العدد 417 - السنة السادسة والثلاثون، شوال 1442هـ،الموافق أيار 2021م

الحضارة الرأسمالية وفساد نظرتها الداروينية للحياة (4)

الساريسي المقدسي- بيت المقدس

فساد نظام الحكم الديمقراطي:

كما رأينا من الشرح السابق، فقد نُحيِّت نظرية الحق الإلهي في أوروبا جانبًا وقام مقامها نظرية الحق الطبيعي، وانبثق عن هذه النظرية ما يسمَّى بالعقد الاجتماعي الذي أسس لمفهوم الدولة الرأسمالية العلمانية، وقد لاقت فكرة الديمقراطية في ذلك العصر اهتمامًا بالغًا لدى فلاسفة ومفكري أوروبا لمواجهة نظرية الحق الإلهي الدينية حين تعرف الأوروبيون على فكرة الديمقراطية ونظرية القانون الطبيعي من فلسفة الإغريق، التي نقلوها من علوم المسلمين في الأندلس؛ حيث ورد في الفلسفة الإغريقية أن دولة أثينا حاولت تطبيق نظام حكم ديمقراطي؛ ولكنها فشلت في تطبيقه فتخلت عنه.

يقول حزب التحرير: إن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب، والتي تقوم على فكرتين هما السيادة والسلطة للشعب. فالشعب هو مصدر السلطات وهو الذي يملك إرادته، ولا سلطان لأحد عليه، وهو الذي يشرِّع التشريعات التي يريد أن يحكم بها، وحتى يكون الشعب سيِّد نفسه ويُسيِّر إرادته كاملة كانت الحريات العامة هي الأساس لتحقيق ذلك، وهي حرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية[1]..

وكذلك فإنه بحسب نظرية العقد الاجتماعي المنبثقة عن الحق الطبيعي، فإن الديمقراطية تجعل حق التشريع أي السيادة للشعب، فالشعب هو الذي يختار نظامه وقوانينه دون إكراه ولا تدخُّل من أية سلطة دينية، فيجب عندهم فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، أي فصل الدين عن الحياة وعن الدنيا، وعلى أن يقوم الشعب بالتشريع بإرادته الحرة.

وعند التدقيق في وظيفة الدولة والقوانين في الديمقراطية، نجد أن هذه الوظيفة هي ضمان الحريات الفردية الأربع، فالرأسماليون – حسب طريقة التفكير الداروينية – يحاولون محاكاة الطبيعة في أنظمتها وقوانينها، فيحاولون استخراج قوانين الطبيعة، ويعكسون ذلك على القوانين التي يشرعونها في كل نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي. وبما أن الذي يحكم القطيع في الطبيعة هو الأقوى، وهو يكون صاحب الحق الأول في الانتفاع بالثروة والغنيمة، وهو الذي يقرِّر من يكون من جملة قطيعه أو يقرِّر طرده، وهو الذي يقرِّر حقوق القطيع. فهذا الأمر يطبِّقه الرأسماليون في الحكم والسياسة، فيرَون بأن حق التشريع والحكم هو للأقوى، والأقوى عندهم هو من يملك رأس المال والثروات الاقتصادية، وبالتالي فالمال يعطي الشرعية للغني ليكون زعيم القطيع، وأن ينتفع بالموارد والثروات قبل غيره، وأن يقرِّر عن القطيع ما لهم من الحقوق وما يلزمهم من تشريعات.

إن فساد الديمقراطية يتَّضح من حيث كونها فكرة غير واقعية ولا تصلح للتطبيق، حسب ما عرَّفوها بأنها حكم الشعب للشعب، فالشعب بمجموعه يستحيل أن يجتمع ليشرِّع، ويستحيل أن يجتمع ليحكم نفسه، وقد حاولت دولة أثينا فعل ذلك وثبت لها فساد هذه الفكرة وعدم واقعيتها، فتخلَّت عنها بعد شهر أو أشهر قلائل من محاولة تطبيقها في مدينة أثينا، وهي مدينة واحدة فكيف بدولة فيها الآلاف من المدن والملايين من البشر؟!

وبما أن الديمقراطية بمعناها الحقيقي هي فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، فقد تلاعب الأوروبيون بها واحتالوا عليها فأوَّلوا الإرادة الشعبية وأوجدوا لها ما يسمى بالسلطات الثلاث وهي الحكومة والقضاء والمجلس النيابي، وهذا الأخير هو البرلمان، وهو مجلس تشريعي ينتخبه الشعب، وبهذا الاحتيال تخلَّى الشعب عن حق التشريع للبرلمان وصار دوره فقط انتخاب نواب أو ممثلين لهذا الشعب، والبرلمان نفسه لا يقوم بالتشريع، وأعضاء البرلمان أنفسهم غير قادرين على التشريع، بل يقوم بذلك هيئة تشريعية أو لجنة قانونية منبثقة عن هذا البرلمان هي التي تضع القوانين، وهذه اللجنة ذاتها يتنازع فيها أكثر من حزب أو فئة تحاول فرض القوانين والتشريعات لمصلحتها، ثم تعرضها على البرلمان للتصويت عليها. وبالتالي فالتشريع يقوم به أقلية الأقلية، ومع ذلك ما زالت الديمقراطية تعرف بأنها حكم الشعب أو حكم الأغلبية زورًا وبهتانًا وفسادًا!! وما هي إلا حكم الأقلية للأكثرية. فأين هو حكم الشعب؟!

ويظهر فساد الديمقراطية من جعل السلطة التشريعية أو البرلمان عندهم دائميًا، وهذا إقرار بأن التشريعات تتغير بشكل دائم حسب الظروف وحسب رغبات أعضاء البرلمان، وهذا بحد ذاته عيب خطير في الديمقراطية ينمُّ عن فساد متأصل من حيث إنهم يعترفون بدوام تغيُّر التشريعات والقوانين التي تعالج المشكلات، ولو أنهم اعتبروا التشريعات صالحة لعلاج المشكلات لأقرُّوا بأنها يجب أن تكون دائمية وثابتة، ولما لزمهم وجود برلمان للتشريع، بل يقوم بتشكيل لجنة لسن دستور وقوانين لمرة واحدة ثم ينتهي عملها، ويعود البرلمان لعمله الأصلي وهو الشورى والمحاسبة لا التشريع، ومن شواهد ذلك أن الدستور الأمريكي مثلًا لا يجوز تغييره بتاتًا إلا في حالات استثنائية خاصة جدًا، وهذا يدلُّ على أن مسألة تغيُّر التشريع فيها إقرار بالفساد.

وأيضًا يظهر فساد الديمقراطية من زاوية تحكُّم الرأسماليين في شعوبهم في التشريع والحكم، فعلى الصعيد الداخلي يحصل تغوُّل من الرأسماليين على الديمقراطية؛ حيث إنه وبسبب الاختلال في توزيع الثروة التي تكون متداولة فقط بين أيدي الأغنياء، فتتركَّز هذه الثروة بيد أصحاب الاحتكارات الرأسمالية، ويصبحون هم من يمتلك القوة في المجتمع والدولة بحكم رأس المال، فيملكون بأموالهم الحكَّام والإعلام والبرلمان ويصبحون هم الحكَّام الحقيقيين للدولة.

ويصبح رؤساء الدول وأعضاء البرلمانات ممثلين لإرادة «النخبة» من الرأسماليين من رجال الأعمال وكبار الملَّاك ولا يمثلون إرادة الشعب الذي انتخبهم، فكبار الرأسماليين هم من يدفعون نفقات الانتخابات والدعاية لرئاسة الدولة ولعضوية البرلمانات، فيصبحون بعد انتخابهم ليسوا ممثلين لمن انتخبوهم، بل ممثلين للنخبة، ويشرِّعون من القوانين ما فيه مصلحة «النخبة»، وهذا مقتل في الرأسمالية، وهو واقع معروف في أمريكا وغيرها، فالرأسماليون هم الحكَّام الحقيقيون في الدول الرأسمالية.

إذًا هناك علاقة رأسمالية عضوية بين الخلل والفساد الاقتصادي مع الخلل والفساد السياسي؛ حيث إن وجود الخلل الاقتصادي في توزيع الثروة في المجتمع الرأسمالي، ينتج عنه انقسام الشعب إلى رأسماليين وإلى أناس فقراء أو متوسطي حال، ويصبح الرأسماليون نخبة جشعة تستأثر بالامتيازات، وترغب في الاستمرار في استغلال باقي الناس، ثم التوسع أكثر إلى استغلال باقي شعوب العالم. وهذا الأمر مشابه إلى حد كبير لمقولة داروين بأن البقاء هو للأصلح، وأن هذا هو قانون الطبيعة الذي يجب على المجتمع احترامه، فالقويُّ له الحقُّ في البقاء والانتفاع بالثروة وفي الاستمرار في الوجود، فيما لا يستحق الحياة من خلق ضعيفًا أو عاجزًا أو طرأ عليه ذلك الأمر لاحقًا.

إذًا يتضح أن القانون الحاكم للديمقراطيين الرأسماليين هو قانون الغاب الدارويني، ولكنهم لا يقولون ذلك صراحة، بل يسهرون على تطبيقه عمليًا في أنظمتهم، ويغلِّفون ذلك بكلام ظاهره جميل يسمُّونه بالديمقراطية، ولكنها لعبة يلعبها كبار الرأسماليين للتغوُّل والسيطرة على القطيع (عامة الناس) وتوجيهه كما يشاؤون، باستخدام القوة (العسكرية والمالية) والسلطة (التنفيذية والتشريعية) والنفوذ والإعلام. فيستخدمون من الأساليب والوسائل ما يمكِّنهم من الوصول إلى غاياتهم، مهما كانت هذه الوسائل غير أخلاقية أو غير إنسانية، ومثلهم الأعلى في ذلك كتاب الأمير لميكيافيللي الذي علَّمهم بأن الغاية تبرر الوسيلة.

ويظهر فساد الحكم الديمقراطي بشكل جليٍّ عند النظر في نتائج هذا الأمر في التطبيق العملي، وذلك في الدول التي يتنازعها أكثر من حزبين كبيرين. فدولة مثل إيطاليا -وتشبهها دولة يهود- وبسبب تشتُّت الطبقة السياسية ووجود أحزاب كثيرة في البرلمان، لا يستطيع أكبر الأحزاب تشكيل حكومة إلا من خلال لملمة مجموعة من الأحزاب الصغيرة معه لتشكيل ائتلاف حكومي هش، وتكون النتيجة تشكيل حكومات فاشلة سرعان ما تسقط، وتنخرها جماعات الجريمة المنظمة المسمَّاة بالمافيا، فيضطرُّون إلى تكرار الانتخابات التشريعية البرلمانية عدة مرات في فترات زمانية قصيرة بسبب هذا التشتُّت البرلماني؛ ولذلك يحارب كِلا الحزبين في أمريكا نشوء أحزاب أخرى تنافسهما في الانتخابات بلا هوادة، حتى لا يقعوا في ما وقعت فيه إيطاليا، لتبقى «كيكة أو كعكة» الحكم مقسَّمة بينهما، وكذلك الأمر في بريطانيا حيث يهيمن على المشهد السياسي حزب المحافظين ويليه حزب العمال.

ومن أوجه فساد النظام الديمقراطي أن الدول التي تدَّعي الحكم الديمقراطي وتمارس الحريات داخل بلدانها، تقوم بدعم الدكتاتوريات المستبدَّة في جميع أنحاء العالم، وتقمع وتصادر حريات الشعوب وكرامتها، وهي تقوم بذلك من أجل أن تسهِّل استعمار هذه الشعوب والدول لتنهب ثرواتها وتجعلها تابعة لها وسوقًا لمنتجاتها من أجل تحقيق مصالح الرأسماليين المجرمين، فأين الديمقراطية والحرية في التعامل مع الغير؟! وهل هذه المزايا حلال عليها حرام على من سواها من الدول الشعوب؟!

وبهذا يظهر فساد الحكم الديمقراطي في الحضارة الرأسمالية؛ من حيث الأساس الذي بني عليه وهو نظرية الحق الطبيعي، ومن حيث علاقته بالنظرة الداروينية الفاسدة للحياة، ومن حيث فساده في التطبيق العملي ثم تغوُّل الرأسماليين على باقي المجتمع في الحكم والتشريع.

فساد النظام الاجتماعي:

يعالج النظام الاجتماعي العلاقة التي تنشأ بين الرجل والمرأة وما يترتب على هذه العلاقة من قضايا، وتهدف هذه العلاقة إلى تكوين أسرة؛ لتكون هي النواة التي يتمُّ فيها تكاثر البشر، وللمحافظة على بقاء النوع الإنساني. وتساهم الأسرة في بناء الأجيال جسميًا وفكريًا ونفسيًا. ويختلف النظام الاجتماعي من مجتمع لآخر، إذ إن لكل مجتمع من المجتمعات نظرة معينة لكيفية تنظيم هذه العلاقة بين المرأة والرجل تختلف باختلاف الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تحكم العلاقات الأسرية أو العلاقات الاجتماعية.

ظل مفهوم الأسرة هو المسيطر على المجتمعات البشرية منذ بدء الخليقة وعبر العصور حتى عصرنا الحديث؛ لأن هذه هي الفطرة الطبيعية بأن يجتمع الرجل والمرأة بزواج لتكوين أسرة، وأن يتعاونا معًا، ويكمل بعضهم بعضًا في القيام بالأدوار الاجتماعية المطلوبة لبقاء النوع الإنساني، فكان التكامل والتعاون وكذلك تقسيم الأدوار الوظيفية واضحًا بينهما.

ولكن مع ظهور المبدأ الرأسمالي وقيامه على نظرية الحق الطبيعي وعلى الحريات، وبالأخص الحرية الشخصية، دارت نقاشات وخلافات بين فلاسفة ومفكري الرأسمالية حول النظام الاجتماعي ومفهوم الأسرة وعلاقة الرجل بالمرأة. وقد استند هؤلاء المفكرين على مفاهيم جديدة أخذوها من القانون الطبيعي الذي تخضع له الكائنات الحية في الطبيعة. فقد لاحظ هؤلاء أنه لا وجود في الطبيعة لمفهوم للأسرة بين الحيوانات، وبما أن الإنسان يجب أن يتماشى مع القانون الطبيعي، فلا داعي إذًا لوجود الأسرة كحتمية طبيعية. والأصل -عندهم- في التكاثر الحيواني بأن يحصل التقاء جنسي عفوي بين الذكر والأنثى بغير تنظيم وينتج عن ذلك طبيعيًا تكاثر للأنواع الحية، فلا يوجد في الطبيعة -حسب النظرية الداروينية- أي تخطيط أو تنظيم للنمو السكاني ولا للعلاقات الجنسية، بل هناك علاقات عفوية عشوائية فقط تنشأ بحكم الميول الطبيعية بين الذكور والإناث.

وقد نتج عن هذه النظرة الداروينية الرأسمالية للأسرة، أي للاجتماع بين الرجل والمرأة عن طريق العلاقة الزوجية، نظرة سلبية تجاه الزواج والأسرة وبقاء النوع؛ لأن هذه العلاقة -في نظرهم- تؤدي إلى سيطرة الرجل على المرأة ونزع حريتها الشخصية تحت عباءة مؤسسة الأسرة؛ ولذلك اعتبرت الأسرة استعبادًا للمرأة، وقمعًا لحريتها الشخصية. وكذلك نتج عن هذه النظرة الداروينية الاعتراف بشرعية وحقوق الشوَّاذ والمثليين -بعد أن كانت جرائم يعاقب عليها وينبذ من يقوم بها- ما دامت هذه الميول الجنسية قد ثبت «علميًا» –بحسب ظنونهم- أنها ميول طبيعية عند هؤلاء الأفراد.

ولذلك تجد بعض أتباع الرأسمالية من مناصري حقوق المرأة والجندر والنسوية «الداروينية»، من يحارب فكرة الأسرة بوصفها استعبادًا للمرأة وقمعًا لحريتها وهضمًا لحقوقها، لا سيما وأنهم يدعون إلى المساواة التامة بينها وبين الرجل، وأن العلاقة الجنسية بينهما تقوم على الحرية من غير أية قيود اجتماعية أو ثقافية أو دينية، أي إنهم يدعون إلى أن تقوم العلاقة بين المرأة والرجل على اتخاذ الأخدان أي المصاحبة، كما يحصل في الطبيعة دون إكراه من العائلة والأسرة الكبيرة، وإذا نشأ أولاد فتربيهم الأم كما في الطبيعة، وهذه النظرة في الحقيقة -كما ترون- هي نظرة داروينية حيوانية إلى الإنسان وللعلاقة بين الذكر والأنثى.

وكذلك نتج عن هذه النظرة الداروينية للأسرة وللعلاقات الاجتماعية، مع مفهوم المنفعة المادية باعتبارها القيمة الوحيدة المعترف بها عندهم، إلى هدم مؤسسة الأسرة والعزوف عن الزواج وعدم إنجاب الأطفال لأنهم مشاريع اقتصادية فاشلة، فلا قيمة إنسانية تدفعهم لإنجاب الأطفال. وتخلَّى كل من الرجل والمرأة عن أدوارهما الطبيعية الفطرية، فتهدَّمت العلاقات الاجتماعية والأسرية في الغرب، ونتج عنها كل أصناف الانحلال الخلقي والعلاقات الجنسية المفتوحة وعدم الارتباط برباط الزوجية بل بالمصاحبة، فأصبحت المرأة تعاني أشد المعاناة من هذه النظرة؛ حيث تولت القيام بدورها كامرأة وكذلك القيام بجزء من دور الرجل، فقامت هي بالعمل لكسب الرزق وكذلك تربية الأولاد، فظهرت في الغرب ظاهرة النساء العازبات والتي ترعى فيها المرأة وحدها الأبناء، وزادت نسبة الأطفال اللقطاء، وانتشرت الأمراض الجنسية كالسفلس والإيدز وغيرها من الأمراض.

ولنأخذ قضية المرأة باعتبارها أولى القضايا التي تبرزها الحضارة الغربية، فنرى أنها تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة كفكرة أساسية وحق إنساني، ولكن هذه النظرة تنطوي على مغالطة كبيرة، فعند النظر في مفهوم المساواة نجده سلاحًا ذا حدَّين، فهو من جهة صحيح إذا نظرنا إلى الذكر والأنثى بوصف كل منهما إنسانًا، ولكن من جهة أخرى ترتكب هذه الحضارة غلطة قاتلة حين تطالب بمساواة المرأة بالرجل في النفقة وفي تحمل المسؤوليات الخاصة بالرجل وفي القيام بدوره في المجتمع؛ ولهذا تجد المرأة في البلاد التي تطبق هذه الفكرة الخبيثة تعمل في كافة مجالات الحياة الصعبة كالبناء والسيارات والمطاعم فضلًا عن الإتجار بأجسامهن في مجالات عدة، وكأداة للدعاية وترويج السلع والخدمات أو أداة للمتعة والتسلية، فهذه الفكرة الخبيثة كانت ظالمة للمرأة وجلبت لها الشقاء والتعاسة، وهي بعيدة كل البعد عن صيانة كرامتها، وهذا مشاهد محسوس وتدركه النساء في الغرب تمام الإدراك، وهذه النظرة هي أيضًا نظرة تخالف الفطرة، وهي غير عادلة لأنها نظرة غير تكاملية ولا تعاونية، بل نظرة تؤدي إلى عداوات ومنافسة في الأدوار الوظيفية بدل نظرة التراحم والتكامل، فهذه نظرة فاسدة تؤدي إلى الصراع لا التعاون، والنظرة الصحيحة هي نظرة العدل بدل نظرة المساواة، فالمساواة تؤدي إلى ظلم الرجل والمرأة، وأما العدالة فتراعي الخصوصية الفطرية لهما، وتحدِّد دور كل منهما دون ظلم ولا تحميل ما هو فوق الطاقة.

هذه هي نتائج مفاهيم هذه الحضارة الرأسمالية القائمة على النظرة الداروينية الفاسدة للحياة وللأسرة وللمجتمع، ومن بنى حضارته ونظامه على الحق الطبيعي ونظرية داروين، فإنه من الطبيعي أن يواجه هذه النتائج الكارثية، هذا فضلًا عن الفشل الاجتماعي وتفشِّي الأمراض، إن لم يكن حالًا فمستقبلًا، فليتدبَّر هؤلاء ما صنعت بهم حضارتهم ونظرتهم الداروينية!!

فساد النظرة للمجتمع

يبرز فساد الحضارة الرأسمالية في نظرتها المجتمعية إلى اعتبار أن المجتمع مجموعة أفراد فقط، ولا ينظرون إلى العلاقات بينهم، وهذا الأمر مقصود وليس عفويًا؛ لأن النظرة الرأسمالية تقوم على فكرة حريات الأفراد وبالأخص الحرية الشخصية، وأن الدولة تتدخل لضمان حريات الأفراد فقط.

ويظهر فساد النظرة الرأسمالية للمجتمع من حيث عمل الحكومات على تقسيم المجتمع إلى فئات وجماعات عرقية ودينية واقتصادية، مما يؤدي إلى تفتيت الناس وتقسيم المجتمع إلى ثنائيات متضادَّة، مثل ثنائية رجل وامرأة، وصحيح ومعاق، ومسيحي ويهودي ومسلم وهندوسي، ثم إعطاء كل فئة أو جماعة تميزًا وحقوقًا خاصة، والاحتفال بيوم خاص بكل جماعة، والإغراق في التمييز بينها، وهذا يولِّد نزاعات وخلافات بين هذه الثنائيات، فتقوم الدولة بالإمساك بكل هذه الفئات وتسيطر عليها بسهولة، بدعوى الدفاع عن حقوق كل فئة منها وعن حرياتها، ويجعل صاحب الحاجة منهم رهينة للنظام والدولة.

ومن تطبيقات هذه النظرة في تفتيت المجتمعات في الدول التابعة أن تقوم الحكومات بإجراء التعداد السكاني، والذي يفترض أن يتيح لهذه الحكومات فرصة للتخطيط الفعَّال لتقديم الخدمات؛ ولكن هذه هي مجرد مغالطة في ظل الرأسمالية التي تتبنَّى النظرية المالثوسية الجديدة. فهذه الحكومات تقوم بعمل التعداد السكاني بناء على نظرية «الانفجار السكاني» التي نشرها القس توماس مالثوس حول مبدأ السكان، والذي ذكر فيه أن تكاثر السكان أكبر من الثروة الموجودة في الأرض لإنتاج الكفاف (القوت) للإنسان. وقد حفَّزت هذه النظرية المتحيِّزة سياسات التحكُّم السكَّاني التي تروِّج لها مجموعة من المنظمات الرأسمالية مثل مؤسسة فورد، ومؤسسة روكفلر، ومجلس تعداد السكان. ومن الجدير ملاحظته أن هذا التعداد أوجد صراعات بين الفئات السكانية التي تعيش في دولة واحدة؛ حيث تحاول كل فئة فيها الضغط على الحكومة لتحصيل حقوق خاصة بها والمشاركة في حصة من وزارات الحكومة والبرلمان، وبالتالي أصبح التعداد السكاني سلاحًا لتحصيل الحقوق الفئوية والصراع على «كيكة أو كعكة» الحكم مع الفئات الأخرى في الدولة.

وكذلك نتج عن نظرية الحق الطبيعي والداروينية الاجتماعية الأفكار القومية المتطرفة والعنصرية، فغدت العنصرية إفرازًا وإنتاجًا عاديًّا وطبيعيَّا للحضارة الرأسمالية الداروينية، كما حصل في ألمانيا على يد هتلر، حين اعتبر العنصر الآري هو أرقى الأجناس البشرية وأكثرها تطورًا؛ ولذلك فهو الأحق بالبقاء والعيش الكريم، وأنه يجب القضاء على كل الأجناس الأقلِّ تطورًا كالسود والساميين والغجر إلخ. وأوجدت هذه النزعة القومية صراعات عنيفة بين الدول الأوروبية -ثم لاحقًا في أفريقيا- لتقسيم الدول حسب الأعراق واللغات والأجناس، مما نتج عنه إزهاق أرواح الملايين من البشر.

وقد أصبح هناك خطر اجتماعي كبير يتهدَّد المجتمعات التي تحمل هذه النظرة الداروينية الرأسمالية في الغرب وفي الشرق؛ حيث أصبحت هذه المجتمعات تعاني من نقص كبير في نسبة التكاثر السكاني، ومن شيخوخة مجتمعية متصاعدة، ونقص في أعداد المواليد الجدد، ونقص في الأيدي العاملة اللازمة لتشغيل الشركات والمصانع والاقتصاد، وكذلك نقص في الأموال اللازمة لتغطية نفقات التقاعد والشيخوخة الواجبة على الدولة، مما أدَّى ببعض الدول أن تدقَّ ناقوس الخطر، وأن تتخذ إجراءات اجتماعية واقتصادية لتشجيع الرجال والنساء على الإنجاب والزواج بالحوافز المادية، ولكن هيهات أن تنفع بعض الإجراءات الاقتصادية مع وجود مجموعة كبيرة من العوائق الفكرية والنفسية والمادية أمام الزواج وتكوين الأسرة، وفي ذات الوقت وجود تسهيلات كثيرة أمام إقامة العلاقات غير الشرعية وهدم الأسرة والخنا والزنا ثم الشذوذ، إلخ.

فألمانيا مثلًا سمحت بهجرة لاجئين من سوريا وغيرها، لتغطية العجز الذي تعاني منه في الأيدي العاملة من فئة الشباب. وأعلنت إيطاليا مؤخرًا أن عدد الوفيات فيها أكثر من المواليد الجدد، وأخذت تدقُّ ناقوس الخطر، وقال سياسيوها بأنهم يواجهون تهديدًا وجوديًا لانخفاض معدل الإنجاب. وهذا الحال ينطبق على دول رأسمالية كثيرة في أوروبا واليابان وروسيا وغيرها، والتي أصبحت تعاني من تدني نسب التكاثر السكاني فيها حتى وصلت لنسب سلبية، أي لا يوجد عندهم تكاثر بل هو تناقص مضطرد، وإذا استمر هذا الحال لفترة زمنية طويلة، فإن هذه المجتمعات ستواجه بعد عقود خطر الفناء.

وعليه ففساد النظرة الاجتماعية في الحضارة الرأسمالية يكاد يكون فسادًا ظاهرًا لا يمكن إخفاؤه ، وما يغطي هذا الفساد هو الإبراز المتعمد في الإعلام للتقدم التكنولوجي والصناعي في الدول التي تحمل الحضارة الرأسمالية.

خاتمة:

إن الـتأصيل والتفصيل الذي قمنا به في موضوع الحضارة الرأسمالية ونظرتها الداروينية الفاسدة، والذي أدركنا من خلاله شيئًا من تاريخ نشوء الحضارة الرأسمالية، ثم شاهدنا جوانب وأسرار فساد هذه الحضارة، يؤكِّد دون شك أن هذه الحضارة مُشقية للإنسانية وسبب في تعاستها، وبالتالي فالواجب على الغرب التخلِّي عن هذه الحضارة واستبدالها بحضارة صالحة تحقِّق السعادة والهناء وتسمو بالإنسان من وحل التراب فتصله بخالق السموات، وتعترف بجميع القيم وتوازن بينها، وهذه هي حضارة الإسلام وهي الأجدر بجميع الخلق من مسلمين وغير مسلمين، بوصفها طريقة العيش الصالحة.

وهناك أمر هام بالنسبة لنا من هذا التأصيل يفيد في فهم منطق عمل الرأسمالية، فهذا الفهم يُمكَّننا من إدراك المنهجية والآلية التي تعمل به الحضارة الرأسمالية وتطبيقها على باقي الأنظمة المجتمعية، كالصحة والبيئة والتعليم والتشريع وغيرها، ونستطيع من خلالها أن نستخرج أسرار الفساد في كل نظام منها. فإدراك آلية ومنهجية التفكير الرأسمالية العلمانية القائمة على الحق الطبيعي والتطوُّر والنظرة الداروينية للحياة، أمر هام جدًا جدًا، لأن فهم المنطق الداخلي لعمل هذا النظام يعين في تفسير سلوك هذا النظام وتحديد الأسباب الدافعة وراء هذا السلوك الفاسد، ويمكِّننا أيضًا من التنبُّؤ بسلوك هذا النظام وتوقُّع المشاكل والأزمات التي يمكن أن تمرَّ به مستقبلًا، ثم ندرك كيف يقومون بإدارة الأزمات التي تمرُّ بها الرأسمالية من خلال الترقيعات تحت دعوى التطور والحداثة والمرونة، وقيامهم بترحيل أزماتهم إلى المستقبل أو قيامهم بتصدير هذه الأزمات والمشاكل إلى المستضعفين والفقراء في العالم ليحملوا وزر خطايا هذه الحضارة.

لقد أفسدت الحضارة الرأسمالية أجيالًا كثيرة من الذين اعتنقوا عقيدتها، وانحازت للباطل والفساد وللأقوياء وللأغنياء وسحقت باقي البشر، فأفسدت حياة جمهرة الناس في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بسبب نظرتها القائمة على الداروينية الفاسدة للحياة، فاتخذت من شريعة الغاب المسمَّاة بالحق الطبيعي قانونًا، بدل شريعة وقانون السماء (العدل الإلهي)، فهوت بالإنسانية إلى الأرض بدل أن ترتفع بها إلى السماء.

وقد رأينا فشل دول الرأسمالية في إدارة أزمة الكورونا، بسبب تبنِّي بعضهم لسياسة مناعة القطيع المنبثقة من النظرة الداروينية الفاسدة للحياة فاضطروا إلى التخلي عنها سريعًا، فهذه النظرة الداروينية تفشل دائمًا في حل مشكلات الحياة؛ ولكن لا يظهر ذلك واضحًا للناس، ويغطون على فشلهم بإظهار التقدُّم المادي في العلوم والصناعات.

ختامًا، فقد رأينا أن الرأسمالية حضارة فاسدة في أساسها وفي أنظمتها التي انبثقت عنها، فهي بدلًا من أن ترتقي بالإنسان وتنهض به، وجدناها قد أخرجت عما أُعدَّت له كحضارة ففسدت وأفسدت. ولأن الرأسمالية حضارة فاسدة ووصلت بالإنسان إلى الهاوية في القيم والأخلاق والنواحي الإنسانية والروحية، فأدَّت إلى شقائه، وأضحت خطيرة على استقرار العالم بفسادها، فكان استبدالها بالحضارة الصالحة واجبًا ملزمًا لكل ذي لب وفطرة سليمة.

[1] الديمقراطية نظام كفر، الشيخ عبد القديم زلوم 1990

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *