العدد 42 - السنة الرابعة – ربيع الأول 1411هـ، تشرين الأول 1990م

إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين

هذا البحث مأخوذ من كراسة للكاتب الشيخ «على بن الحاج» وهو أحد قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر. وبعضهم يعتبره الرجل الثاني في الجبهة بعد رئيسها «عباسي مدني». والكراسة تحمل عنوان: «تنبيه الغافلين وإعلام الحائرين بأن إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين». وقد رأت «الوعي» أن هذا البحث ذو قيمة كبيرة في توعية المسلمين فرأت أن تنشره إسهاماً منها في نشر رسالة الإسلام.

وبالمناسبة نودّ أن نلفت نظر الذين يقولون: «فما ذنب المسلمين في هذا الوقت الذي لا يستطيعون فيه أن ينصبوا خليفة، والله تبارك وتعالى يقول: ]لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ نود أن نلفت نظرهم إلى أن المسلمين في هذا الوقت يستطيعون أن ينصبوا خليفة إذا جَدّوا في ذلك. أمّا إذا أهملوا الفريضة ووُجِد من يفتيهم بأنها ليست فريضة وبقيت غالبيتهم متهاونة في شأن هذه الفريضة فإن نصب الخليفة سيتأخر. ولا ينجو من إثم بقاء المسلمين دون خليفة إلا من يعمل بشكل جادّ لتنصيبه.

إذا كان المسلمون لا يستطيعون نصب خليفة بشكل فوري، فإن عليهم أن يعملوا بشكل مستمر كي يهيئوا الأسباب ويزيلوا العوائق ويرتبوا الأمور ولو أخذ ذلك سنوات وسنوات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم استمر مع أصحابه ثلاثة عشر عاماً يعمل بكل جدية حتى استطاع أخذ السلطة وإقامة الدولة في المدينة المنورة.

أما القول بأن المسلمين غير مستطيعين الآن، إذاً فإن الله لا يكلّفهم العمل لإقامة الخلافة. هذا القول هو خطأ بشكل قطعي. ولا تبرأ ذمة المسلم إن قلّد مثل هذا القول لأنه يتصادم مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة ويتصادم مع إجماع الصحابة الكرام وأقوال الأئمة والعلماء على مدى الأجيال.

فيما يلي: بحث فضيلة الشيخ علي بن الحاج:

لا شيء أروح للنفس وأقر للعين ولا أثلج للصدر من أن نرى شباباً يعملون في حماسة منقطعة المثيل ـ لإحياء السنن المندرسة وقمع البدع المنكرة المنتشرة هنا وهناك ألا فطوبى لهم وحسن مآب، ولو أنهم شمروا على ساعد الجد لإحياء فرائض الدين العظيمة والتي لا قيام للدين إلا بها لجمعوا بين فضيلتين إحداهما أعظم من الأخرى أجراً وأنبل قدراً بل ولا قيام للثانية إلا بالأولى، وكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على إحياء الفرائض التي طمس معالمها اليهود فإذا وُفق إلى إحياء تلك الفريضة حمد الله كثيراً.

جاء في صحيح مسلم عن البراء بن عاذب قال: «مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمَّماً مجلوداً فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً ن علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشرف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم». فيا فوز من عمل لإحياء الفرائض العظام والسنن الشريفة معاً. ولا شك عند أهل العلم أن أعظم الفرائض التي ينبغي أن نعمل جاهدين على إحياءها والتذكير بعظيم شأنها، إذ بغيرها لا قيام للدين ولا للدنيا ألا وهي فريضة الحلافة:

«الخلافة على منهج النبوة» كيف لا وقد قرر علماء الإسلام وأعلامه أن الخلافة فرض أساسي من فروض هذا الدين العظيم بل هو «الفرض الأكبر» الذي يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض، وإن الزهد في إقامة هذه الفريضة من «كبائر الإثم»، وما الضياع والتيه والخلافات والنزاعات الناشبة بين المسلمين كأفراد وبين الشعوب الإسلامية كدول إلا لتفريط المسلمين في إقامة هذه الفريضة العظيمة، وخير من وضع هذه الحقيقة والنتائج والوخيمة الناجمة عن سقوط الخلافة:

الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه «المسلمون والعمل السياسي ص13» قال: «ولكن بعد سقوط آخر سلاطين آل عثمان (1345هـ: 1927م) سقطت الخلافة الإسلامية التي استمرت ثلاثة عشر قرناً من الزمان وقابل المسلمون بذلك في بلادهم الإسلامية أوضاعاً شاذة لم يكلها شبيه طيلة القرون السابقة، وأهم أوجه الاختلاف ما بين الأوضاع المعاصرة والماضي ما يلي:

1- قسمت أمة الإسلام إلى أقاليم جغرافية متعددة كانت معظم هذه الأقاليم واقعة تحت سلطان العدو الكافر: «إنجلترا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، وروسيا».

2- أقام الكفَّار في كل إقليم حكومة تابعة لهم من أهالي البلاد ممن يطيع أمرهم ويستطيع أن يضبط الأوضاع في بلده.

3- بدأ الكفار يستبدلون بالقوانين والنظم الإسلامية المطبقة في حياة الناس قوانين ونظماً كافرة من عندهم.

4- عمد الكفار إلى تغيير مناهج التعليم لإخراج أجيال جيدة تؤمن بالمفهوم الغربي للحياة، وتعادي العقيدة والشريعة الإسلامية.

5- ألغيت الخلافة الإسلامية نهائياً، وأصبح العمل لاستردادها والدعوة إليها جريمة يعاقب عليها القانون.

6- تحولت مقدرات المسلمين وأموالهم وثرواتهم نهباً للمستعمر الكافر الذي استغلها أسوأ استغلال وأذلّ المسلمين أعظم الذل.

وليكن في علم سائر المسلمين حيثما وجدوا أن أعداء الإسلام بذلوا جهوداً جبارة للإطاحة بالخلافة الإسلامية وجعلوا ذلك من خططهم الجهنمية.

قال جلال العالم في كتابه «دمروا الإسلام أبيدو أهله» ص 48: «أولاً: القضاء على الحكم الإسلامي بإنهاء الخلافة الإسلامية المتمثلة بالدولة العثمانية التي كانت رغم بُعد حكمها عن روح الإسلام إلا أن الأعداء كانوا يخشون أن تتحول هذه الخلافة من خلاله شكلية إلى خلافة حقيقية تهددهم بالخطر… ولما ابتدأت مفاوضات مؤتمر لوزان لعقد صلح بين المتحاربين اشترطت إنجلترا على تركيا أنها لن تنسحب من أراضيها إلا بعد تنفيذ الشروط التالية:

1- إلغاء الخلافة الإسلامية وطرد الخليفة من تركيا ومصادره أمواله.

2- أن تتعهد تركيا بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة.

3- أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.

4- أن تختار لها دستوراً مدنياً بدلاً من دستورها المستمد من أحكام الإسلام.

فنفَّذ كمال أتاتورك الشروط السابقة فانسحبت الدول المحتلة من تركيا.

ولمّا وقف كروزون وزير خارجية إنجلترا في مجلس العموم البريطاني يستعرض ما جرى مع تركيا احتجَّ بعض النواب الإنجليز بعنف على كروزون واستغربوا كيف اعترفت إنجلترا باستقلال تركيا التي يمكن أن تجمع حولها الدول الإسلامية مرة أخرى وتهجم على الغرب ـ فأجاب كروزون: لقد قضينا على تركيا التي لن تقوم لها قائمة بعد اليوم… لأننا قضينا على قوتها المتمثلة في أمرين: الإسلام والخلافة، فصفق النواب الإنجليز كلهم وسكتت المعارضة».

أدلة وجوب إقامة الخلافة

من منا لا يعرف أن إقامة الخلافة على منهاج النبوة من أعظم واجبات الدين وقد تقرر هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة والقواعد الأصولية.

1- من القرآن الكريم:

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[ [النساء: 58].

قال منّاع خليل القطاع ص 301 ـ وجوب تطبيق الشريعة ـ «… فقد توجه الخطاب بالأمر بأداء الأمانات إلى أهلها وهذا عام في جميع الأمانات، فالدين أمانة والشريعة أمانة، والحكم بالشريعة أمانة…

وقد أورد ابن جرير في تفسير هذه الآيات روايات كثيرة على أنها نزلت في ولاة الأمور، وروى عن مصعب بن سعد قال: قال علي رضي الله عنه كلمات أصاب فيهنّ: «حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة، وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا»… وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله لولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة التي من وُلوا أمره في فيئهم وحقوقهم وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية والقسم بينهم بالسوية» ولابن تيمية كلام نفيس في معنى هذه الآية والتي تليها فانظره على جناح السرعة في كتابه السياسة الشرعية ص 6 ـ 7.

]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[ [النساء: 59].

قال الطبري: «وأوفى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: «هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة» وقال ابن كثير: «الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء» لا شك أن الأمر بالطاعة أمر بإيجاد من يستحق هذه الطاعة ألا وهو الخليفة.

والآيتان اشتملتا على أركان الدولة:

1- الحكام وهم ولاة الأمور.

2- الأمة: بوجوب الطاعة لأولي الأمر.

3- القانون والنظام = الشرع.

واكتفي بهذا عن عشرات الآيات في إقامة حكم الله وكذا الحدود والقصاص والجهاد، ولا يمكن أن تقوم هذه الفرائض إلا بوجود إمام مطاع غيور على دين الله عزّ وجل.

2- من السنة النبوية:

والأحاديث التي يستفاد منها وجوب إقامة الخلافة أكثر من أن تُحصى وأشهر من أن تذكر.

فهذا الإمام البخاري رحمه الله عقد في صحيحه فصلاً جمع فيه الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالخلافة وشؤون الحكم وأسماه «كتاب الأحكام».

وهذا الإمام مسلم رحمه الله جمع في صحيحه الأحاديث التي تتعلق بالخلافة وأحكامها وأسماه «كتاب الإمارة» وهكذا في سائر كتب السنة فراجعها أخي المسلم ثم أنظر ماذا ترى!؟ وستدرك فوراً أننا فرطنا في هذه الفريضة غاية التفريط.

اللهم غفرانك.

3- الإجماع:

ولعل هذا من أقوى الأدلة على نصب إمام. لا سيما إجماع الصحابة وهم خيرة السلف الصالح على الإطلاق. والإجماع وإن كان عزيزاً حتى قال ناصر السنة وقامع البدعة الإمام المبجّل أحمد بن حنبل: «من ادعى الإجماع فقد كذب». فهو ثابت بنصوص من الكتاب والسنة.

قال ضياء الدين الريّس في كتابه: الإسلام والخلافة ص 348: «والإجماع كما قرروه أصل عظيم من أصول الشريعة الإسلامية وأقوى إجماع أو أعلاه مرتبة هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم لأنهم هم الصف والرعيل الأول من المسلمين، وهم الذين لازموا الرسول عليه السلام واشتركوا معه في جهاده وأعماله وسمعوا أقواله فهم الذين يعرفون أحكام وأسرار الإسلام وكان عددهم محصوراً وإجماعهم مشهوراً وهم قد أجمعوا عقب أن لحق الرسول عليه السلام بالرفيق الأعلى على أنه لا بد أن يقوم من يخلفه واجتمعوا ليختاروا خليفته ولم يقل أحد منهم أبداً أنه لا حاجة للمسلمين بإمام أو خليفة فثبت بهذا إجماعهم على وجوب وجود الخلافة وهذا هو أصل الإجماع الذي تستند إليه الخلافة».

ثم نقل عن الشهرستاني قوله: «وما دار في قلبه (أي الصديق) ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض عن إمام فدلّ ذلك كله على أن الصحابة وهم الصدر الأول ـ كانوا على بكرة أبيهم متفقين على أنه لا بد من وجوب الإمامة».

4- من القواعد الشرعية:

لا يخفى على من درس هذا الدين العظيم حق الدراسة أن قيام الدولة المسلمة ليس هدفاً في حد ذاته وإنما هو من مستلزمات هذا الدين لأن ثمة جملة من الفرائض ليس في متناول آحاد الرعية القيام بها منها إقامة الحدود، والجهاد في سبيل «الله» إعلاء كلمة الله، وجباية الزكاة وصرفها الخ…

فهذه الواجبات الشرعية تتوقف على نصب خليفة، ولا شك أنه تقرر في شريعتنا الغراء أنه:

«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».

نُقول أهل العلم في وجوب نصب خليفة

والآن إليك أخي المسلم ـ في بلاد الله قاطبة بعض النقول لفحُول أهل العلم في القديم والحديث في وجوب نصب إمام مسلم يتولى أمر المسلمين.

1- قال الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية ص5: «عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع».

2- وقال أيضاً في الأحكام السلطانية: « ويجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة ليكون الدين محروساً بسلطانه جارياً على سنن الدين وأحكامه».

3- قال أبو يعلى الفراء في الأحكام السلطانية ص19: «نصبة الإمام واجبة وقد قال أحمد رضي الله عنه في رواية محمد ابن عوف بن سفيان الحمصي: «الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس».

قال الشوكاني في نيل الأوطار ج8/ 265: «فعند العترة وأكثر المعتزلة والأشعرية تجب شرعاً».

4- قال ابن تيميه في السياسة الشرعية 161: «فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإنّ التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس، لابتغاء الرئاسة أو المال فيها» وقال أيضاً في مجموع الفتاوى 28/ ص62: «وكل ابن آدم مصلحتهم لا تتم في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم. ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم طاعة آمر وناه.

5- وقال في ص 64 عطَّر الله أنفاسه. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة أمور عليهم وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى ـ ففي سنن أبي داود ـ عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم».

وفي سننه أيضاً عن أبي هريرة مثله، وفي مسند الإمام أحمد وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم». فإذا كان قد أوجب في اقل الجماعات وأقصر الجماعات أن يولي أحدهم: كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولايات لمن يتخذها ديناً يقترب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ أحبّ الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر».

6- ونقل ابن تيميه في كتابه عن علي بن أبي طالب أنه قال: «لابد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، فقيل يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود وتأمن بها السبل ويجاهد بها العدو يقسم بها الفيء». مجموعة الفتاوى 28/ ص197.

والعجب العجاب أننا اليوم لا نعيش لا تحت إمارة بارة ولا إمارة فاجرة إذ الحدود معطلة والسبل مقطوعة والجهاد في بلاد المسلمين مصادر والويل كل الويل لمن حرّض عليه!!!

7- جاء في الفتاوى ج28/ ص 390: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم» فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة ولهذا روي: «إن السلطان ظل الله في الأرض» ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان» والتجربة تبين ذلك ولهذا كان السلف ـ الفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: «لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان».

8- إنَّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لهم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم وكذا في كل عصر بعد ذلك ولم يترك للناس فوضى في عصر من العصور واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام».

9- قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 87: «اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم».

10- قال القرطبي في تفسيره 1/ 264: «ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روى عن الأصم حيث كان عن الشريعة ـ أصم ـ وكذلك كل من قال بقوله واتبعوه على رأيه ومذهبه».

11- قال الهيثمي في الصواعق المحرقة ص17: «اعلم أيضاً أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

12- قال النووي 12/ 205 شرح صحيح مسلم: «أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة».

13- قال الجرجاني: «نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين».

14- قال إمام الحرمين في كتابه غياث الأمم: «الإجماع على وجوب تنصيب خليفة يحكم بين الناس بالإسلام».

15- قال الإيجي في المواقف وشارحه الجرجاني 603: «إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على امتناع خلو الوقت من إمام حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته المشهورة حين وفاته عليه السلام: «ألا إن محمد قد مات ولا بد لهذا الدين من يقوم به فبادر الكلُّ إلى قبوله وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر».

16- قال د/ ضياء الدين في كتابه الإسلام والخلافة ص99: «فالخلافة أهم منصب ديني وتهم المسلمين جميعاً، وقد نصت الشريعة الإسلامية على أن إقامة الخلافة فرض أساسي من فروض الدين بل هو الفرض الأعظم لأنه يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض».

17- وقال أيضاً في ص 341: «إن علماء الإسلام قد أجمعوا كما عرفنا فيما تقدم ـ على أن الخلافة أو الإمامة فرض أساسي من فروض الدين بل هو الفرض الأول أو الأهم لأنه يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض وتحقيق المصالح العامة للمسلمين ولذا أسموا هذا المنصب «الإمامة العظمى» في مقابل إمامة الصلاة التي سميت «الإمامة الصغرى» وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة وهم الكثرة العظمة للمسلمين وهو إذاً رأي كبار المجتهدين: الأئمة الأربعة والعلماء مثال الماوردي والجويني والغزالي والرازي والتفتازاني وابن خلدون وغيرهم وهم الأئمة الذين يأخذ المسلمون عنهم الدين وقد عرفنا الأدلة والبراهين التي استدلوا بها على وجوب الخلافة، أما الشيعة فهم يقدرون الإمامة أكثر من ذلك ويرون أنها ليست فرضاً فحسب بل هي ركن الدين وأصل الإيمان الذي لا يصح الإيمان إلا بوجودها، فالخلافة إذن عند المسلمين إما فرض أو ركن من العقيدة فهذه حقيقة علمية دينية لا جدال فيها».

18- قال عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه الشورى ص 26: «فالإمامة العامة أو الخلافة هي التي يناط بها إقامة شرع الله عز وجل وتحكيم كتابه، والقيام على شؤون المسلمين، وإصلاح أمرهم، وجهاد عدوهم، ولا خلاف بين المسلمين على وجوبها ولزومها وأثمهم جميعاً إذا قعدوا عن إقامتها».

19- قال أبو يعلي في الأحكام السلطانية ص 19: «وهي فرض على الكفاية فخوطب بها طائفتان من الناس إحداهما أهل الاجتهاد حتى يختاروا والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة».

20- قال عبد القادر عودة ص 124: «وتعتبر الخلافة فريضة من فروض الكفايات كالجهاد والقضاء، فإذا قام بها من هو أهل سقطت الفريضة عن الكافة وإن لم يقم بها أحد أثم كافة المسلمين حتى يقوم بأمر الخلافة من هو أهل لها. ويرى البعض أن الإثم يلحق فئتين فقط من الأمة الإسلامية أولاهما: أهل الرأي حتى يختاروا أحدهم خليفة.

والثانية: من تتوفر فيهم شرائط الخلافة حتى يختار أحدهم خليفة. والحق أن الإثم يلحق الكافة لأن المسلمين جميعاً مخاطبون بالشرع وعليهم إقامته… وإذا كان الاختيار متروكاً لفئة من الناس فإن من واجب الأمة كلها أن تحمل هذه الفئة على أداء واجبها وإلا شاركتها في الإثم…».

21- قال سليمان الديجي في كتابه الإمامة العظمى ص 75: «والحق أنه لا شك أن وجوبها على الطائفتين آكد من غيرهما ولكن إذا لم تقوما بهذا الواجب فإن الإثم يلحق الجميع، وهذا هو المفهوم من كونها فرض كفاية، أي إذا قام بها بعضهم سقطت عن الباقين، ولكن إذا لم يقم بها أحد أثم الجميع كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والعلم وغير ذلك.

واليوم تقاعست هاتان الطائفتان عن القيام بهذا الواجب أو حيل بينهم وبين ما يشتهون، فتعين على كل مسلم ـ كل بحسب استطاعته ـ العمل لإقامة الخلافة الإسلامية العامة، التي تجمع شمل المسلمين تحت راية التوحيد الصادقة وترد لهذا الدين هيمنته وقيادته وترد للمسلمين كيانهم ومكانتهم التي فقدوها بسبب تقصيرهم في القيام بهذا الواجب العظيم والله المستعان».

22- قال د/ محمد الخالدي في قواعد نظام الحكم في الإسلام ص 248: «وما الذل الذي يخيم على المسلمين فيجعلهم يعيشون على هامش العالم وفي ذيل الأمم ومؤخرة التاريخ إلا قعود المسلمين عن العمل لإقامة الخلافة وعدم مبادرتهم إلى نصب خليفة لهم، التزاماً بالحكم الشرعي الذي أصبح معلوماً من الدين بالضرورة كالصلاة والصوم والحج، فالقعود عن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية معصية من أكبر المعاصي، لذلك كان نصب خليفة لهذه الأمة فرضاً لازماً لتطبيق الأحكام على المسلمين وحمل الدعوة الإسلامية إلى جميع أنحاء العالم». وأظن أن في هذه النقول كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

(يتبع)

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *