العدد 43 - السنة الرابعة – ربيع الثاني 1411هـ، تشرين الثاني 1990م

إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين

هذا البحث مأخوذ من كراسة للكاتب الشيخ «علي بن الحاج» وهو أحد قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر. وبعضهم يعتبره الرجل الثاني في الجبهة بعد رئيسها «عباسي مدني». والكراسة تحمل عنوان: «تنبيه الغافلين وإعلام الحائرين بأن إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين». وقد رأت «الوعي» أن هذا البحث ذو قيمة كبيرة في توعية المسلمين فرأت أن تنشره إسهاماً منها في نشر رسالة الإسلام.

وبالمناسبة نودّ أن نلفت نظر الذين يقولون: «فما ذنب المسلمين في هذا الوقت الذي يستطيعون فيه أن ينصّبوا خليفة، والله تبارك وتعالى قال: ]لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[» نود أن نفلت نظرهم إلى أن المسلمين في هذا الوقت يستطيعون أن ينصبوا خليفة إذا جَدّوا في ذلك. أمّا إذا أهملوا الفريضة ووُجِد من يفتيهم بأنها ليست فريضة وبقيت غالبيتهم متهاونة في شأن هذه الفريضة فإن نصب الخليفة سيتأخر. ولا ينجو من إثم بقاء المسلمين دون خليفة إلا من يعمل بشكل جادّ لتنصيبه.

إذا كان المسلمون لا يستطيعون نصب خليفة بشكل فوري، فإن عليهم أن يعملوا بشكل مستمر كي يهيئوا الأسباب ويزيلوا العوائق ويرتبوا الأمور ولو أخذ ذلك سنوات وسنوات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم استمر مع أصحابه ثلاثة عشر عاماً يعمل بكل جدية حتى استطاع أخذ السلطة وإقامة الدولة في المدينة المنورة.

أمّا القول بأن المسلمين غير مستطيعين الآن، إذاً فإن الله لا يكلّفهم العمل لإقامة الخلافة. هذا القول هو خطأ بشكل قطعي. ولا تبرأ ذمة المسلم إن قلّد مثل هذا القول لأنه يتصادم مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة ويتصادم مع إجماع الصحابة الكرام وأقوال الأئمة والعلماء على مدى الأجيال.

فيما يلي: بحث فضيلة الشيخ علي بن الحاج:

نُقولُ أهل العلم في واجبات الخليفة نحو الرعية

وأرغب الآن أخي المسلم في أن أضع بين يديك بكل أمانة الواجبات التي يجب على الخليفة المسلم أن يقوم بها نحو الرعية وإلا فهو آثم إثماً عظيماً يصل أحياناً إلى وجوب عزله ونصب إمام آخر بدله فهاكها:

· قال ابن حزم الأندلسي في المحلى ج 1/ ص 46:

«الإمام إنما جعل ليقيم للناس الصلاة ويأخذ صدقاتهم ويقيم حدودهم ويمضي أحكامهم ويجاهد عدوهم (1)».

(1) تعليق: فهل رأيت أخي المسلم من يقوم بهذه الواجبات في أرض الله؟ أظن أن الجواب عندك أن من يعمل ويذكر بهذه الواجبات يعتبر مجرماً في بلاد المسلمين الآن.

· قال ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية ص 311.

«إن الأحكام الشرعية لها طرق شرعية (لتنفيذها) ولا تتم مصلحة الأمة إلا بها ولا تتوقف على مدع ومدعى عليه بل لو توقفت على ذلك فسدت مصالح الأمة واختل النظام، يحكم فيها متولي ذلك بالإمارات والعلاقات الظاهرة والقرائن البيّنة، ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور».

· قال النسفي في عقائده (142):

«والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسدّ ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة المتلصصة وقطاع الطريق وإقامة الجمع والأعياد وقبول الشهادات القائمة على الحقوق وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم وقسمة الغنائم»(2).

تعليق (2): فهل رأيت أخي المسلم من يقوم بهذه الواجبات في أرض الله؟ أظن الجواب عندك أن من يعمل ويذكر بهذه الواجبات يعتبر مجرماً في بلاد المسلمين الآن.

· قال الشهرستاني:

«ولا بد للكافة من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم. ويحفظ بيضتهم ويحرس حوزتهم ويعبئ جيوشهم ويقسم غنائمهم ويتحاكمون إليه في خصوماتهم وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وينصب القضاة والولاة في كل ناحية ويبعث القراء والدعاة إلى طرف».(3)

تعليق (3): إنهم لا يبعثون الدعاة وإنما يقتلون الدعاة والمآسي في العالم الإسلامي كله شاهدة بذلك قد تقول إن بعض البلاد تكوّن الدعاة وتصرف عليهم الأموال الطائلة ثم يرسل بهم إلى بلاد العالم. قلت إن أغلب هؤلاء دعاة لتلك الدولة وفكرتها لا إلى الإسلام النقي إلا من شذ منهم ولكل قاعدة شواذ كما يُقال.

· قال الإيجي صاحب (المواقف):

«إنا نعلم علماً يقارب الضرورة أنّ مقصود الشارع فيما شرح من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاضاة وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً وذلك لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشرع يرجعون إليه فيما يعن لهم.

· قال ابن باديس: ج 3/ ص 410:

«تقوم ـ أي الخلافة ـ على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحل والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر وبالقوة من الجنود والقوّاد وسائر وسائل الدفاع».

وقال الإيجي في المواقف:

«رياسة عامة في شؤون الدنيا والدين والأولى أن يقال هي خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدّين».

قال الماوردي ص5: الأحكام السلطانية:

«الإمامة موضوعة الخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به».

· قال ابن خلدون في المقدمة ص 190:

«هي حمل الكافة على مقتضى النظر والرأي الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجحة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدّين وسياسة الدنيا به».

· قال شيخ الأزهر محمد نجيب المطيعي:

«المراد بها، أي الإمامة الرئاسة العامة في شؤون الدنيا والدّين».

· قال ابن حرّم في الفصل: 4/ 87:

«وقد علمنا بضرورة العقل وبديهية أن قيام الناس بما أوجبه الله من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق وسائر الأحكام كلها ومنع المظالم وإنصاف المظلوم وأخذ القصاص على تباعد أقطارهم وشواغلهم واختلاف آرائهم وامتناع من تحري في كل ذلك ممتنع غير ممكن…) إلى أن قال: (… وهذا الذي لا بد منه ضرورة ولهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها فإنّه لا يقام هناك حكم حق ولا حدّ حتى قد ذهب الدين في أكثرها(4) فلا تصلح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو أكثر».

تعليق (4): هذا في زمانه فكيف لو رأى زماننا.

· قال ابن تيمية في الفتاوي 28/ 262:

«والمقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر ديناهم».

· قال ابن الهمام في المسامرة ص 153:

«والمقصد الأول إقامة الدين أي جعله قائم الشعار على الوجه المأمور به من إخلاص الطاعات وإحياء السنن وإماتة البدع(5) ليتوف العباد على طاعة المولى سبحانه».

تعليق (5): البدع الآن مرخص بها في بلاد المسلمين ـ إلا ما رحم ربي ـ فتعطى الرخص لتعاطي الكهانة والسحر والشعوذة وإحياء المواليد الشركية والويل كل الويل لمن أنكرها فإن جزاءه السجن المظلم.

· قال الجويني في غياث الأمم ص 156:

«وأما الجهاد فموكل إلى الإمام، ثم يتعين عليه إدامة النظر فيه على ما قد سبق ذكره ـ فيصير أمر الجهاد بمثابة فرائض الأعيان والسبب فيه أن تطوّق أمور المسلمين وصار من اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم. فمن حيث اتناط جر الجنود وعقد الأولوية والبنود بالإمام وهو نائب عن كافة أهل الإسلام صار قيامه بها على أقصى الإمكان به كصلواته التي يقيمها».

· قال السُّبكي في معيد النهم ومبيد النقم ص 16:

«فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين ليكون رئيساً آكلاً وشارباً مستريحاً بل لينصر الدين ويعلي الكلمة فمن حقه ألا يدع الكفار يكفرون أنعم الله ولا يؤمنون بالله ولا رسوله(6)».

(6) تعليق: أغلب حكام اليوم يغتنون لمجرد صعودهم إلى كراسي الحكم والسلطة عكس عمر بن عبد العزيز الذي افتقر يوم نصب خليفة وكان غنياً. أما كيف يغتنون فحدث عن الحبر ولا حرج، وفي بعض الأحيان يضحكون على المغفلين فيصدّقون عليهم بدارهم معدودة فيظن أولئك لطيبة نفوسهم وسذاجة عقلوهم أن هؤلاء الحكام والسلاطين رحماء القلوب، والحقيقة أن ما يستحقون من أموال أضعاف ما أعطي لهم وإنّ تلك أموالهم سرقت منهم وأعطي لهم جزء منها، كالسارق الذي يسرق منك ـ خلسة ومكراً ـ مليوناً ثم يلقاك أمام المسجد أو في قارعة الطريق فيقول لك خذ خمسة دنانير لوجه الله فتظن بعد المصيبة التي نزلت بك أن في الدنيا خير وأهل إحسان وتعزي نفسك بذلك وأنت في كل هذا مخدوع غافل، هكذا يفعل حكام المسلمين وسلاطين المسلمين في أرض الله، والله المستعان. أما أكل وشراب الحكام والسلاطين والملوك فلا أقوى على تصويره فضلاً عن تمييزه وشعبهم جائع، أما سهرات الخنا والزنا والميوعة ورحلات الصيد في أوروبا ولسائر القارات فحدث عن المحيطات ولا غضب.

· قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية (ص 27):

«إن على الإمام حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة فإن زاغ ذو شبهة عنه بيّن له الحجة وأضح له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل».

· قال الدهلوي كما في إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة لصديق حسن خان ص 23:

«الخلافة هي الرياسة العامة في التصدي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام والقيام بالجهاد وما يتعلق به من ترتيب الجيوش المفروض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء والقيامة بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم».

· وخير من أجاد وأفاد في بيان واجبات الإمام نحو رعيته الإمام الفقيه السياسي الماوردي في الأحكام السلطانية ص 15 ـ 16.

«ويلزم الإمام من أمور عشرة أشياء:

أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإذا زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل.

الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم، حتى تظهر النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.

الثالث: حماية البيضة (الوطن) والذب عن الحوزة لينصرف الناس في المعاش وينتشروا في الأسفار آمنين.

الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من الإتلاف والاستهلاك.

الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء بعزة ينتهكون بها محرماً ويسفكون فيها دماً لمسلم أو معاهد.

السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.

السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع، نصاً أو اجتهاداً من غير عنف.

الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير ترف ولا تقصير فيه، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.

التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوّضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة.

العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، ليهتم بسياسة الأمة وحراسة «الأمة» الملة ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح» فهذه الواجبات العشر تجمع المجالات الدينية والسياسية والأمنية بما يشمل الأمن الداخلي والأمن الخارجي، والإدارية والمالية والقضائية.

· قال ظافر القاسمي في كتابه نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي ص 353: «ولو شئنا أن نوجز واجبات الخليفة بكلمات لقلنا إن اختصاصاته تشمل جميع الشؤون الداخلية والخارجية والعسكرية، وإن أعباءها عليه وحده وإنه إذا فوض شيئاً منها إلى غيره فإن ذلك لا يسقط حقه الأصيل في ممارستها».

· قال ابن تيمية في مجموع الفتاوي ج28/ 65:

«وإذا كان جماعَ الدين وجميع الولايات أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي «عن المنكر» الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين كما قال تعالى: ]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ[ وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم وعليهم من «الواجب» الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: ]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[.

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة وولاية الحكم أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة».

· وقال الفتاوي ج 28/ 262:

«فالمقصود الواجب بالولايات، إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم وهو نوعان قَسْمُ المال بين مستحقيه وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: «إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم وليقسموا بينكم فيئكم» فلما تغيرت الرعية من وجه والرعاة من وجه تناقضت الأمور فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله».

· وقال في السياسة الشرعية: 296/ ج28:

«كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه وهي أكمل الأمور».

· وقال في ص 306/ ج28:

«وولي الأمر إنما ذهب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية فإذا كان الوالي يُمكِّن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى «المقصود بضد المقصود مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك وبمنزلة من أخذ مالاً ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين…».

… فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين فإن كان التاركون طائفة ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة والصيام وغيرها وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها كنكاح ذوات المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك فكل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء».

· قال الشيخ محمد الغزالي في معركة المصحف ص9:

«والحكم ـ في تعريف الفقه الإسلامي ـ خلافة عن النبوة في رعاية شؤون الناس الدينية والدنيوية فكما يقيم الحاكم جسراً على نهر ليعبر عليه العابرون يبني المعهد الذي يصقل النفوس وليبين الحلال والحرام والفضيلة وليس أحدهما أولى من الآخر باهتمامه».

· وقال في  ص 15 منه تحت عنون: العبادات وسلطان الدولة:

«إن العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك يظنها الظانون أعمالاً فردية موكولة لأصحابها وأن الدولة في الإسلام لا تسأل عنها ولا تهتم بها. ونحن نسارع إلى تنقية هذا الظن وبيان وجه الحق فيه، فإن الدولة لا تكون مسلمة يوم تكون إقامة الصلاة وإماتتها سواء في نظرها…!! إن إقامة الصلوات الخمس مفروضة على الحاكم في ديوانه كما هي مفروضة على كانس الطريق. وكلاهما مسؤول برأسه عن خشوعها واستوائها وآدابها.. هذا حق ولكنه أيضاً دولة الإسلام مكلفة برعاية الله وإشاعة تقواه وتوطيد وقاره وتقديس اسمه.

… من ذلك إن الدولة المسلمة مسؤولة عن تقديس هذه الشعائر وعدّ قيامها ورواجها جزءاً من وظيفتها. فأما أن يتهاون الحاكم نفسه بالصلاة كما يحدث في بعض الأقطار الإسلامية أو يعقد المؤتمرات ويجري المفاوضات عندما يخف المسلمون لأداء صلاة الجمعة مثلاً فذلك مالا يمكن وصفه أبداً إلا بالانسلاخ عن الإسلام،… أما الدولة التي تقدم بنفسها الطعام لكي يفطروا أو التي ترى الصيام مضعية للوقت والإنتاج، فهي دولة مرتدة  بيقين عن الإسلام.

  • وقال في ص 57:

واجتهد عامتهم (أي الخلفاء÷ في أن يقوموا بواجبات الحاكم المسلم فكان الخليفة يؤم الناس في الصلاة الجامعة ويخطبهم ويحج بوفودهم ويقود الجيوش المقاتلة أعداء الإسلام».

وكانوا يبدون الغيرة على شعارات الإسلام ويوصون بنشر العلم ويحتفون برجالاته… إن الخلفاء أو الملوك الذين وقعت بين أيديهم دفة الحكم في العالم الإسلامي طيلة عشرة قورن لم يفهموا الحكم إلا أداة لخدمة الإسلام(1)… أولئك كلهم جعلوا السلطة المتاحة لهم وسيلة لحماية الإسلام وإنقاذ شرائعه. ولو فكر أحدهم في ترك الكتاب والسنة لقتل لساعته واختفى اسمه ورسمه.

… والحكام المسلمون ـ سواء كانوا أمويين أم عباسيين أم عثمانيين ـ كانوا على أي حال «محكومين بتعاليم الإسلام التي لا ريب فيها، ومرتكبو السيئات منهم كانوا يرتكبونها فرادى أخفياء وهيهات أن يجرؤ أحدهم على تحليل محرم أو تحريم حلال(2)».

· قال الشيخ عبد القادر عودة في «الإسلام وأوضاعنا السياسية»، «لقد جعل الإسلام وظيفة الحكومة الإسلامية إقامة الإسلام حيث افترض القرآن في الحكومة الإسلامية أن تقضي على الشرك وتمكن للإسلام وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وأن تسوي أمور الناس في حدود ما أنزل الله».

· قال الحسين البصري: وهو يوضح السبب في عدم الخروج على خلفاء بني أمية: «هم يلون من أمورنا خمساً، الجمعة، والفيء، والثغور، والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن حادوا وإن ظلموا».

· قال الشيخ أبو زهرة في تاريخ المذاهب الإسلامية ص88:

«لقد أجمع جمهور العلماء على أنه لا بد من إمام يقيم الجمع وينظم الجماعات وينفذ الحدود ويجمع الثروات من الأغنياء ليردها على الفقراء ويحمي الثغور ويفصل بين الناس في الخصومات بالقضاة الذين يعينهم ويوحد الكلمة وينفذ أحكام الشرع ويلم الشعث ويجمع المتفرق ويقيم الدينة الفاضلة التي حث الالتزام على إقامتها».

· قال د/ فتحي الدريني خصائص التشريع الإسلامي ص 180:

«أما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت معظم مهامه في رئاسته العليا للدولة الإسلامية سياسة إلى جانب كونه رسولاً مبلغاً رسالة ربه، ويقيم دين الله في الأرض فأمر مجمع عليه استناداً إلى الأدلة التالية:

1- قوله تعالى: ]إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ[ والحكم بين الناس بإطلاق يشمل العبادة والرئاسة كما يشمل القضاء وفصل الخصومات، فهو حاكم سياسي وقاضٍ بموجب تعاليم الكتاب أي بالعدل.

2- وقوله تعالى: ]يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ[ وقوله تعالى: ]وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ[ وهذا واضح في تولية شؤون القتال والحرب قائداً عسكرياً.

3- قال تعالى: ]مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ[ وهذا مما يتعلق بالشؤون المالية والحقوق الاجتماعية.

4- وقوله تعالى: ]وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا[، وقوله تعالى: ]وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ[، وقوله تعالى: ]وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً[ وهذا مما يتعلق بشؤون المعاهدات وإبرامها وعقد السلم إذا طلبه العدو استسلاماً منه. وغير ذلك كثير من الأدلة التي تولى الرسول صلى الله عليه وسلم مقاليد السياسية والحكم والقضاء وهي من مظاهر سيادة الدولة بلا مراء».

(يتبع)

 

 

(1)  أما حكام اليوم فيستخدمون الدين لتوطيد حكمهم أي الإسلام وسيلة لاستقرار الحكم باتخاذهم جماعة ن المرتزقة الذين يزخون لهم فتاوي ضالة ويطلقون تحت أرجلهم البخور، إنهم علماء السوء الذين حذّر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2) فما قولك اليوم فيمن جعلوا مجالس ـ أسموها شعبية ـ ينتزعون خلاف ما في الكتاب والسنة؟!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *