العدد 417 - السنة السادسة والثلاثون، شوال 1442هـ،الموافق أيار 2021م

عدالة الصحابة رضي الله عنهم في نقل الإسلام

حمد طبيب – بيت المقدس

قبل الحديث عن عدالة الصحابة، وارتفاعهم عن الجرح والتشكيك، نقول: لم تحظَ حضارة ولا فكر على وجه الأرض – من عهد آدم عليه السلام إلى يومنا هذا – في طريقة النقل والحفظ والإحاطة والعلم؛ كما حظي الإسلام. فلو نظرنا إلى الديانتين اللتين سبقتا الإسلام (اليهودية والنصرانية) مثلًا، لرأينا التحريف والتخريف، والدس والخلط، وعدم الانسجام والتناقض ما بين النصوص المختلفة، عدا عن الخروج عن الأسس الصحيحة للأصول المعتبرة شرعًا وعقلًا؛ في وحدانية الله وصفاته، وسنن الخلق، وصفات الرسل المعتبرة، وغير ذلك الكثير… والسبب الأول في هذا الخلط والتحريف؛ هو عدم حفظ المولى عز وجل – ابتداء – لهذه الديانات كما حفظ الإسلام. والسبب الثاني: هو خلو طريقة التدوين والنقل من السند واتصاله مع أصل الرواية. والسبب الثالث: هو التدوين المتأخِّر للنصوص في عهد تلاميذ التلاميذ (للمسيح عليه السلام)؛ أي بعد أربعة أجيال تقريبًا. والسبب الرابع: هو النسبة إلى التلاميذ والأخذ عنهم مباشرة في الرواية وليس من المصدر الأصلي، أو الأخذ عنهم مباشرةً عند التدوين.

أما الإسلام فقد نقل إلينا بطريقة منضبطة، متصلة السند، ونقلت النصوص من أصلها الذي صدرت منه وهو الوحي، ولم تصدر هذه النصوص من رجال معينين. ونقل كذلك الإسلام (بشكل مجمل) بطريقة قطعية لا لبس فيها ولا شك، وبطريقة دقيقة خالية من الدسِّ والكذب بشكل تفصيلي. فقد دُوِّن القرآن الكريم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحت إشرافه مباشرة، وبشهادة الشهود العدول؛ أي بشهادة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. وفوق النقل والضبط والكتابة؛ فإن هؤلاء الصحابة حفظوه، وتناقلته الأجيال محفوظًا جيلًا بعد جيل بالمئات من الحفًّاظ، بل بآلاف وعشرات الآلاف في العصور المختلفة. فاجتمع في حفظ القرآن ثلاثة أمور؛ تجعل من عملية الدس فيه أمرًا مستحيلًا، وتجعل هذا النقل قطعيًا بشكل لا يقبل أي شك. الأمر الأول: هو التدوين في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإشهاد الصحابة على ذلك. والأمر الثاني: هو الحفظ في الصدور، جيلًا بعد جيل دون انقطاع في أي عصر من العصور. والأمر الثالث: هو إعجاز القرآن الكريم في نصوصه المنقولة.

هذا بالنسبة إلى القرآن الكريم، أما السنة النبوية؛ فإنها أيضًا قد نُقلت بطريق قطعيٍّ جملة، وبطريق منضبط دقيق تفصيلًا؛ بحيث إنها قد وصلت إلينا منضبطة كاملة، غير منقوصة. وهناك أمور قد جعلت من الحديث غايةً في الدقة والضبط وسلامة النقل، من هذه الأمور:

أولًا: عدالة الصحابة: فالصحابي، كما ذكر أكثر علماء الحديث، هو من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به وتحقَّقت في لقياه معنى الصحبة، وليس مجرَّد اللقاء فقط. يقول الإمام المازري في كتاب (شرح البرهان في أصول الفقه): «لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ما، أو زاره لمامًا، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب؛ وإنما نعني به الذين لازموه وعزَّروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون»… أما عدالة الصحابة رضوان الله عليهم، فالمقصود بها: «إنهم عدولٌ ثقات لا يُجرَّح أحد منهم، ولا يُتَّهم في عدالته إطلاقًا…». والعدالة لا تعني إطلاقًا عدم الخطأ أو الوقوع في معصية، إنما العدالة كما يعرفها علماء الحديث: «إنهم لا يتعمَّدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسموِّ الأخلاق والترفُّع عن سفاسف الأمور… وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي، أو من السهو أو الغلط». قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة): «ليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فقد تقع من بعضهم الهفوات والزلَّات، الصغائر أو الكبائر؛ ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمَّدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمَّدون الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم…». وقال ابن عبد البر رحمه الله في كتاب (الاستيعاب في معرفة الأصحاب): «الصحابة خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منها…».

وقد شهد القرآن الكريم بعدالة الصحابة رضوان الله عليهم، وشهد بذلك الرسول ﷺ؛ قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤)، وقال: (وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠)، وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» رواه البخاري.

فلا يبحث عن عدالة الصحابة – من خلال البحث والتحرِّي في علم الجرح والتعديل – كما يبحث عن التابعي أو تابعي التابعي. فإذا وصل الحديث إلى الصحابي؛ فإنه ثقةٌ عدلٌ ضبط، صدوق في النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وإذا سقط الصحابي من سلسلة الرواية أي أرسل الحديث من جهة الصحابي؛ فإنه حديث صحيح إذا اتصف بباقي الصفات التي ترفعه إلى مرتبة الصحيح، ولا يخرم في صحته إرساله من الصحابي؛ والسبب هو أن الصحابة ثقات عدول جميعًا. بينما الحديث المرسل من جهة التابعي، أو تابعي التابعي هو من أنواع الضعيف؛ لأن التابعي لا يعدّل إلا إذا علم من هو، ولا يكفي فيه كونه تابعيًا كالصحابي.

ثانيًا: اتصال السند إلى الرواة من عصر تابعي التابعين؛ لأن تابعي التابعين هم من دوَّنوا الحديث. فسلسلة الحديث تبدأ من تابعي التابعين، وتنتهي بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي تنتهي بالوحي. فلا يقبل حديث دون سند؛ لأن السند إن كان مجهولًا فهذا يعني أن الرواة مجهولو الحال، وقد يكونون مجروحين في عدالتهم أو ضبطهم أو لقياهم لباقي رواة السلسلة.

ثالثًا: عدالة الرواة وضبطهم من غير الصحابة: فلا يؤخذ حديث إلا من العدل الضبط عن مثله إلى منتهاه؛ أي إلى صحابة رسول الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد جعل العلماء من أجل هذه الغاية علم الجرح والتعديل وعلم الرجال. فجميع الرجال الذين روَوا الحديث قد نقلت أحوالهم ودرست وعرفت معرفة محيطة من جميع جوانبها التي تلزم في عملية النقل والرواية؛ وهي: وصف العدالة والضبط واللقيا مع سلسلة الرواة الآخرين… فيعرّف الراوي من حيث العصر الذي عاش فيه، ويعرّف من حيث حفظه ودقة نقله وعدم اختلاط الأمور عليه… ويعرّف من حيث صدقُه وعدالته، أي من حيث الورع والتقوى… فلا يؤخذ الحديث من الواهم أو الذي ينسى، أو من ضعيف التقوى الذي تنخرم عدالته.

رابعًا: عدم مخالفة الحديث المنقول لما صحَّ عن الثقات العدول من روايات أخرى، وعدم مخالفته قبل هذا وذاك لنصوص القرآن الكريم. فالأصل في الدين: أن لا يحدث فيه تناقض، ولا تعدد آراء في الأمر الواحد. وإذا حصل ذلك فإن إحدى الروايات تردّ دراية إذا خالفت النص القطعي من القرآن والحديث.

خامسًا: أن لا يتصف الحديث بالركاكة في لغته؛ أي أن يصل إلى مرتبة عالية في الفصاحة والبلاغة، ولا ينحدر إلى مستوى هابط من هذه الناحية؛ لأن الحديث هو في الدرجة الثانية من حيث الفصاحة والبلاغة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيًاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوًامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وًأحِلَّتْ لِيَ الْغَنًائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كًافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» (رواه الإمام مسلم). يقول الإمام السيوطي في كتاب «المزهر»: «أفصح الخلق على الإطلاق سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب رب العالمين جلَّ وعلا».

وبالتدقيق في هذه الأمور التي ضبطت نقل الإسلام فإننا نقول: إنه من المستحيل الدسُّ أو التحريف لنصوص هذا الدين قرآنًا وسنةً. ونقول كذلك بطمأنينة وثقة: بأن هذا الدين قد حفظ بحفظ الله عز وجل له، وتسخير عباده الصالحين لهذه المهمة السامية؛ سواء في جمع القرآن الكريم وحفظه، أم في حفظ السنة النبوية جملة وتفصيلًا.

أما ما يحصل هذه الأيام من بعض المشكِّكين في نصوص هذا الدين؛ وخاصة في مسألة عدالة الصحابة أو في مسألة صحة الأحاديث وضعفها، فهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام من الناس:

الأول: قسم خبيث يتلقّى ثقافته وسمومه من الغرب، ومن فكره التشكيكي الحاقد على الإسلام وعلى المسلمين، وخاصة في ظلِّ تنامي المد الإسلامي في كل أنحاء العالم، بما فيه العالم الغربي (أوروبا وأمريكا)، وهذا القسم من الناس يتكلم عن وعي وإدراك، ومخططات مرسومة، تنسجم وتتوازى مع المشروع العالمي في الحرب على الإرهاب؛ أي الحرب على الإسلام وأهله. وقد اشتدّت هذه الحرب بعد أحداث أيلول 2001م، وفي ظل انهيار الفكر الغربي، وظهور زيفه حتى عند أتباعه، واتجاه الكثير من الناس في الغرب إلى الفكر الصحيح.

الثاني: من الناس من هم ببغاوات يردّدون ما يقوله الغرب عن قصد وترصد وتخطيط. يرددون ذلك وهم لا يعلمون قدر الخطر الذي يفعلونه، وقدر الخدمة المجانية التي يقدمونها للكفار، في حربهم للإسلام. وهؤلاء لا يدركون أصلًا مسائل علم الحديث، ولا الجرح والتعديل، ولا حتى معنى الصحابي.

الثالث: هم طائفة من (الشيعة) ليس لها أي اعتبار في موضوع العلم الشرعي، ولا الحديث والنقل عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أصلًا لا يعترفون بالغالبية العظمى من الصحابة، بل إنهم يُخرجون قسمًا كبيرًا منهم من ملة الإسلام؛ وخاصة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. فكلام هؤلاء ليس حجة.

وفي الختام نقول: إن كل محاولات الغرب وأتباعهم من أبناء المسلمين في إعلان الحرب على دين الله كلها باءت بالفشل قديمًا وحديثًا، وستبوء كل محاولاتهم في المستقبل أيضًا بالفشل؛ وهذه المحاولات ليست جديدة، إنما هي قديمة منذ بزوغ نور الإسلام؛ حيث حاول كفار مكة طمس نور الإسلام؛ وذلك بالتشكيك في القرآن واتِّهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن وغير ذلك من أكاذيب. وحاول المستشرقون أيضًا بجهود حثيثة ومتواصلة استمرت أكثر من مئتي عام ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا باعتراف قادة الاستشراق في بلاد المسلمين أمثال زويمر حيث قال: «وحاول أيضًا البعض – قديمًا وحديثًا – الدسَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضًا من الأحاديث، فكانت كل هذه المحاولات كمن ينفخ على الشمس ليطفئها، أو كمن يضع الحواجز أمام الهواء؛ كي لا يصل إلى الناس». فالله عز وجل تكفَّل بحفظ هذا الدين، فقال: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ٩)، والذكر هنا – كما ذكر معظم المفسرين – هو القرآن الكريم، وما بيَّنه من السنة المطهرة. وهذا الأمر هو قائم إلى قيام الساعة. وقد توعَّد الحق تعالى بردع كل من يحاول إعلان الحرب على دين الله فقال سبحانه: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥) وقال: (يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢)، وفي الوقت نفسه وعد الحق تعالى أن هذا الدين سيظهر على الدين كله ولو كره الكافرون، وسيبلغ كل الأرض – مشارقها ومغاربها – ولن يقف في طريقه مشكِّكون، ولا مرضى النفوس، ولا غيرهم… قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها» رواه الإمام مسلم.

نساله تعالى أن يهيئ لهذا الدين من يذود عن حياضه، وأن يهيئ له من يمكّنه في الأرض، ويحمله رسالة خير وهدى إلى البشرية جميعًا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *