العدد 445 -

السنة الثامنة و الثلاثون، صفر 1445 هـ الموافق أيلول 2023م

هل بات العلماء بيضة القبان؟

عبد الرحمن العامري – اليمن

ميَّز الله سبحانه وتعالى بني آدم على غيرهم من المخلوقات بالعقل الذي له القدرة على جمع المعلومات من الواقع ومن غيره وتحليلها وتفسيرها واتخاذ  المواقف والإجراءات المناسبة لها حيالها، ومن ثم التحكم بهذا الواقع حسب فكره ومفهومه عن الحياة بخاصية فريدة من نوعها لا يتميز بها سوى البشر من دون الكائنات التي خلقها الله عز وجل في هذه البسيطة. ورغم أن عقول البشر تتميز بالذكاء، إلا أنه ما يميِّز عقل عن آخر هو سرعة الربط وسرعة البديهة وسرعة اتخاذ القرار الصائب تجاه أي موقف يمر به هذا الكائن الإنساني العجيب، وهذا ما يتميَّز به العلماء ذوي البصيرة والروية والحكمة من قدرة تطبيق وإنزال تلك المعلومات والأفكار على الواقع لتحل بها مشاكل الانسان بوصفه إنسانًا؛ لذلك كان هؤلاء العلماء صفوة المجتمع وقدوته وخياره إن كانوا علماء خير لا علماء سوء، فقد قال فيهم سفيان بن عيينة: «أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء « كيف لا، وهم من يفسِّرون ويبيِّنون ما يريده الله من عباده البشر، فبهم تحل الرحمة والأمان والسكينة برضى الله عز وجل على البشر بطاعتهم له بالمنهج الذي يضعه هؤلاء العلماء لتسير عليه الأمة؛ لذلك كانت المصائب التي حلَّت بالأمة ما هي إلا من جراء جهل الأمة ومن ثم سلوكها السلوك الشاذ عن طريق الحق بسبب غياب دور العلماء عن توعية الأمة وتثقيفها بما يرضي الله وينير طريق البشر.

 هذا وقد مدح الإسلام هؤلاء الكوكبة من العلماء في القرآن الكريم واصفًا إياهم بالنور وواصفًا من تخاذل منهم بالظلام فكان مصيره النار وبئس المصير، قال تعالى (إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ) [فاطر: 28] ـ وقال جلَّ من قائل: (وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧) [آل عمران: 187]،  وقال جلَّ وعلا: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ١٥٩) [البقرة: 159] وقال جلَّ جلاله: (يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ) [المجادلة: 11]. وقال سبحانه: (قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ) [الزمر: 9] كما جاء في الحديث: «إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا؛ ولكن ورَّثوا علمًا، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر»؛ لذلك كان فضل العالم على العابد أكبر؛ لأن العابد نفعه لنفسه أما العالم فنفعه لنفسه ولغيره، به ينير الطريق للآخرين ويوجد الحسنة ويمحو السيئة ويرفع البدعة والضلالة، فقد قال ابن مسعود، رضي الله عنه: «اُغْدُ عالـِمًا أو متعلمًا، ولا تكن الثالث فتهلك». ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: « الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجوا إلى ركن وثيق». وقال مالك بن دينار: «إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزلُّ القطر عن الصفا» وأنشد:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهمًا

                     إذ عبتَ منهم أمورًا أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدًا

                    فالموبقات لعمري أنت جانيها

تعيب دنيا وناسًا راغبين لها

                    وأنت أكثر منهم رغبة فيها

وقال حاتم الأصم رحمه الله: «ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علَّم الناس علمًا فعملوا به ولم يعمل هو به؛ ففازوا بسببه وهلك هو». وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: «واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء، فإن شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين؛ إذ الشيطان بواسطتهم يتدرج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق». وقال الحسن رحمه الله :«عقوبة العلماء موت القلب. وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة». وقال يحيى بن معاذ:«إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا».  وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: «إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص». هذا وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لأبي حازم: عظني. فقال له: كلمة مؤثرة قال: «اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن، فلعل تلك الساعة قريبة». وعن ابن القيم رحمه الله في الفوائد قال: «علماء السوء جلساء على أبواب الجنة يدعون الناس بأقوالهم، لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقًّا كانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدِلَّاء وفي الحقيقة قطَّاع طرق».

دور العلماء في سمو الأمة :

لقد أناط الشرع الحنيف للعلماء دور عظيم في رفعة وسمو الأمة من مهام أوكلت لديهم من رب العالمين كما بينت ذلك الآيات والأحاديث السابقة وغيرها وهي:

1- فهمم للدين في حفظ وتفسير القرآن وعلومه، وكذلك حفظ الحديث وتفسيره وعلومه وتصنيفه، وفهم العقيدة، والسيرة، والفقه وأصوله، واللغة العربية التي تعد أداة فهم القرآن والسنة لأن الإسلام جاء بلغتها، وغيرها من العلوم التي بها تحيا الأمة ودونها تموت وتعيش في بؤس وشقاء كما هو حالنا اليوم. فهي أمانة لم تحملها الجبال بل حملها الإنسان، فهو حمل ثقيل يحتاج إلى أمانة وإخلاص وحكمة وشجاعة وبصيرة وإرادة وصبر لا يقدر عليها جاهل بل رجال الرجال، وهم العلماء العاملين المتقين الأصفياء الأنقياء.

2- نشر هذا الخير للأمة حاكمًا ومحكومًا. لا يخافون في الله لومة لائم، ويقولون الحق في كل مكان وفي كل زمان، فهم ورثة الأنبياء ولا يورث الأنبياء إلا من كان تقيًّا جريئًا مخلصًا عالـمًا زاهدًا وهم العلماء؛ فكان لا بد من الاستكثار منهم والاستزادة حتى لا ينقرضوا فيزول الشرع وتزول الرحمة؛ لذا كان الواجب على المسلمين اليوم  صناعة جيش من العلماء ليواصلوا هذه المسيرة الحافلة بأفكار الإسلام ومفاهيمه وتوصيله للأمة وخاصة صغار السن من الشباب الذين بهم يحافظ على الدين ويُنشَر ويعمُّ الأرض، وقد شهد على ذلك على مر العصور احتضان الدين من خلال ثلة وكوكبة من العلماء الصغار الذين أفادوا العالم بعلمهم بالإسلام الحنيف.

3- ربط هذا الدين العظيم بجميع فروعه وأنظمته بالواقع لكي يصبح له الأثر والخير الكبير في الواقع بربط الدين بالواقع، أي دين سياسي عملي لا علماني كما هو واقع اليوم. فينزل هؤلاء العلماء هذه المعالجات منزل البلسم الشافي على الداء العضال الذي لم تسعفه قوانين البشر الوضعية.

4- توجيه الحكام وإرشادهم للخير والحق، وكشف الواقع السياسي المعاش لهم، وبيان واقعهم وتبعيتهم للخارج، والنصح لهم بفكِّ ارتباطهم بالغرب والصدع بالحق وقوله بشكل سافر، من غير أن يخاف في الله لومة لائم؛ لكي لا تنغش الأمة بأقنعة أهل السوء من الحكام والأحزاب والعلماء والمفكرين والسياسيين والقيادات الخائنة، وكذلك الحرص على البعد كل البعد عن أن يكونوا علماء سلطان أو الارتماء في أحضان الأمراء، قال رسول الله: «اثنان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة، العلماء والأمراء». فالعالم أهم من الأمير، فبعلاج العالم يصلح الأمير ويقوِّمه لطريق الحق بكلمة الحق، وبفساده وغيِّه يفسد الأمير ويوجِّهه للخراب والدمار، وبفساد العالم وصلاح الأمير قد يوجه الأمير للشر أو للخراب بليِّ أعناق النصوص أو التلبيس على الناس بالباطل، قال تعالى: (فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٩٧)[البقرة:79]؛ لذا كان العالم هو الأساس وحجر الزاوية وبيضة القبان الذي تصلح به الأمة والعالم.

5- إرشاد الأمة مخافة أن تقع في بلاء وشر الفتن أو تسقط في درك الشهوات حتى لا تهلكها؛ لذلك تحتاج الأمة إليهم ليوعوها ويرشدوها إلى خير الطريق وإبعادها عن جهنم أجارنا الله منها.

6- الاجتهاد في المسائل المستجدة؛ حيث تظهر مسائل جديدة تحتاج إلى نظر ثاقب وحكم شرعي بها.

هذا وقد ذكرت في حياة المسلمين نماذج من هذه النفحات الإيمانية العطرة لهؤلاء الكوكبة من العلماء في الأقوال والأفعال، كما ننقله من كتب التاريخ المشرق للمسلمين:

بين الحسن البصري والحجاج الثقفي:

لما ولي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبّر، كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، من ذلك أن الحجاج بنى لنفسه بناء في واسط، فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه والدعاء له بالبركة. فلم يشأ الحسن أن يفوّت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه، فخرج اليهم ليعظهم ويذكّرهم ويزهدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عند الله عز وجل، ولما بلغ المكان ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مأخوذة بروعة بنائه مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه، وقف فيهم خطيبًا، وكان من جملة ما قاله: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيَّد أعظم مما شيّد وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنى وشيّد. ليت الحجَّاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه…

ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجَّاج فقال له: حسبُك يا أبا سعيد.. حسبُك، فقال له الحسن: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبينُّنه للناس ولا يكتمونه. وفي اليوم التالي دخل الحجَّاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيظ وقال لجلَّاسه: تبًّا لكم وسحقًا، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما يشاء أن يقول ثم لا يجد فيكم من يردّه ألا ينكر عليه. والله لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء. ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفًا بين يديه، ثم وجَّه إلى الحسن البصري بعض شرطة وأمرهم أن يأتوا به. وما هو إلا قليل حتى حضر الحسن، فشخصت إليه الأبصار ووجفت عليه القلوب، فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد حرّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله.

فلما رآه الحجَّاج على حاله هذا هابه أشد الهيبة وقال له: هاهنا يا أبا سعيد.. هاهنا.. ثم ما زال يوسع له ويقول: هاهنا.. والناس ينظرون اليه بدهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه. ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجَّاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه كل مسألة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع. فقال له الحجَّاج: أنت سيّد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية وطيّب له بها لحيته وودّعه. ولما خرج الحسن من عنده تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجَّاج بغير ما فعل بك، وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع فحرّكت شفتيك، فماذا قلت؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا وليَّ نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردًا وسلامًا عليّ كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم. (صور من حياة التابعين 2\17).

بين أبي يوسف القاضي وهارون الرشيد:

عندما طلب هارون الرشيد من أبي يوسف القاضي وضع كتاب الخراج لم يفُتِ القاضي أن يقدم النصيحة للخليفة في مقدمة الكتاب فقال: يا أمير المؤمنين: إن الله، وله الحمد، قد قلّدك أمرًا عظيمًا، ثوابه أعظم الثواب، وعقابه أشد العقاب، قلَّدك أمر هذه الأمة، فأصبحت وأمسيت وأنت تبني لخلق كثير، قد استرعاكهم الله وائتمنك عليهم وابتلاك بهم وولاك أمرهم، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه. فلا تضيِّعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة الرعية. فإن القوة في العمل بإذن الله، لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، فإنك إذا فعلت ذلك أضعت. إن الأجل دون الأمل، فبادرِ الأجل بالعمل، فإنه لا عمل بعد الأجل. إن الرعاة مؤدُّون إلى ربهم ما يؤدي الراعي إلى ربه، فأتِمَّ الحقَّ فيما ولَّاك الله وقلَّدك ولو ساعة من نهاره، فإنّ أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راعٍ سعدت رعيّته، ولا تزغ فتزيغ رعيّتك. وإيّاك والأمر بالهوى والأخذ بالغضب، واذا نظرت الى أمرين، أحدهما للآخرة والآخر للدنيا، فاختر أمر الآخرة على الدنيا، فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى؛ ولكن من خشية على حذر، واجعل الناس عندك في أمر الله سواء القريب والبعيد، ولا تخف في الله لومة لائم، واحذر فإن الحذر بالقلب وليس باللسان. اتَّقِ الله، فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتقِّ الله يتَّقْه.

إني أوصيك يا أمير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما استرعاك الله، وألا تنظر في ذلك إلا إليه وله، فإنك إن لا تفعل تتوعّر عليك سهولة الهدى، وتعمى في عينيك وتتخفى رسومه، ويضيق عليك رحبه، وتنكر منه ما تعرف، وتعرف منه ما تنكر، فخاصم نفسك خصومة من الفلج لها لا عليها، فإن الراعي المضيّع يضمن ما هلك على يديه ما لو شاء رده عن مواطن الهلكة بإذن الله وأورده أماكن الحياة والنجاة، فإن ترك ذلك أضاعه، وإن تشاغل بغيره كانت الهلكة عليه أسرع وبه آخذ. وإذا أصلح كان أسعد من هنالك بذلك، ووفاه الله أضعاف ما وفى له.

فاحذر أن تضيِّع رعيّتك فيستوفي ربُّها حقها منك ويضيِّعك بما أضعت أجرك، وإنما يُدعم البنيان قبل أن ينهدم، وإنما لك من عملك ما عملت فيمن ولَّاك الله أمره، فلست تنسى ولا تغفل عنهم وعما يصلحهم، فليس يغفل عنك ولا يضيع حقك من هذه الدنيا. وأوصيك في هذه الليالي والأيام بكثرة تحريك لسانك في نفسك بذكر الله تسبيحًا وتهليلًا وتمجيدًا… والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة إمام الهدى. (مقدمة الخراج للإمام أبي يوسف القاضي).

بين أبي حنيفة والمنصور:

انتفض أهل الموصل على أبي جعفر المنصور، وقد اشترط المنصور عليهم أنهم إن انتفضوا تحلُّ دماؤهم له، فجمع المنصور الفقهاء وفيهم الإمام أبو حنيفة. فقال: أليس صحيحًا أنه عليه السلام قال: «المؤمنون عند شروطهم»؟ وأهل الموصل قد شرطوا ألا يخرجوا عليّ، وقد خرجوا على عاملي، وقد حللتُ دماءهم. فقال رجل منهم: يدك مبسوطة عليهم وقولك مقبول فيهم، فإن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فبما يستحقون. فقال لأبي حنيفة: ما تقول أنت يا شيخ؟ ألسنا في خلافة نبوة وبيت أمان؟.

فأجاب: إنهم شرطوا لك ما لا يملكون (وهو استحلال دمائهم) وشرطت عليهم ما ليس لك؛ لأن دم المسلم لا يحلُّ الا بأحد معان ثلاث. فأمرهم المنصور بالقيام فتفرَّقوا فدعاه وحده. فقال: يا شيخ، القول ما قلت. انصرف إلى بلادك، ولا تُفْتِ الناس بما هو شين على إمامك فتبسط أيدي الخوارج. يشير الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى قوله عليه الصلاة والسلام «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه. (المناقب لابن الجوزي ج2ص17).

هذا وقد أراد أبو جعفر المنصور أن يولّي أبا حنيفة القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة ألَّا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟. فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلبّي الأمر. قال الربيع: رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول: اتقِّ الله ولا ترعي أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ لو اتَّجه الحكم عليك، ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك. فقال له: كذبت، أنت تصلح، فقال له: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضيًا على أمانتك وهو كذاب؟!،(وفيات الأعيان 5\407).

بين الأوزاعي وعبد الله بن علي :

لما دخل عبد الله بن علي دمشق، بعد أن أجلى بني أميّة عنها، طلب الأوزاعي، فتغيّب عنه ثلاثة أيام، ثم حضر بين يديه، قال الأوزاعي: دخلت عليه وهو على سريره وفي يده خيزرانة، والمسودة عن يمينه وشماله معهم السيوف مصلتة والغمد والحديد، فسلمت عليه فلم يردَّ. نَكَتَ بتلك الخيزرانة التي في يده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعناه من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد؟ أجهادًا ورباطًا هو؟ فقلت: أيها الأمير، سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري التيمي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فنكت بالخيزرانة أشدّ ما ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم.

ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أميّة؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فنكت أشد من ذلك. ثم قال: ما تقول في أموالهم؟. قلت: إن كانت في أيديهم حرام فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت حلال فلا تحل لك إلا بطريق شرعي. فنكت أشدَّ ما ينكت قبل ذلك. ثم قال: ألا نوليك القضاء؟. قلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون عليّ في ذلك، إني أحب ما ابتدأوني به من الإحسان. فقال: كأنك تحب الانصراف؟ فقال: إن من ورائي حرمًا وهنَّ يحتجن القيام عليهنَّ وسترهنَّ وقلوبُهنَّ مشغولةٌ بسببي. انتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف. رواه البخاري ومسلم.

 

 بين الأوزاعي والمنصور:

وهذا الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال محدثًا عن نفسه: بعث إلي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل، فأتيته، فلما وصلت إليه سلّمت عليه بالخلافة، فرد عليّ واستجلسني، ثم قال لي: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟. قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟. قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم. قلت: انظر يا أمير المؤمنين، إنك لا تجهل شيئًا مما أقول. قال: وكيف لا أجهله وأنا أسألك عنه، وفيه وجهت إليك وأقدمتك له. قلت: أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به. قال الأوزاعي: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة.

فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني مكحول بن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثمًا ويزداد الله بها سخطًا عليه».

يا أمير المؤمنين: من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، إن الذي ليّن قلوب أمتكم لكم حين ولَّاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا مواسيًا لهم بنفسه من ذات يده محمودًا عند الله وعند الناس، فحقيق بك أن تقوم له بالحق، وأن تكون بالقسط لهم فيهم قائمًا، ولعوراتهم ساترًا، ولا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تُقِمْ دونهم الحجاب، تبتهج بالنعمة وتبتئس بما أصابهم من سوء.

يا أمير المؤمنين: قد كنت في شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم ومسلمهم وكافرهم. وكل له عليك نصيب من العدل، فكيف إذا انبعث منهم فئام وراء فئام، وليس منهم أحد إلَّا وهو يشكو بليّة أدخلتها عليه، وظلمة سقتها إليه.

يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذا لا يبقى لك كما لم يبقَ لغيرك. يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:«لو ماتت سخلة على شاطىء الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها» فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين: قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة مكة أو الطائف أو اليمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«يا عباس، يا عم النبي! نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها». نصيحة منه لعمه وشفقة عليه. وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئًا إذ أوحى الله إليه: (وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤) فقال: يا عباس، يا صفيَّة عمة النبي، ويا فاطمة بنت محمد، إني لست أغني عنكم من الله شيئًا، لي عملي ولكم عملكم. وقال عمر بن الخطاب: الأمراء أربعةفأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة؛ (الظلف: شدة في المعيشة، ويقال: هو في ظلف من العيش وشظف) وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلَّا أن يرحمه الله؛ وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:«شرّ الرعاة الحطمة» فهو الهالك وحده؛ وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعًا. ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن أشدّ الشدّة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه، فهذه نصيحتى إليك والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟  فقلت: إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال: أذنت لك وشكرت نصحك وقبلتها. قال محمد بن مصعب: فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله. وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض الدنيا. وعرف المنصور مذهبه فلم يجِدْ عليه في ذلك أي لم يغضب عليه (روى هذه النصيحة الحافظ ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *