهم رايةٌ واحدةٌ، هي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحربهم واحدة وسلمهم واحدة… فهم أمّة واحدة من دون النّاس يتمثّل فيهم قول الرّسول صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسدِ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى».

إنّ عودة الخلافة الإسلامية تعني أن تتحرّر بلاد المسلمين من عبوديّة الاستعمار الحاقد وعلى رأسها فلسطين المباركة من براثن حثالة يهود؛ حيث ظهروا على حقيقتهم وهزال كيانهم بعد طوفان الأقصى أمام مجاهدين، وأَكرِمْ بهم من أبطال… وإننا نعلن أن الأمة مليئة بأمثال هؤلاء؛ لذلك تعني عودة الخلافة الكثير الكثير للمسلمين.

إنّ عودة الخلافة الإسلامية تعني أن تعود مقدّرات الأمّة، سواء البشريّة منها، بما فيها من عُلماء ومخترعين وباحثين ومُجاهدين، أم مقدّراتها وثرواتها الماديّة لتستثمر أفضل استثمار… ولترتقي الأمّة وتنهض فكريًّا وماديًّا ويسود الأمن والأمان والاستقرار، فلا خوفٌ ولا إذلال ولا جوعٌ ولا قهر.

إنّ عودة الخلافة الإسلامية تعني سيادة الإسلام في العالم وعلوّ وسموّ الحضارة الإسلاميّة على الحضارة الرّأسماليّة بل وإسقاطها وإنقاذ المسلمين بلّ والبشريّة جمعاء من ظُلم ومفاسد الرّأسماليّة.

وأهم من ذلك كلّه فإنّ عودة الخلافة تعني براءة ذمّة المسلمين أمام الله؛ لأنّه بها فقط نتمكّن من طاعةِ الله حقّ الطّاعة، ولأنّنا بها فقط نستطيع تطبيق الإسلام كاملًا على مستوى الفرد والجماعة والدّولة.

وأخيرًا، فإنّ الأمّة الإسلاميّة بما تحمله من العقيدة الإسلاميّة، هي أمّة حيّة وستبقى حيّة، فهي وإن كبَتْ لفترة وظهر عليها الوَهن بسبب ما ألمّ بها من تضليل ومحاولة بلّ محاولات لتشويه دينها لتفقد ثقتها به ومن ثمّ تفقد ثقتها بنفسها … إلّا أنه باتت تظهر عليها مظاهر الحياة من جديد، وأضحى لسانُ حالها لحكّامها ولكلّ من تاجر بها أننا سنكف أيديكم عنّا وعن ديننا وعن أبنائنا ومقدّراتنا. ولعمرُ الحق، ما بقي إلّا القليل حتّى تخرج وتهتف: الأمّة تُريد الخلافة من جديد.

نحن بإذن الله تعالى في نهاية الحكم الجبري الذّي أخبرنا عنه رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم والذّي سيَعقبه خلافة راشدة على منهاج النّبوّة… نعم نحن على باب التّغيير الجذري الصّحيح… اللهمّ اجعل هذا قريبًا يا أرحم الرّاحمين، اللهمّ اجعلنا من شُهود دولة الخلافة وأئمتها وجنودها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *