العدد 108 - السنة العاشرة – المحرم 1417هـ – أيار 1996م

هل هذا سلام الشجعان؟ أم هو استسلام الخونة والجبناء.

إن قضية فلسطين قضية واقعة بين الأمة الإسلامية والغرب الكافرة قاطبة، فهي قضية عالمية مهما حاولت الدول الكبرى تقزيمها أو تحجيمها كما فعلت على مراحل إلى قضية بين العرب واليهود ثم إلى قضية بين اليهود وأهل فلسطين ثم إلى قضية لاجئين تمثلهم المنظمة الخائنة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات. واليهود في هذه القضية ما كانوا ولن يكونوا أكثر من مخلب القط…. وقد رضوا لأنفسهم هذا الدور, لأنه لا يعقل أن يخرج من مشردي ألفي عام رجال دولة أو عسكريون، على حدِّ قول حكيمهم ناحوم جولدمان الرئيس الأسبق للمؤتمر اليهودي العالمي.

فاليهود ليسوا أكثر من تجار, دولتهم تلمودهم يحملونه على أكتافهم حيثما وجودوا وأينما كانوا ولا يخرجون عن كونهم تجاراً، وهذا هو حالهم على مرِّ الأزمان، حتى أنه قيل على لسان بن جوريون إنه يخشى أن لا يدفن حفيده في فلسطين… فهم على يقين أنهم أناس غرباء عن المنطقة وسيغرقون في بحرها لولا خيانات الدول العربية المصطنعة التي ساهمت مساهمة فعالة في إيجاد دولة اليهود وحمايتها وتثبيتها إلى هذه الأيام… فما يسمى بالدولة العبرية أو إسرائيل ليست دولة مطلقاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وهي ليست أكثر من رأس جسر عسكري أوجده الغرب الكافر في شرق البحر الأبيض المتوسط لضرب الأمة الإسلامية ولحماية مصالح الدول الكبرى في العالم الإسلامي ولا سيما بريطانيا رأس الكفر ومن ورائها الولايات المتحدة وفرنسا ومن ثم روسيا.

وقد ساهم أهل فلسطين ومن حيث لا يعلمون مساهمة فعالة في تثبيت هذا الكيان اليهودي المسخ بتهافتهم وراء الزعامات والقيادات الخائنة منذ عام 1917م حين احتل الجنرال الإنجليزي اللنبي بيت المقدس وقال كلمته المشهورة “الآن انتهت الحروب الصليبية” وحتى يومنا هذا، فكانوا وما زالوا الفراش الذي يحترق بالنار وهم يلهثون وراء هذه الزعامات الخائنة، يحسبونها نوراً وهي النار التي تردوا فيها واحترقوا وما زالوا يتردون ويحترقون.

فقد استطاع الغرب ولا سيما بريطانيا والولايات المتحدة بعد تحجيمهم للقضية وتقزيمهم لها، أن يحيكوا أكثر من مؤامرة على الأمة الإسلامية بانتزاع الاعتراف من أهل فلسطين بهذا الكيان اليهودي المسخ، بالتنازل عن أرض فلسطين، حين أوعزوا إلى دول الجامعة العربية في مؤامرات القمة التي عقدوها بالتخلي عن القضية وجعلها قضية إقليمية ضيقة بين اليهود والفلسطينيين حين أجمعت هذه الدول زوراً وبهتاناً على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين… فألقى هؤلاء الخوّارون العبء عن عواتقهم في هذه القضية وحَمّلُوه لمنظمة خائنة, يتزعمها خائن بغض النظر عن المقاتلين المخلصين المغفلين فيها من أبناء فلسطين وغيرهم من العرب.

ومن الجدير بالذكر ومما لا بد من لفت أنظار المسلمين إليه، هو أن الكافر المستعمر إذا أراد تحقيق خطةٍ وتنفيذها جعلها أولاً مطلباً من مطالب أهل البلاد… فما يسمى بالمنظمات الفدائية التي انضوت تحت ما عُرف بمنظمة التحرير الفلسطينية هي منظمات قامت لتنفيذ المؤامرة التي خطط لها الغرب… بغض النظر عن المقاتلين المخلصين المغفلين، وصار العمل الفدائي مطلباً لأهل البلاد ولا سيما أهل فلسطين… وبعد أن سيرهم الغرب في الخط العسكري القتالي ردحاً من الزمن، واتخذ معهم سياسة الجزرة والعصا، فأنهك قواهم وشتت جموعهم بعد الغزو اليهودي لبيروت عام 1982م.

وأخذ الغرب من أهل فلسطين الذين تمثلهم باطلاً منظمة التحرير وثيقة الاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود وضمن حدود آمنة, فيما وقعه زعيمها للمندوب الأمريكي في بيروت على قصاصة من الورق وبقوله أنني أقبل بدولة لفلسطين في أريحا, وكان ذلك فعلاً, فقد قبل الخائن ومن ورائه ممن يسمون بأبناء القضية بالجزرة… وراح هؤلاء الزعماء يعقدون ويلوحون بإمكانية التفاوض, ناهيك عن لقاءاتهم السرية باليهود في العواصم الأوروبية شرقيها وغربيها فأخذوا يسيرون بالخط السياسي وألقوا السلاح مضعضعين وذهبت الضحايا والتضحيات النفسية والبدنية والمالية أدراج الرياح.. فحقق الغرب الكافر ما ظل يرتقبه أكثر من أربعين سنة, وهو انتزاع اعتراف أهل فلسطين بالوجود اليهودي لكيان في فلسطين قلب العالم الإسلامي وفي بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعراجه إلى السموات العلى, وبعد أن ضمن الغرب تخلي الدول العربية الخائنة عن مسؤوليتها في القضية بإلقائها على عواتق المشردين الضعفاء الفقراء من أهل فلسطين تحت اسم الشرعية والحقوق المغتصبة التي يمثلها زوراً وبهتاناً ما يسمى بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي لأهل فلسطين، والتي قادها الغرب طائعة ومختارة إلى ما يسمى بمؤتمر السلام في مدريد عام 1993م.

ثم كانت محادثات أوسلو السرية بين هذه المنظمة الخائنة واليهود، والتي أسفرت عن لقاء زعيمها الخائن عرفات باسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض في واشنطن تحت رعاية الرئيس الأمريكي كلنتون ومباركته، حيث وقع اتفاقية ما يسمى بالسلام مقابل الأرض واعداً الفلسطينيين بالدعم المالي والاقتصادي لإقامة سلطتهم “وما يعدهم الشيطان إلا غروراً”.. وأخذت أوروبا أيضاً تزاحم الولايات المتحدة في احتضان طاقم الحراسة الفلسطيني لليهود بإرسال الوفود ومدهم بالمعونات الشحيحة.. إذ لم يكد يمضي شهر أو شهران إلا ونحن نرى زعيم هذا الطاقم الخائن مرتمياً على أعتاب الدول الغربية يتسوَّل ويستجدي المعونة والغوث لسلطته الهزيلة المسخ، حتى لا تنهار بعد أن انكشف عوارها وبانت سوأتها، وخشي أن يطاح بها من قبل أهل فلسطين الذين ظنوها كعادتهم نوراً فكانت النار التي أحرقتهم كغيرها من الزعامات الخائنة قبلها في فلسطين وخارجها.

أما واقع هذه السلطة الفلسطينية، فإنه ليس أكثر من كانتونات هزيلة ممزقة وموزعة هنا وهناك في ما يسمى بالضفة الغربية وقطاع غزة، فُصِلَتْ تفصيلاً لحراسة الكيان اليهودي من أبناء المسلمين في فلسطين وغيرها، وقامت تحت رحمة الحراب الإسرائيلية لتكون سلطة بوليسية إرهابية للمخلصين من أبناء الأمة الإسلامية الذين ألقوا على أنفسهم مهمة استرداد أرض الإسلام والمسلمين في فلسطين وتحرير بيت المقدس وتطهيره من رجس أعداء الله ورسوله اليهود…

والأنكى من هذا وذاك أن هذه السلطة البوليسية الفلسطينية، التي أوجدها الغرب وصنائعه اليهود من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل وللحيلولة دون ضربها وسحقها من قبل المسلمين في المستقبل، راحت تستصرخ العالم وتستنجد به لأن اليهود أغلقوا الأبواب في وجه من جعلهم عرفات وأمثاله عمالاً تتسول في تل أبيب ونتانيا والمستعمرات اليهودية ليحصلوا على لقمة العيش الذليلة من أعدائهم… لا لشيء إلا خوفاً من ثورة الشعب عليها والإطاحة بها ونبذها، بعد أن ظهرت للعيان خيانات هذه الزمرة الوقحة التي أطلقت على نفسها السلطة الفلسطينية. وتماديا في إذلالها من قبل أسيادها اليهود فرضوا عليها أن تعيد النظر فيما يسمى بالميثاق الوطني الفلسطيني الذي يقول باسترجاع فلسطين وطرد الكيان اليهودي وتدميره.. فأدخلوا كل أعضاء ما يسمى بالمجلس الوطني الفلسطيني في فلسطين ليقوموا بتعديل الميثاق وإلغاء كل العبارات التي تنادي بإزالة إسرائيل وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر… وهكذا أجمع هذا المجلس العتيد على تعديل الميثاق إراضاءً للسيد المأمون في تل أبيب. هذا هو السلام الذي يريده أعداء الله ورسوله من أهل فلسطين: جعلهم عبيداً يعيشون ويقتاتون من فضلاتهم وهم يبنون لهم ويعمرون تحت رحمة حرابهم… هل هذا سلام الشجعان كما ردده الخائن المارق عرفات؟ أم هو استسلام الخونة الجبناء الذين قادوا جماهير شعبهم بالشعارات البارقة الكاذبة إلى هذا الإذلال الذي ما بعده إذلال, فبدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا أهل فلسطين دار البوار.

أما أن يحلم أهل فلسطين بالخير والطمأنينة في كانتوناتهم المسخ الهزيلة وتحت حرب إسرائيل، أن يجلبه إليهم ذابحهم بيريز ومن قبله رابين فإنهم يكونوا بذلك واهمين… فما بيريز إلا بن غريون ومناحيم بيعن وشامير وشارون وموشي دايان وغيرهم فكلهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

إذ ما تناقلت الأنباء فوز زعيم الليكود بنيامين نتنياهو حتى اسودت وجوه الخونة من أمثال عرفات وزمرته لأنهم يظنون أن هذا المتطرف اليهودي سيخنقهم في كانتوناتهم… فسواء جاء بيريز إلى الحكم أو نتنياهو فكلاهما عدو لدود للمسلمين لا يجوز موالاتهم ولا إجراء الصلح معهم… لا بل فرض على المسلمين طردهم من فلسطين بتحريرها بالجيش وفي سبيل الله لإعلاء كلمته وتطبيق أحكامه فيها وفي غيرها من بلاد المسلمين… إذ أن أي تقاعسٍ في ذلك إثم عظيم وعذابه عند الله شديد، فكيف بموالاتهم والصلح معهم… فكل يد تمتد للصلح مع اليهود النار أولى بها )وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ( )وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ(. فأرض فلسطين أرض الإسلام والمسلمين لا يملك عرفات ولا حكام العالم الإسلامي أن يفرطوا بشبرٍ منها… ولن يقر قرار لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى تطهر من رجس الكفرة اليهود فانتظروا إنا معكم منتظرون… وإن غدا لناظره قريب..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *