العدد 414-415-416 - السنة الخامسة والثلاثون – رجب وشعبان ورمضان 1442هـ – شباط وآذار ونيسان 2021م

في الذكرى المئويّة لهدم الخلافة… عقباتٌ في طريق الخلافة، وطرقُ إزالتِها

حمد طبيب – بيت المقدس

مئة عام مرَّت على أمة الإسلام وهي بدون خلافة، وأحكام الله عز وجل معطَّلة. ومنذ ذلك التاريخ وهي في تردٍّ وانحطاطٍ في كافة المجالات؛ حيث أصبحت أذلَّ الشعوب على وجه الأرض، تُستباح دماؤها صباح مساء، وتُسلب أموالها، وتُغزى في عقر ديارها، وتُغتصب أقدس مقدساتها في أرض الإسراء والمعراج، وأصبحت في ذيل الأمم قاطبة في المجال العلمي والاختراعات، وأفقرَ الشعوب مع أن بلادها هي أغنى البلاد و أصبحت كما قال الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها محمولُ

كل هذا حصل، وما زال يحصل في أمة الإسلام؛ بعدما كانت تَغزو ولا تُغزى، وتَحكُم ولا تُحكَم، ويأتيها طلاب العلم من كل أرجاء الأرض إلى جامعات قرطبة وإشبيلية. وبعد أن كان يقف خليفتها يخاطب غيمة في السماء: «أمطري أيتها الغيمة حيث شئتِ فإن خراجك عائد إلينا»!! ويقفُ قائدها على حافة الأطلسي قائلًا: «لو أعلم أيها البحر أناسًا خلفك لخضتك بسنابك خيلي لأبلِّغ دعوة الله» وتطوفُ الزكاة بلادها فلا تجد من يأخذها، ويخاطبُ خليفتها امرأة ظُلمت على حدود الروم: «لبيكِ أيتها المرأة؛ فسوف أسيّرُ جيشًا أوله عندك على حدود الروم، وآخره في بغداد»!!

لقد وقفت الأمة على أقدامها – رغم كل ما أصابها من جراح – بعد هدم الخلافة بفترة قصيرة؛ أي خلال فترة الاستعمار العسكري في بدايات القرن الماضي؛ فأخذت تكافح وتنافح ضد الاستعمار؛ من منطلق عقائدي كراهيةً للكفر والكافرين وحبًّا للجهاد والاستشهاد؛ فبرزت عدة حركات تحرُّرية لطرد الاستعمار مثل حركة عمر المختار، والحركة المهدية والسنوسية وغيرها… إلا أن هذه الحركات قد ضُلِّلت وحُرِفت عن مسارها الصحيح في التحرُّر والانعتاق، وظلّت أهدافها في إطار التخلص من الاستعمار دون النظر إلى مستقبل الأمة السياسي، وإلى سبب الاستعمار العسكري، وإلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل هدم الخلافة.

خلال هذه المرحلة؛ أي في أواسط القرن الماضي، برز في الأمة حزب مبدئي هو حزب التحرير؛ درس كل الحركات السابقة، الدينية والوطنية والقومية، واستفاد من أخطائها، فأرجع المسار إلى الطريق الشرعي القويم، وأعاد القطار إلى سكَّته التي خرج عنها قبل هدم الخلافة؛ أي وضع برنامجًا عمليًّا على أساسٍ شرعيٍّ فكريٍّ لعودة الخلافة، ولإزالة كل المظاهر والآثار المترتِّبة على هدمها، وفي الوقت نفسه أنار للأمة حقيقة الحركات العميلة المرتبطة بالاستعمار العسكري الذي طرد من بلادها، وبيَّن لها أن طريق التحرُّر لا تكون فقط بطرد الاستعمار العسكري، وإنما أيضًا بقلعه من جذوره نهائيًا، وإحلال الإسلام كنظام حياة مكانه.

  • لقد وضع الحزب الأمة أمام الحقائق التالية:

 1- بيَّن لها بأن قضيتها المصيرية التي نشأت عنها كل المشاكل هي غياب حكم الإسلام، في ظل دولة واحدة تجمع الأمة الإسلامية جميعًا.

2- إن كل ألوان الاستعمار السياسي والاقتصادي والعسكري نتجت بسبب غياب حكم الإسلام، وغياب المخلصين من أبنائها عن قيادتها، وتولِّي عملاء الاستعمار قيادتها؛ حيث استُبدل الاستعمار السياسي بالاستعمار العسكري.

3- إن طريق نهضة الأمة الإسلامية هو طريق واحد لا يتعدد، وهو النهوض على أساس فكرها، وأن كل طريق سوى ذلك يرتبط بقوى الاستعمار السياسي ويبعدها عن هدفها في النهوض.

4- إن الالتفاف حول المخلصين من أبنائها المرتبطين بعقيدتها وأحكام دينها هو فقط ما يقودها إلى برِّ الأمان، وإن كل الحركات الأخرى تبعدها عن هدفها وتزيد ارتباطها بالاستعمار، سواء أكانت وطنية أم قومية أم حتى إسلامية، ولا تلتزم بالمنهج الصحيح للسير بها إلى برِّ الأمان، وإنما تسير بها نحو الهاوية السحيقة.

إن الأمة الإسلامية قد قطعت شوطًا طويلًا في طريق نهضتها نحو إعادة خلافتها لكنها لم تصل بعد إلى الهدف، رغم أنها حقَّقت الكثير من النجاحات في السير والتصدي للاستعمار المناهض لهذا النهج التحرُّري؛ ولكنها ما زالت تواجه الكثير من العقبات الكأداء داخليًا وخارجيًا؛ تعوّق خط سيرها؛ ولكن لا تمنعه من المضي والسير قدمًا إلى الأمام.

  • فما هي العقبات التي تواجه مشروع الأمة النهضوي التحرري نحو الخلافة؟ وما هي طرق التصدي لهذه العقبات وإزالتها من طريقها؟

وقبل الإجابة عن السؤال نقول: إن الغرب الكافر، ومعه عملاؤه من الحكام، قد أظهروا خوفهم من مشروع الخلافة، والسبب هو أنهم يدركون تمامًا معنى فتح أوروبا، والحروب الطويلة مع الدولة الإسلامية، وحروب البلقان ووسط آسيا والصين، وغيرها من البلاد… ويدركون معنى ضياع ثروات وأسواق البلاد الإسلامية من بين أيديهم، ويدركون معنى وجود دولة مبدئية تطبق نظامًا ربانيًا أمام مبادئهم الهابطة الساقطة، وخاصة في ظلِّ التهاوي المبدئي الذي يعانون منه.

ومما ورد في هذا المجال أي تخوفهم من الخلافة، ما صدر من تصريحات عديدة على ألسنة الساسة والقادة والمفكرين الغربيين؛ نذكر منها على سبيل المثال:

تصريح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في المؤتمر العام لحزب العمال بتاريخ 16/7/2005م، حيث قال: «لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة، ولا مجال للنقاش حول تطبيق الشريعة الإسلامية».

أما الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن فقال في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في 11/10/2006م: «إن وجود أمريكا في العراق هو لمنع دولة الخلافة؛ التي ستتمكن من بناء دولة قوية، تهدد مصالح الغرب، وتهدد أمريكا في عقر دارها…».

هذا غيض من فيض مما بدا على ألسنتهم، وما تخفي صدورهم ومخططاتهم أكبر بكثير (قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ).

إن العقبات التي تواجه مشروع الخلافة؛ منها داخلي يتعلق بالأمة، ومنها خارجي يتعلق بدول الكفر وسياساته ومشاريعه:

  • أما العقبات الخارجية فيمكن إيجازها ضمن النقاط التالية:

1- الحرب الشرسة من الغرب وعملائه ضد مشروع الخلافة.

2- استغلال الفكرة نفسها، أي فكرة الخلافة، حيث استغلَّت أمريكا تنظيم الدولة بطريق ماكر، وحاولت من خلاله تشويه صورة الخلافة في نظر المسلمين.

3- سياسات التضليل السياسي التي يقوم بها الغرب؛ عن طريق بعض الحركات الإسلامية، وخاصة في تركيا وباكستان وتونس ومصر.

4- الحكاَّم المتلبِّسون بلباس الإسلام ويحاربون مشروع الخلافة بطريق خبيثة ويظهرون أنهم على خطى الأمجاد مثل أردوغان تركيا.

  • وأما العقبات الداخلية أو ما يتعلق بالأمة نفسها فمنها:

1- إن حصول الوعي العام بشكل شامل في البلاد الإسلامية على مشروع الخلافة، وعلى المشاريع التضليلية ضده مطمئن، وهو يحتاج إلى المزيد.

2- تشتُّت العمل الإسلامي في جماعات متعددة بعيدة عن الهدف الصحيح، ومنها للأسف حركات لا تتبنَّى الفكر الإسلامي، بل الديمقراطية الغربية مثل حركة النهضة في تونس.

3- إدخال بعض الجماعات في موضوع العمل العسكري وتشتُّت الجهد وتأليب القوى العسكرية ضدهم؛ كما حصل من الحركات في مصر، على امتداد عقدين من الزمن.

4- من يتسمَّون بالعلماء ودورهم التضليلي الكبير في صرف الأمة عن الهدف، ومحاربة الجماعات المخلصة؛ وخاصة المشايخ في الأزهر والحرمين والزيتونة.

5- عدم انخراط الأمة بالشكل المطلوب في العمل الحزبي للنهضة، والقيام بواجب التغيير؛ وذلك بسبب ضعف الفهم من جانب والخوف من جانب آخر.

هذه أبرز العقبات في طريق مشروع الخلافة.

  • أما طريقة التصدي لها وتجاوزها فتكمن في الأمور التالية:

أولًا: بجعل العقيدة الإسلامية أساسًا في حياة الأمة، وجعل كل عمل أو تصور منبثقًا من هذه العقيدة، وإبراز ناحية الخوف من الله عزِّ وجلِّ والحساب والثواب، وأن ما يصيب الإنسان لا يمكن أن يخطئه.

والأمر الثاني: كشف كل المشاريع التضليلية؛ سواء من الغرب أم من عملائه، وربطها بما يجري في بلاد المسلمين من خراب ودمار وحرب على الإسلام.

والأمر الثالث: التركيز على موضوع إيصال الأمة إلى درجة الوعي العام حول مشروع الخلافة، والعقبات التي تواجهه.

والأمر الرابع: تجييش الأمة عقائديًا ضد مشاريع الكفر بكافة أشكالها وألوانها، وتجييشها لمناصرة مشروع الخلافة في الوقت نفسه، وتعريفها بحزب التحرير – على وجه الخصوص – وبما وضعه من منهج قويم، ومن استعدادية كاملة لقيادة الأمة.

 والأمر الخامس: كشف ضلالات العلماء؛ ممن يدورون مع الحكام، وتوعية الناس أن هناك صنفًا حذَّر منه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وهم علماء الحكام، وتحذير الأمة من السير معهم أو خلفهم، أو تصديقهم فيما يدِّعون من كذب.

هذه هي أبرز الأمور التي تعترض وتواجه الأمة في مشروعها الكبير نحو الخلافة… وهذه أبرز الأمور في طرق التصدي لها.

وفي الختام نقول: إن الخلافة، بعون الله، قائمة لا محالة رغم أنوف الكفار، ورغم مكرهم وحربهم. قال تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢)، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» رواه الإمام أحمد…

فنسأله تعالى، ونحن على رأس مئة عام من ضياع الخلافة، أن يكون هذا العام هو تمهيدًا لعودتها، وأن يصدق فينا حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمة عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» رواه أبو داوود في سننه… اللهم آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *