العدد 42 - السنة الرابعة – ربيع الأول 1411هـ، تشرين الأول 1990م

سؤال وجواب

السؤال:

بعد بضعة أيام تمر علينا ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (12 من ربيع الأول) فما حكم نشر الزينات فيها؟ وما حكم قراءة المولد؟

الجواب:

الجواب ينبني على ثلاثة أسس: أن نفهم معنى البدعة وهل هذا يدخل فيها أو لا يدخل. وأن نفهم معنى التشبه بالكفار وهل هذا يدخل فيه أو لا يدخل. وأن نفهم إذا كان لهذا العمل دليل شرعي، أي هل تحت عموم بعض النصوص أو لا يدخل.

الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم لم يعمل به هو نفسه عليه وآله الصلاة والسلام، ولم يعمل به صحابته الكرام ولا التابعون ولا تابعوا التابعين، وقد وحدث هذا الأمر في عصور متأخرة، ومن هنا تأتي الشبهة أن يكون بدعة أو أن يكون تشبهاً بالكفار.

قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» رواه البخاري ومسلم. وللإمام أحمد: «من صنع أمراً على غير أمرنا فهو مردود».

والبدعة هي العمل الذي يقوم به المرء بنية العبادة والتقرب إلى الله ولا يكون له دليل من الشرع. وحتى تكون العبادة صحيحة يجب أن تكون مما أمر به الله وأن يقوم بها العبد على وفق أمر الله وبنية طاعة الله. وأما إذا قام به بنية الطاعة والتقرب ولكن على وجه لم يشرعه الله فهو البدعة، وهو بدل أن يقربه من الله يقربه من النار. قال الشوكاني في [نيل الأوطار ج2/ ص79]: (فعليك إذ سمعت من يقول: هذه بدعة حسنة، بالمقام في مقام المنع مسنداً له بهذه الكلية ـ أي الحديث المذكور أعلاه ـ وما شابهها من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة».

ولذلك نعود بالسؤال على الأشخاص الذين يحتفلون بالذكرى أو يقرأون الموالد: هل تقومون بهذا بنية القُرْبة والتعبد؟ ومن المعلوم أن العبادات توقيفية، أي لا زيادة فيها ولا نقصان بل يجب الوقوف فيها عند حدود الدليل، وتعدى هذه الحدود هو دخول في البدعة.

أما التشبه بالكفار فقد كان مسموحاً به في بدء الإسلام ثم ورد النهي عنه، فقد روى الإمام أحمد عن أبي مَعمر قال: «كنا مع عليّ رضي الله عنه فمرّ به جنازة فقال لنا ناس، فقال علي رضي الله عنه من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى. أقال: إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهِيَ انتهى». والملاحظ أن الاحتفال في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم جاء تقليداً للنصارى وتشبهاً بهم. ذلك أن النصارى يحتفلون بمولد عيسى عليه السلام، فحصلت الغيرة عند المسلمين في عصور الانحطاط، وقالوا: إن محمداً هو أفضل من عيسى وهو سيد المرسلين فيكف هم يكرمون عيسى ونحن لا نكرّم محمداًصلى الله عليه وسلم. وبنوا على هذا القياس الفاسد استحسان الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.

إن من يفعل هذا بناء على مثل هذا القياس فإنه يقع في الحرام لأنه يقوم به تشبهاً بالكفار. وقد وردت نصوص كثيرة صحيحة في السنة المطهرة تنهى عن التشبه بالكفار. قال صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» [البخاري ومسلم]. وقال: «جُزّوا الشوارب واعفوا اللحى وخالفوا المجوس» [أحمد ومسلم] وفي رواية «وخالفوا المشركين». وقال: «غيّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود والنصارى» [الترمذي والنسائي وأحمد] وقال: «ليس منها من تشبه بغيرنا» [الترمذي]، وقال: «ومن تشبه بقوم فهو منهم» [أبو داود وأحمد]، وقال اليهود: (ما يدع من أمرنا شيئاً إلا خالَفَنَا فيه). وقد روى أبو داود عن أم سلمة «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم السبت والأحد يتحرى ذلك ويقول: انهما يوما عيد الكفار وأنا أحب أن أخالفهم» [والنسائي وأحمد مثله]. وقال ابن حجر العسقلاني [فتح الباري ج10/ ص298]: (وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادت عن الثلاثين حكماً، وقد أودعتها كتابي الذي سميته: القول الثبت في الصوم يوم السبت).

من الذي يجري عند بعض المسلمين في ذكرى المولد خروج مسيرات مصحوبة بفرق موسيقية، أو إضاءة أنوار خاصة بالمناسبة، أو تعليق أوراق زينة في الشوارع والبيوت ومكاتب العمل، أي أن كل ما يقوم به النصارى لعيسى عليه السلام صار المسلمون يقومون بمثله لمحمد عليه وآله الصلاة والسلام. فالذي يقوم بهذه الأعمال على هذا الأساس أي أساس مشابهة النصارى يكون عمله حراماً وهو آثم. وإن توهم أنه مأجور.

وإذا أردنا أن نكرم نبينا صلى الله عليه وسلم فنحن نسلك السبيل الذي سنة لنا نبينا صلى الله عليه وسلم ولا نلجأ للابتداع ولا نلجأ للتشبه. فكيف شرع لنا الله سبحانه أن نكرّم محمداًصلى الله عليه وسلم؟

إن تكريمه صلى الله عليه وسلم يكون باتباعه لقوله تعالى: ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ[ ولقوله تعالى: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[.

ويكون تكريمه بالتمسك بالدين الذي جاء به، قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً».

ويكون تكريمه بالصلاة والسلام عليه في كل حين وليس في ذكرى مولده فقط. قال تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ وقد سأله الصحابة رضوان الله عليهم: «يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة؟ فقال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد؛ اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» [الجماعة].

وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لم يبتدعوا كيفية من عقولهم للصلاة على النبي بل سألوه خشية أن يقعوا في بدعة.

والنصوص تدلنا على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكون كلما ورد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «البخيل من ذُكِرتُ عنده ثم لم يصلّ عليّ» ولقوله: «صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» وقوله: «اكثروا من الصلاة عليّ في ليلة الجمعة ويوم الجمعة». وهناك صيغ كثيرة وردت في الصلاة على النبي وذكره منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سال لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة». وورد في الأثر الصحيح عن ابن عباس يقول: «اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا، واعطه سؤله في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى عليهما السلام».

فكل صيغة فيها ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم ورد فيها حديث صحيح أو اثر صحيح تكون مشروعة شرط أن يقام بها بالشكل الذي وردت فيه.

المرتكز الثالث لهذه الإجابة هو: هل لهذا العمل من دليل شرعي؟ أي هل يستند الذين يقومون بهذه الأعمال في ذكرى المولد أو يعطون الفتوى بها، هل لديهم دليل من الشرع؟ إذا قدموا دليلاً فبها. وإن قاموا أو أفتوا تأثراً بالكفار فهم آثمون. وإن قاموا أو أفتوا بناء على أهواء استحسنوها فهم مبتدعون آثمون. وأن قاموا بناء على دليل نص شرعي وبناء على اجتهاد صحيح عندئذٍ يكون عملهم مشروعاً.

حسب معلوماتنا فإن هناك أنواعاً من الذكر والمديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي مشروعة ويجوز القيام بها في كل وقت سواء كان ذلك في ذكرى مولده أو أي وقت آخر، لأنها تدخل تحت عمومات: ]صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[،        ]وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ[، «صلوا عليّ حينما كنتم».

أما الصيغ التي يقوم بها بعض المسلمين والتي لا تدخل تحت عمومات هذه النصوص فهي حرام من وجهين: لأنها بدعة ولأنها تشبه بالكفار.

ولو كان فيها خير لما كان أهملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون وتابعوهم رضي الله عنهم أجمعين¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *